إذا عطس الاقتصاد الصيني أصيب العالم بالزكام

يبدو أن أزمة تباطؤ الاقتصاد الصيني بدأت تخرج عن السيطرة وأصبحت تداعياتها تنذر بأزمة اقتصادية عالمية، بعد أن جر انحدار الأسهم الصينية أمس، أسعار النفط والمعادن والأسهم العالمية إلى خسائر باهظة، باستثناء الذهب الذي أصبح ملاذا للخائفين من أزمة اقتصادية طويلة.
الثلاثاء 2015/08/25
الوجوم يخيم على المتعاملين في أسواق المال في يوم أسود

لندن- تعمقت خسائر أسواق الأسهم العالمية لتصل إلى تريليونات الدولارات، بعد المخاوف من خروج مشاكل الاقتصاد الصيني عن سيطرة بكين، وأن يؤدي ذلك إلى انفجار فقاعة كبيرة تراكمت خلال عقود من النمو الاقتصادي الجامح.

وضرب الانخفاض الحاد للأسهم الصينية أمس، سعر صرف الدولار وأسعار النفط، في حين عزز عملات الملاذ الآمن مثل اليورو والين الياباني والفرنك السويسري، كما دفع أسعار الذهب إلى ارتفاع حاد بسبب هروب المستثمرين من أسواق الأسهم. وكانت بيانات كثيرة قد أشعلت المخاوف العالمية من إمكانية تزعزع الاقتصاد الصيني، الذي يعد أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي العالمي.

وقال ديدييه دوريه رئيس أنشطة الاستثمار في أي.بي.أن أمرو “إنه رعب على نطاق واسع بفعل الصين… ستستمر التقلبات حتى نرى بيانات أفضل أو إجراءات قوية في السياسة النقدية من خلال تيسير نقدي فعال”.

وكان كثير من المتعاملين يأملون أن تأتي مثل تلك الإجراءات الداعمة ومن بينها خفض أسعار الفائدة من الصين في مطلع الأسبوع، بعدما هبطت سوقها الرئيسية للأسهم 11 في المئة الأسبوع الماضي.

ودقت أجراس الإنذار في الأسواق العالمية أمس بعد هبوط الأسهم الصينية بنسبة 9 بالمئة، والذي أدى إلى انحدار أسعار السلع الأولية بشكل حاد، وهو ما سبب ذعرا للمستثمرين.

وتراجع الدولار بشكل حاد مقابل اليورو، الذي تجاوز حاجز 1.17 دولار لأول مرة منذ بداية العام الحالي، كما تكبدت أسعار عملات الدول الناشئة خسائر كبيرة، كان أبرزها انحدار الروبل إلى مستويات قياسية متدنية.

ويلخص مؤشر أم.أس.سي.آي الأوسع نطاقا لأسهم منطقة آسيا والمحيط الهادي، متوسط خسائر أسواق الأسهم في تلك المنطقة، والذي بلغت خسائره نحو 5.1 بالمئة مسجلا أدنى مستوياته في 3 سنوات. كما تكبد مؤشر نيكاي خسائر مماثلة وسجلت الأسهم الأسترالية والأندونيسية أدنى مستوياتها في عامين.

وفي أوروبا انحدر مؤشر يوروفرست 300 لأسهم الشركات الأوروبية الكبرى، بنحو 3 بالمئة، وهو معدل خسائر معظم الأسواق الأوروبية الرئيسية. وبلغت خسائر المؤشر نحو تريليون يورو منذ بداية الشهر الحالي.

وتكشف خسائر المؤشر حجم الخسائر التي تكبدتها أسواق الأسهم العالمية بسبب المخاوف من خروج المشاكل الصينية عن سيطرة بكين، التي تدخلت مرارا بضخ مئات المليارات من الدولارات في محاولة لطمأنة الأسواق، لكنها لم تفلح في ذلك حتى الآن.

وتعاني سوق الأسهم الصينية من مشاكل متراكمة بسبب التدخل الحكومي. وتشير التقديرات إلى أن ديون الأسهم الصينية المقيدة في البورصة تصل إلى نحو 16.1 تريليون دولار.

وهبط الدولار الأسترالي لأدنى مستوياته في 6 سنوات وتراجعت أيضا عملات أسواق ناشئة عديدة بينما دفع الهروب إلى الملاذات الآمنة اليورو لأعلى مستوى له في ستة أشهر ونصف الشهر.

وقال تاكاكو ماسيا رئيس البحوث لدى شينسي بنك في طوكيو “تبدو الأمور الآن مثل الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات. يبيع المضاربون أصولا تبدو الأكثر تأثرا”.

وعمقت الأزمة الصينية أزمة أسعار النفط بسبب مخاوف من تراجع الطلب وزيادة تخمة المعروض، ودفعت خام برنت إلى أدنى مستوياته في نحو 7 سنوات، كما دفعت الخام الأميركي الخفيف تحت حاجز 39 دولارا للبرميل وهو أدنى مستوى له منذ عام 2009.

ديدييه دوريه: إنه رعب على نطاق واسع وستستمر التقلبات حتى نرى بيانات أفضل

ومع الضربة الجديدة التي تلقتها أسواق السلع الأولية تراجعت العقود الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت والخام الأميركي الخفيف إلى مستويات قياسية متدنية، حيث أدى القلق بشأن تخمة المعروض العالمي إلى تنامي المخاوف من ضعف محتمل في الطلب من الصين المتعطشة عادة للموارد الطبيعية.

وتراجع النحاس الذي ينظر إليه كمؤشر على الطلب الصناعي العالمي 2.5 في المئة وسجلت العقود الآجلة للنحاس للتسليم بعد ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن أدنى مستوياتها في ست سنوات عند 4920 دولارا للطن. وهبط النيكل ستة في المئة إلى 9570 دولارا للطن مسجلا أدنى مستوياته منذ 2009.

وشكل هبوط الأسهم الصينية بنحو 9 في المئة أسوأ أداء لها منذ ذروة الأزمة المالية العالمية في 2009، وبدد جميع المكاسب التي حققتها منذ بداية العام والتي بلغت في يونيو أكثر من 50 في المئة.

وأدى الهبوط الأخير إلى تنامي خيبة الأمل، نظرا لأن بكين لم تعلن سياسة الدعم المتوقعة في مطلع الأسبوع وتراجعت جميع العقود الآجلة على المؤشرات بالحد الأقصى اليومي، وهو ما يشير إلى أن الأيام القادمة ستكون أشد قتامة.

وقال إيجي كينوشي رئيس التحليل الفني لدى ديوا للأوراق المالية في طوكيو “ربما تضطر الصين إلى إجراء مزيد من الخفض في قيمة اليوان إذا تعثر اقتصادها وأدى تعامل أسواق الأسهم مع آفاق ضعف اليوان إلى تضخيم الأثر السلبي لتباطؤ الاقتصاد الصيني”.

وتراجعت العملة الكورية الجنوبية حتى أمام الدولار الضعيف، بسبب تباطؤ الاقتصاد الصيني والتوتر العسكري على الحدود بين شطري شبه الجزيرة الكورية.

وتراجعت العملة الروسية أمام الدولار الأميركي الذي أصبح يساوي 71 روبل، وهو ما يمثل انخفاضا نسبته 45 بالمئة منذ مايو الماضي، في ظل استمرار تراجع أسعار النفط، السلعة التصديرية الأساسية للبلاد.

كما تراجع الروبل إلى أدنى مستوياتها في العام الحالي، مقابل اليورو، الذي تخطى العتبة الرمزية من 80 روبل، كما تراجع مؤشر البورصة بأكثر من 4 في المئة. ويثير تراجع قيمة الروبل الخشية من زعزعة جديدة في بلاد اقتصادها في حالة ركود، بعد أشهر من تراجع كبير في النشاط الاقتصادي.

وصعد الين الذي يعتبر ملاذا آمنا اليوم بنسبة 1.3 بالمئة مقابل الدولار، ليصل إلى أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر، حيث أعطت عمليات البيع السريع للأصول التي تحمل مخاطر زخما أكبر للمخاوف المتنامية من تباطؤ الاقتصاد الصيني والضغوط الانكماشية في العالم.

وتأثر الدولار أيضا بتلاشي الآمال بشأن موعد قيام مجلس الاحتياطي الاتحادي بزيادة أسعار الفائدة، حيث هبط مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام ست عملات كبرى بنسبة 0.8 بالمئة إلى أدنى مستوى لها في شهرين.

ونزل المؤشر 12 في المئة منذ مطلع أغسطس، مسجلا أكبر خسارة شهرية منذ أكتوبر 2008. وقال وزير التنمية الاقتصادية الروسي اليكسيس اوليوكايف أمس، إن أسعار النفط قد تتراجع لأقل من 40 دولارا للبرميل، ولكنه أكد أن ذلك سوف يكون “لفترة قصيرة”، بحسب وكالة انترفاكس الروسية.

وبدأت الأسهم الأميركية تعاملاتها بتسجيل خسائر تصل إلى تريليونات الدولارات حين انحدر مؤشر داو جونز بنحو 6 بالمئة، وتراجع مؤشر ستاندرد أند بورز الأوسع نطاقا بنحو 5 بالمئة، والذي يضم أكبر 500 شركة أميركية.

10