إذا سقطت اللغة

اللوم يُوَجه إلى حفنة من المثقفين الذين انساقوا وراء هذه اللغة الهابطة ووثقوها في رواياتهم وكتاباتهم كَعنونة بارزة تلفت الأنظار فعلا إلى سقوط اللغة بعد سقوط الدولة.
الخميس 2018/10/11
الدكتاتورية لديها “ضبط” حديدي للثقافة الاجتماعية (لوحة: تانيا الكيالي)

لا ترتبط اللغة إلا بالإنسان. والإنسان كائن اجتماعي. والمجتمعات لغوية في بديهياتها اليومية، لكن هذه المجتمعات التي تتواصل عبر اللغة المشتركة في ما بينها خاضعة لطبقيتها واجتماعيتها الثقافية وأنماط سلوكها حتى في داخل المجتمع الواحد والبيت الواحد. فاللغة سلوك ومعرفة تُكتسب مع الوقت، بل هي حضارة تتطور وتُنتِج مفاهيمها بطريقة ذكية. فتتطوّر وتطوّر الحياة من حولها.

وقد حاول علماء اللغة القدامى والمحدثون أن يفلسفوا اللغة ويحددوا ضوابطها وتعريفاتها وآفاقها وقدرتها على التواصل والإبداع، من ابن جنّي وابن خلدون والجرجاني وسيبويه حتى اللسانيين من أمثال دي سوسير وجاكوبسون وناعوم تشومسكي وبلومفيلد، ولا يزال الأكاديميون يتعرضون إلى هذا الموضوع بشكل متواصل، لكنهم جميعا لم يخرجوا عن نطاق أن اللغة غريزية وفطرة واكتساب وعادات ورموز صوتية ونظام نسقي اجتماعي وحافز بيئي وأعراف موروثة في طبقات المجتمعات وهكذا.

قدسية اللغة العربية من قدسية القرآن الكريم مع أن هذه اللغة المنحدرة من السامية سبقت الإسلام بوقت طويل، إلا أن القرآن كونه كتابا منزّلا حفظ لها هذه المنزلة المقدسة حتى اليوم، وبالتالي فإن العرب بلغتهم القديمة هذه بقوا حريصين على تطويرها شعرا ونثرا ومقامات وقواعدَ ومعانيَ واشتقاقات وعروضا وما إلى ذلك. وبقيت السجل المفتوح للتاريخ القديم والحديث وإلى المستقبل، ولسنا هنا بصدد مبحث لغوي بقدر ما نودّ الإشارة إلى هذه الهوية الثقافية العربية التي ننتمي إليها ونفخر بها.

 لكن ما لفت انتباهنا ليس ما هو ثقافي إنما ما هو سياسي أو فكري يريد الحطّ من هذه اللغة بإشاعة ما يجب ألا يُشاع فيها من مفردات مشتقة من واقع الحال العربي الذي أعقب ثورات الربيع سيئة الصيت والهدف، عندما سقطت الدول والنظم الاجتماعية وانهار بناء لغوي كامل في العراق وليبيا ومصر واليمن، ويحضرنا قول أستاذ السوربون لعلم السياسة جاك موريتان الذي رأى بأنه “إذا سقطت الدولة سقطت اللغة” وهذا صحيح إلى حد كبير وهو ما يجب الانتباه إليه وتحليله ثقافيا واجتماعيا؛ فسقوط الدول سياسيا وتحرير الجماهير من سلطة دكتاتورية مثلا سينتج عنه أكثر من خلل لا سيما في النظام الاجتماعي الذي كنّا نراه (متماسكا) لكن الحقيقة ليست كذلك أبدا.

فالدكتاتورية لديها “ضبط” حديدي للثقافة الاجتماعية وهو شكل خارجي وظاهري تسعى إليه حتى لا تكون فوضى داخلية تتسبب بتفكيك منظومتها جزئيا أو كليا؛ لذا نرى في فتح الأبواب عبر الثورات والانقلابات العسكرية فوضى لغوية غير مسبوقة تبدأ من النكتة ولا تنتهي بها، لا سيما اليوم وبوجود قنوات التواصل الاجتماعي الكثيرة التي ساهمت بإشاعة مفاهيم ومفردات لغوية قبيحة تكرّست مع الوقت وبات من الصعب الالتفاف عليها.

لو نترك ماذا يحدث في البلاد العربية المتحولة سياسيا وما أنتجته اللغة المنفلتة، نقول للأسف فإن في العراق فوضى لغوية عارمة انعكست بشكل واضح ومخيف على الثقافة العراقية التي وجدت فيها استعارات مجانية لا يمكن هضمها بسهولة، بل حتى انعكست في العنونة الخارجية للمؤلفات السردية كدعوات موجَّهة إلى القارئ غير الواعي، ذلك الذي تستهويه الفوضى ويساهم فيها بقصد أو من دونه. وهذه حقيقة وجدناها وقرأناها في بعض السرديات الروائية التي انضمّت إلى ثقافة القطيع باستخدام مفرداته التي تم اشتقاقها من الشارع المنفلت في فوضى المدن المتحررة التي أوغلت في تقزيم اللغة العربية والضغط عليها باشتقاقات غريبة لا تمت إلى روح المجتمع وثقافته ومعرفته التاريخية.

إن مثل هؤلاء العيارين والخمّارة وطراطير الحانات قد يكونون إنتاج فوضى سياسية معروفة لأنهم ظاهرة اجتماعية خارجة عن ضابط اللغة وأخلاقياتها وإنسانيتها، لكن اللوم يُوَجه إلى حفنة من المثقفين الذين انساقوا وراء هذه اللغة الهابطة ووثقوها في رواياتهم وكتاباتهم كَعنونة بارزة تلفت الأنظار فعلا إلى سقوط اللغة بعد سقوط الدولة.

14