إذا فسد البرلمان

الجمعة 2014/02/07

من المعروف أن العراق صار ومنذ سنوات يتصدر قائمة الدول الأكثر فسادا، بل إن فساده كان المؤشر الأهم من بين مؤشرات فشل قيام الدولة فيه.

لقد عجز العراقيون عن تلبية أصغر متطلبات إعادة اعمار البنية التحتية التي دمرتها الحروب المتلاحقة، وجاء الغزو الأميركي عام 2003 ليسلمها إلى خراب شامل. وإذا ما عرفنا أن ذلك العجز كان مصحوبا بنمو متسارع في ثروات العراق الناتجة عن تصدير النفط، يمكننا التعرف على حجم عمليات النهب المنظم لتلك الثروات.

ومع ذلك فإن فساد السلطة التنفيذية لم يكن غريبا في ظل الفوضى السياسية التي لا يزال العراق يعيشها، كما لو أنها جزء من صورته كما تخيلها وخطط لها المحتل.

كان من الممكن أن يُحجم ذلك الفساد، إذا لم يكن استئصاله ممكنا، في ظل نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، الذي وضع ثروة العراق بين أيدي أفراد الطاقم السياسي الذي جلبه المحتل معه وسلمه مقاليد الحكم. ولكن بأية طريقة؟

يشاع إعلاميا، وهو أمر ليس بعيدا عن الواقع، أن العراقيين قد تحدوا الإرهاب مرتين وذهبوا مسلحين بإيمانهم بالمستقبل ليدلوا بأصواتهم من أجل انتخاب أعضاء لبرلمان، يكون هو سلطتهم التشريعية التي تتولى الرقابة على الأداء الحكومي وتملك حق مساءلة السلطة التنفيذية وصولا إلى حجب الثقة عنها.

في المرتين اكتشف العراقيون أنهم ألقوا بأصواتهم في صناديق قمامة أنتجت سلطة تشريعية أكثر فسادا من السلطة التنفيذية.

لم يتألف البرلمان العراقي إلا من الكتل التي تشكل بطريقة أو بأخرى حكومة المحاصصة. لذلك فإن ما كانت أروقة البرلمان وحجراته تشهده إنما كان مرآة لصراع اللصوص على الغنيمة التي تركها المحتل مسجّاة على مائدة، لن يصل إليها الشعب، بحيث صارت السلطة التشريعية ملحقة بالسلطة التنفيذية. وهو اختراع عراقي بامتياز. فكلما احتدم الصراع بين الكتل السياسية المساهمة في الحكومة انحسرت رغبة البرلمانيين من أعضاء تلك الكتل في الاستجابة لوظيفتهم.

ومثلما يعجز رئيس الوزراء عن التحكم بقرارات وزرائه، فإن رئيس البرلمان كان عاجزا عن الوصول إلى النصاب القانوني لحضور الأعضاء الذين دأب الكثيرون منهم على قضاء جل أوقاتهم في أوطانهم البديلة. ألم يكن لافتا أن البرلمانيين لم يتخلوا عن جنسياتهم الثانية، بالرغم من أن هناك قانونا عراقيا يحظر على من هو في منصب حساس حيازة جنسية أخرى غير الجنسية العراقية؟

كانت السلطة التشريعية معطلة باستمرار، وهو ما استفادت منه السلطة التنفيذية في تنفيذ مشاريعها في الفساد. غير أن أعضاء البرلمان كانوا قد قدموا الدليل تلو الآخر على تمترسهم وراء آلة الفساد التي لم تكن ترى في ثروة العراق إلا مجموعة من المزارع التي يجب توزيعها وفق نظام محاصصة، لا يرى في الشعب إلا مجموعة من الأغنام التي ترعى في تلك المزارع.

لقد تعطل إقرار الكثير من القوانين التنموية وذلك لعدم توفر النصاب القانوني، غير أن قانونا ينصّ على تثبيت الرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان سيحظى بنصاب قانوني، يؤدي إلى الموافقة عليه.

وإذا ما عرفنا أن تلك الرواتب التقاعدية تشكل عشرين ضعفا لما أقره البرلمان نفسه راتبا تقاعديا للمواطن العادي الذي قضى عمره كله في الوظيفة، يمكننا التعرف على حجم الفساد الذي صنعته السلطة التشريعية بنفسها لتقود البلاد إلى الهاوية.

فالبرلماني الذي يخدم أربع سنوات، يقضي معظمها خارج العراق صار يتقاضى بحكم ذلك القانون ما يزيد عن العشرة آلاف دولار، أما المواطن العادي الذي يخدم لأكثر من خمس وعشرين سنة، قضاها في عتمة الوطن في انتظار الموت في أية لحظة، فلن يتقاضى أكثر من خمسمئة دولار، وهو الحد الأعلى.

يُفجع العراقيون كل لحظة في أن برلمانهم الذي انتخبوا أعضاءه بنزاهة وحرية هو برلمان فاسد، وهم لا يظنون أنهم في ذهابهم إلى انتخابات جديدة، يجري الإعداد لها في ظل طبول الحرب في الغرب العراقي، ستنتج برلمانا أقل فسادا.


كاتب عراقي

8