إذا جفت البركة، بانت ضفادعها: حول ما يجري وقد يجري

الأحد 2014/07/27

أرسل لي صديق طرفة جميلة تبعث على الكثير من الضحك، ولكنه ضحك بحرقة، أو ضحك بما يشبه البكاء كما يقولون، أو لنقل إنها حتى نوع مما يمكن تصنيفه بالكوميديا السوداء إلى حد ما، وسأورد الطرفة كما أرسلها صديقي، أي باللهجة الدارجة في معظمها مع بعض التصرف، حيث أنها أكثر تصويرا وتعبيرا عن الفحوى والمضمون.

تقول الطرفة أنه كان هنالك نمر “أقشر” (أو أزعر بلهجة أهل الشام، وهو الباحث عن المشاكل بسبب ودون سبب)، يكره ثعلبا مغلوبا على أمره، و”متقعد” له (أي متربص له) بالرايحة والجاية، وكل ما شافه عطاه كف (صفعه) على وجهه وقال له: “ليش ما لبست طاقية؟”، وكل يوم على هذا الحال. تعب الثعلب المسكين من هذا الوضع، ولم يجد أحدا يشتكي له إلا ملك الغابة، أي الأسد، فذهب إلى عرينه شاكيا حاله مع النمر قائلا: سيدي الأسد، من هو ملك الغابة؟ فقال الأسد مستنفرا: أنا بالطبع.. ليش السؤال؟ فقال الثعلب: يا سيدي، لم يعد هنالك أمان في هذه الغابة التي أنت ملكها. فقال الأسد بشيء من الغضب: ليش؟.. كيف؟ فقال الثعلب: يا سيدي إن النمر “متقعد” لي، كل ما شافني قال لي ليش ما لبست طاقية، ويعطيني كف، حتى أصبحت مسخرة في الغابة، حتى عند حثالة الحيوانات من القرود. استغرب الأسد هذا الكلام، وقال بنبرة حاول أن تكون غاضبة: معقولة!.. هذا يجري في غابة أنا حاكمها!.. لا عليك.. سوف أعالج الأمر. فغادر الثعلب عرين الأسد، وهو واثق بأن معاناته سوف تنتهي قريبا، فالملك سوف يتدخل بنفسه ويحقق العدل، فيما قام الأسد باستدعاء النمر “الأقشر”.

وجاء النمر إلى عرين ملك الغابة، فقال له الأسد بلهجة عتاب: وش ذا (ما هذا) الكلام اللي أسمعه عنك يا ابن الحلال؟.. ورا (لماذا) ما تعقل.. ما يجوز هذا الكلام في غابتي.. هذا انتقاص من قدري. فقال النمر: وش تبيني أسوي (ماذا تريدني أن أفعل) يا أخي؟.. أكره هذا الثعلب.. أكرهه.. ما أواطنه بعيشة الله (لا أطيقه مطلقا). ابتسم الأسد وقال له: بس ما يصير تعطيه كفوف دون سبب.. يلبس ولا ما يلبس طاقية هو حر.. ليس هناك قانون في غابتنا يُحتم لبس الطاقية. ثم، وبعد برهة صمت تأمل فيها الأسد النمر باسما، قال: شوف يا ابن عمي، دوّر لك سبب معقول يبرر صفعك له بين الفينة والأخرى، مثلا أطلب منه أن يجلب لك تفاحا، فإن أحضر تفاحا أحمر، قل له أريد تفاحا أخضر، وإن جلب تفاحا أخضر، قل له أريد تفاحا أحمر، و”كفخه مثل ما تبي”(أصفعه كما تشاء).

ابتسم النمر، معجبا بدهاء الأسد، وحظ كواسر الغابة وجوارحها به، وعاد أدراجه مبتسما. في اليوم التالي، بحث النمر عن الثعلب حتى وجده يحاول البحث عن قوت يومه متلمسا السلامة بعيدا عن النمر قدر المستطاع، فأمسكه من طرف أذنه الطويلة وقال له: أريدك أن تجلب لي تفاحا في هذه اللحظة، فقال الثعلب بكل براءة: تبي تفاح أحمر وإلا أخضر؟ وهنا صفعه النمر بقوة وقال له: ليش ما لبست طاقية؟

طرفة جميلة بلا شك، ومضحكة كثيرا بالفعل، ولكن لو تأملنا فيما وراء الطرفة، لوجدناها تعبر عن حقيقة أبعد من مجرد الضحك، حقيقة العلاقات بين الدول في عالمنا المعاصر، بل ومنذ بدء العلاقات الدولية، حيث العلاقة بين القويّ والضعيف من الدول، وأحيانا كثيرة حتى بين الأفراد، وبين الحاكم المستبد والشعب المغلوب على أمره، ولكنها في حالة العلاقات بين الدول أبرز، وهي التي تقوم على مبدأ النمر الأقشر: “لماذا لم تلبس طاقية؟”، أو العنجهية وغطرسة القوة، أي البحث عن أي مبرر لفعل مبيّت من الأساس ولا ينقصه إلا البحث عن سبب للقيام به، وكثيرا ما يكون هذا السبب واهيا أو زائفا أو حتى باسم مبادئ لا علاقة لها بالمبادئ.

لم يكن همّ النمر ولا من أولوياته أن يلبس الثعلب طاقية أو لا يلبس، فهذا آخر همومه، ولكن ذلك كان مجرد ذريعة واهية لاضطهاد الثعلب والتضييق عليه، أما السبب الحقيقي فهو مقت النمر للثعلب ومن وجوده في الغابة، ولا بد بالطبع أن هنالك سببا لهذا المقت لا تذكره الطرفة، وهذا أمر مفهوم، فهي طرفة في الأول والآخر، وليست تحليلا سياسا كما نريد لها أن تكون.

أما الأسد (الحاكم المستبد، أو القوى الكبرى مثلا)، فهي لا تسعى حقيقة إلى تحقيق العدل، أو تسعى إلى العدل وفق موازينها، بقدر ما تسعى إلى حل المشكلة عن طريق إيجاد مبرر مقبول لها، مع عدم تغير الوضع قدر المستطاع، كما يتبين من نصيحة الأسد للنمر، فكلاهما من الكواسر، ولا يُمكن لكاسر أن يُهين كاسرا من أجل مكسور، وهذا هو عدل الكبار في النهاية. كل القوى العظمى في التاريخ، من إمبراطوريات قديمة ودول عظمى حديثة، مارست هذه السياسة، وتلحفت بمثل مبررات “النمر الأقشر” في تعاملها مع من هو أدنى منها منزلة، أو أقل منها قوة، لتحقيق أهداف وغايات مخطط لها مسبقا دون أن يكون لها رادع، بل بالعكس من ذلك، فإن من يُفترض به أن يكون رادعا (الأسد)، يكون عونا على ذلك عن طريق البحث عن مبرر حتى وإن كان واهيا.

الولايات المتحدة وروسيا مارستا وتمارسان هذه السياسة “الأقشرية” في الأمس واليوم، كما مارستها فرنسا وبريطانيا وألمانيا واليابان بالأمس القريب، وكما مارسها المغول في اجتياحهم للعالم القديم، بل وكما مارستها إمبراطوريات الفرس والروم والعرب، حين كان الجميع في أوج قوتهم قبل ذلك، في علاقاتهم مع بقية العالم، وفي كثير من الأحيان يكون مبرر الصراع والإخضاع هو “لماذا لم تلبس طاقية”.


حكاية المروحة واحتلال الجزائر


لعل من أبرز الأمثلة التاريخية على تبرير فعل بسبب واضح الزيف والتفاهة، هو حكاية المروحة وبداية الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830، وهو الاحتلال الذي دام لأكثر من قرن وثلاثة عقود من الزمان (استقلت الجزائر في 5/7/1962). فقد كانت فرنسا المثقلة بالديون والثورات والمشاكل الداخلية، والباحثة عن المواد الخام والمواقع الاستراتيجية، وفي ظل التنافس الاستعماري مع القوى الأوروبية الأخرى، وخاصة بريطانيا العظمى، عازمة على التمدد الاستعماري، وبالذات في أفريقيا عموما وشمالها خصوصا، لحل أزماتها الداخلية، وعدم التخلف عن موجة الاستعمار التي اجتاحت القوى الأوروبية العظمى. وكانت الجزائر أحد مطامع الإمبراطورية الفرنسية منذ أيام نابليون بونابرت قبل سقوطه، واستعجلت استعمارها قبل وصول البريطانيين إليها، سواء بطريق مباشر، أو عن طريق غزو بري من مصر بقيادة محمد علي باشا، كما كان مطروحا ضمن أحد الخيارات، ولذلك كانت تبحث عن أي مبرر لإظهار العداء ثم الغزو. وبعد أحداث طفيفة عدة، جاءت حكاية المروحة، أو “ليش ما لبست طاقية”، لتكون فاتحة الاحتلال. وتتلخص الحكاية في أن والي الجزائر، “الداي حسين”، وفي حفل استقبال للقناصل الأجانب في الجزائر بمناسبة عيد الأضحى، سأل قنصل فرنسا، المسيو دوفال، عن مصير ديون فرنسا للجزائر، وعن سبب تجاهل ملك فرنسا لرسائله، فما كان من القنصل الفرنسي إلا أن رد ردا وقحا حيث قال: “إن حكومتي لا تتنازل للرد على رجل مثلكم”، ولعل ذلك كان ضمن خطة فرنسية معينة لاستفزاز الداي حسين، الذي أشار بمروحة يدوية، أو منشّة من ريش النعام كانت في يده إلى القنصل بغضب، وقيل إنه ضربه بها ثلاث مرات وفق تقرير دوفال لملكه، الملك فيليب لويس دو أورليانز (1773-1850)، فكان ذلك بداية الحوادث التي أدت إلى احتلال فرنسا للجزائر في النهاية، وقطع الطريق على بريطانيا والقوى الاستعمارية الأخرى، وكان المبرر الذي طرحته فرنسا دوليا، لشرعنة احتلالها، هو القضاء على القرصنة الدولية التي تنطلق من شواطئ الجزائر، رغم أن الكل يعلم أنها أطماع استعمارية لا علاقة لها بكرامة فرنسا المهانة بمروحة، وكبريائها المجروحة بمنشّة، ولا بحكاية القراصنة وخطرهم الدولي.


غطرسة القوة


من الأمثلة التاريخية الأعمق على قضية الأسباب الواهية لتبرير فعل أسبابه أعمق وأبعد غورا، هو بداية الغزو المغولي للعالم الإسلامي. إذ يذكر التاريخ أن سبب الاجتياح المغولي للعالم الإسلامي، الذي وصل إلى اجتياح العراق والشام، وسقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية الرمزية في ذلك الوقت، هو مقتل مجموعة من التجار المغول في المملكة الخوارزمية المسلمة، ورفض الملك “محمد بن خوارزم شاه” تسليم القتلة لجنكيز خان، وأكد على ضرورة محاكمتهم في مملكته، فكان أن اعتبر جنكيز خان ذلك مبررا لغزو جحافل التتار كل الغرب المسلم.

هناك من المؤرخين من يرى بأن أولئك التجار كانوا جواسيس لجنكيز خان، ولذلك قتلهم محمد شاه، وهنالك من يرى أنهم إنما أُرسلوا ليُقتلوا ويكون ذلك مبررا للغزو، أو ليش ما لبست طاقية، وروايات أخرى عديدة بهذا الشأن، ولكن ما يهمنا هنا هو القول إن أنظار جنكيز خان كانت تتجه غربا، بعد أن اجتاح الشرق، وما كان ينقصه إلا المبرر لفعل ذلك، وقد وجده، أو أوجده، في حكاية التجار وقتلهم تلك. بل إنه حتى رواية تعامل الخليفة العباسي المعتصم مع صرخة المرأة التي استنجدت به وفتحه لعمورية، يُمكن إدراجها ضمن ذلك، بعيدا عن العواطف الجياشة التي تستثيرها فينا مثل هذه القصص، فحين نحلل أو ننتقد سلوكا معينا يجب أن يكون ذلك شاملا حتى سلوكنا، فمن النقص وعدم العدل، وفوق ذلك كله الموضوعية، أن نرفض العدوان مثلا إن كان واقعا علينا، ونفخر به إن كنا نحن من يُمارسه، فالعدوان يبقى عدوانا، والظلم يبقى ظلما، والغطرسة هي ذاتها، سواء مارسته دولة استعمارية مثل فرنسا وبريطانيا، أو قوة عظمى حديثة مثل أميركا وروسيا، أو إمبراطورية قديمة مثل إمبراطورية القياصرة والأكاسرة والخلفاء من بني أمية والعباس وبني عثمان وغيرهم.

خلاصة القول، في حديث يطول لو تركنا “الكيبورد” يجري على أعنته، إن غطرسة القوة، وسياسة “ليش ما لبست طاقية”، وجدت منذ أقدم الأزمان، وما زالت موجودة طالما بقي صراع القوى، وطالما بقيت الأطماع أساس سلوك الدول، وحتى الأفراد والحكام، وطالما بقي قويّ متجبر وضعيف ممتهن، وطالما بقيت غطرسة القوة تعيث فسادا في العلاقات بين بني البشر.

غير أن المثال الأبرز على غطرسة القوة، وسياسة “ليش ما لبست طاقية” هذه الأيام، هو ما نحن شهود عليه من أحداث في عالم العرب، سواء كان الحديث عن العلاقة مع بعضنا البعض في اليمن وسوريا، والعراق وليبيا، أو عن ممارسات بني داعش وغيرهم من بني الإسلام السياسي والمؤدلج حين تأتيهم فرصة القبض على الصولجان، أو علاقة الفلسطينيين مع إسرائيل، وما يجري في غزة يبقى مثلا جليا على سياسة الغطرسة وثمالة القوة وعنجهية السلوك، بغض النظر عمّن كان المسؤول الرئيس عن انفجار الأوضاع هناك، أو لنقل المسؤول عن إطلاق الشرارة الأولى في مخزن البارود، فالمهم هنا هو الخسائر الإنسانية الناتجة في هذه اللحظة، وبعد ذلك يمكن البحث عمّن كان صاحب رصاصة سراييفو.

ولكن الملاحظ أنه ومنذ أن بدأت “عملية السلام” بين العرب وإسرائيل بصفة عامة، وبين الفلسطينيين وإسرائيل بصفة خاصة، بدءا بمؤتمر مدريد عام 1991، في أعقاب حرب الخليج الثانية، مرورا بمحادثات واتفاقيات أوسلو عام 1993، وحتى هذه اللحظة، كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتلكأ في تنفيذ كل ما كان متفقا عليه في تلك الاتفاقيات، وكان التعنت الأشد حين يفوز اليمين الإسرائيلي في الانتخابات ويتسلم مفاتيح السلطة، حيث تبدأ معهم سياسة “النمر الأقشر” بكل صلافتها، ومنهجية “ليش ما لبست طاقية” بكل تداعياتها. واليوم في غزة، جريمة إبادة كاملة تجري أمام أعين كل القوى الكبرى والصغرى في هذا العالم، ولا شيء يتم من أسود الغابة الدولية وبقية كواسره وجوارحه، أما مواشيه وأنعامه فلا تثريب عليها، إذ يجري عليها قول المثل الشعبي: “قال أنفخ يا شريم، قال ما من برطم”.


قضية غزة


الموقف مما يجري في غزة، وتجريم ذلك وتأثيمه مسألة لا تحتاج إلى تأكيد، ولسنا بصدد العويل والصراخ وشج الجباه واللطم على الصدور في كربلاء جديدة من كربلائيات العرب في هذا العصر، فقد بُحّت الأصوات، وجفت المآقي، وتكاثرت الجروح، وتكسرت العظام في الصدور، والنتيجة قرود العالم الثلاثة لا تسمع ولا تتكلم ولا ترى، وسوف ينتهي الأمر في غزة كما انتهى من قبل: وقف لإطلاق النار متفق عليه بين أطراف اللعبة الدولية والإقليمية هناك، ولا عزاء لأهل غزة، بل ولا عزاء للمغلوبين على أمرهم في هذا العالم من الشعوب، الذين لا تشكل دماؤهم وأجسادهم وقيمة حياتهم، إلا ورقة من أوراق لعبة سياسية غير عابئة، وهل كانت ألعاب وألاعيب السياسة إلا أسماك قرش جائعة، تجوب أعماق مستنقع السياسة؟ نعم، تعتمل في النفس الكثير من المشاعر، ويعتصر القلب الألم، ويشمئز الإنسان من كونه إنسانا في عالم لا يعرف قيمة الإنسان أو قيمة الحياة، ومدى الألم الذي يعصف بقلب أمّ فقدت وليدها في العراق، أو زوجة فقدت رفيق حياتها في سوريا، أو رضيع وجد نفسه مقبلا على حياة ملؤها كل ما هو بشع وقبيح في غزة، أو فتاة وجدت نفسها مجبرة على بيع نفسها في سوق النخاسة في اليمن السعيد. بالرغم من كل هذه المشاعر، فإن من الواجب أن نفهم اللعبة، أو نحاول أن نفهم لماذا يجري كل ذلك في هذه اللحظة، بمثل ما أدركنا لماذا جرى ما جرى من أحداث في الماضي، بعد أن جفت الأقلام، ونُشرت الصحف المطوية.

في مقالة الأسبوع الماضي ذكرت أنه، ورغم شح المعلومات، فإن منطق ما يجري يقول إن هنالك أمرا، بل أمورا تُدبّر بليل، وأن هنالك وصفة وجبة طعام دسمة يجري طبخها في مطابخ السياسة الدولية، مثل تلك الوصفات التي جرى طبخها في مطابخ الدول الكبرى مع بدايات القرن العشرين، وقبل ذلك بدايات القرن التاسع عشر، وهي طبخة كبيرة في حجمها، متعددة في مكوناتها وعناصرها، وليس ما يجري في غزة، أو العراق وسوريا واليمن، إلا قطع من صورة كبيرة يمكن تخيلها عند وضع القطع بجانب بعضها البعض، حتى وإن كانت المعلومات شحيحة.

أسئلة كثيرة تطرح نفسها، على افتراض أن الأسئلة تطرح نفسها، سواء حول ما يجري في غزة أو في بقية أقطار العرب، ولكن غزة في هذه اللحظة هي بؤرة حريق تشخص إليه الأنظار.

من هذه الأسئلة: لماذا كان التصعيد في غزة منذ البداية، ولماذا أُثُيرت قضية المخطوفين الثلاثة من المستوطنين، أو افتعلت أو نفذت، في هذا الوقت بالذات، ومن ثم كان التصعيد من كافة الأطراف، وهو الوقت الذي يتمدد فيه داعش في العراق والشام، وينشط الحوثيون وأهل القاعدة في اليمن، وكأنهما متحالفان رغم العداء المذهبي والطائفي، و”الفوضى الخلاقة” تنشر أجنحتها في ليبيا، وهذا الموقف شبه اللامبالي و”العجز ” الأميركي والروسي والأوروبي المريب تجاه كل ما يحدث، رغم أن مكالمة هاتفية واحدة من سيد البيت الأبيض، أو تهديدا جديا من قبل القابع في الكرملين، أو ساكن الإليزيه، أو القاطن في 10 داوننغ ستريت، كفيلة بتهدئة الوضع في غزة مثلا، وحقن كل تلك الدماء السائلة والأشلاء المتناثرة، كما حدث أثناء الغزو الثلاثي لمصر عام 1956، بعد الإنذارين الروسي والأميركي، فما بالك لو اتحد الجميع في هذا الأمر مثلا؟ بل ومن ضمن هذه الأسئلة: يقوم داعش بتفريغ منطقة كاملة في العراق من المسيحيين القاطنين لها منذ أن آمنوا بدعوة المسيح منذ قرون، ولا شيء يحدث، وذلك بمثل ما تفرغ مناطق أخرى من شيعتها أو سنتها، وأهل القرار متفرجون وكأن الأمر لا يعنيهم، أو هو يعنيهم من حيث أنّ كل ما يجري إنما يجري بقدر محسوب.

نعم، هنالك وصفة طبخ كبيرة يتم إعدادها، وما إشعال الحريق في غزة في هذه اللحظة، سواء من قبل حكومة إسرائيل المتشبعة بأساطير يشوع بن نون وفتح أريحا، أو تلك الشكوك التي تدور حول حماس وسعيها للبروز والبحث عن دور سياسي، حتى وإن كان الثمن هو دم الأبرياء من شعب غزة، ودورها في خارطة طريق إقليمية متفق عليها، ليس مهما، بقدر ما أنّ المهم في قضية غزة، وفي هذه اللحظة بالذات، صرف الأنظار عما يُخطط له في بقية المنطقة، وهو ما نقشناه في المقالة السابقة، وذلك لما للقضية الفلسطينية من مكانة وجدانية مستقرة في أعماق القلب العربي، بحيث يتحول الاهتمام الكلي إلى غزة وما يجري في غزة، ويسير الأمر كما هو مخطط له في بقية المنطقة.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فأنا أظن ظنا يقترب من حدود الجزم، بأنه قد تولدت قناعة لدى “أسياد القرار الدولي” في كواليسهم الخلفية، بأن المصدر الأهم لعدم الاستقرار في هذا العالم هو منطقة الشرق الأوسط، والمنطقة العربية بصفة خاصة، وبالتالي فإن استقرار العالم لن يكون متاحا دون استقرار المنطقة، واستقرار المنطقة لن يتحقق دون تحقيق هدفين لا ثالث لهما: حل القضية الفلسطينية حلا نهائيا، واستيعاب الطائفية ومن ثم استيعاب الخطاب الإسلاموي، ولكن كيف يتم ذلك؟ هذه هي الصورة العامة التي يجب أن نحاول تبيان خطوطها العامة لمعرفة كيفية التعامل معها بوعي، وليس بانجراف عاطفي جميل ومؤثر بلا شك، ولكنه كالنفخ في قربة مقطوعة. هل أنا مبالغ في توجّسي هذا، أو أنني من ذوي المخيلة الواسعة التي لا تقوم على أساس؟ ربما، ولكن في النهاية فإن ما تحت التراب سوف تجلوه العاصفة، وحين تجف البركة تظهر ضفادعها، كما يقول مثل يطوف في الذاكرة، أو كما قال قراد بن أجدع للنعمان بن المنذر: فإن يك صدر هذا اليوم ولّى، فإن غدا لناظره قريب.. قاتل الله السياسة ومستنقعاتها ومن ينق في أعماقها..هذا، وسلامتكم.

6