إذا قال "داعش" إنه في مصر فصدقوه

الجمعة 2014/08/22

عقب نشر تنظيم “داعش” بيانه الذي أعلن فيه مسؤوليته عن العمليتين الإرهابيتين في الضبعة ومركز السنطة بالغربية، اللتين راح فيهما عشرات من رجال الجيش والشرطة المصريين، ومهدّدا بقطع الرقاب وبقر البطون عقب مهلة “12 يوما”، سخر البعض وتهكم البعض الآخر واصفين ذلك بـ”الكلام العبيط”، فيما واصل آخرون من “أسْطَوَات” الإعلام والسياسة والفكر والثقافة المهووسين بالطبل والمزمار والرقص والجدل الفوضوي، إلهاء البلاد بقضايا وهمية كعذاب القبر، وخطبة فريد الديب، محامي الرئيس المخلوع حسني مبارك، دفاعا عنه في قضية قتل متظاهري ثورة 25 يناير، وخطبة مبارك في المحكمة، ومرتضى منصور ومعركته مع إلتراس «وايت نايتس»، وتسريبات عبدالرحيم علي حول محادثة رجل الأعمال نجيب ساويرس مع محمد البرادعي، وكل ذلك لشغل الناس عن مجابهة ما يعانونه من مخاطر ومشكلات، أو التفكير في حلول للخروج منها، وذلك للاستعداد والحذر لما يمكن أن يستجد على الساحة من أخطار.

بيان “داعش” الذي وصفه البعض بـ”العبيط” و”الأبله” والتخاريف، ونفي البعض أن يكون هناك وجود لـ”داعش” في مصر، ينم عن جهل وحماقة وجهل بحقيقة الواقع، وذلك لعدة أسباب أولها أن جماعة الإخوان الإرهابية لا تزال موجودة، وطبقا لمؤشر الديمقراطية الصادر عن المركز التنموي الدولي قامت 1138 مسيرة وقطع طرق وسلاسل بشرية وتظاهرة، والجماعة والمتواطئين معها تشكل حضانات للثعابين الذين يمكن أن يسموا أنفسهم “داعش” أو «أنصار بيت المقدس» أو “أجناد مصر” وغير ذلك، خاصة وأن هناك انشقاقات في صفوف الجماعة الإخوانية والسلفية كذلك، ولا أحد يعرف أين تذهب هذه الانشقاقات، لكن إحصائيات الداخلية المصرية عن الخلايا التي تم كشفها والقبض على أفرادها بالمئات، تلقي بظلال قوية على ذلك.

ثم بعيدا عن ذلك، فإن الأيديولوجيا التي تربط كل هؤلاء واحدة، وقراءة بسيطة لبيانات “داعش” وخطب قادتها وجهادييها، تكشف عن علاقة وثيقة بينها وبين الجماعات والتنظيمات الأقدم في مصر، مثل الإخوان المسلمين والشكريين- جماعة التكفير والهجرة- والقاعدة والسلفية الجهادية والجماعة الإسلامية والجهاد وغيرها، فلا فرق إذن بين أن يسمي البعض الآن نفسه “كتائب حلوان” أو “داعش”، كما لا ننسى أن الجماعات التي تنشط في سيناء منذ عامين ولم يتم القضاء عليها حتى الآن، أعلنت منذ ما يقرب الشهر عن مبايعتها لأبي بكر البغدادي زعيم “داعش” خليفة للمسلمين.

ثانيا ما يرزح تحت وطأته الواقع المصري من أزمات ومشكلات وإحباطات وتدهور، إن لم يلد متواطئا مع “داعش” وحاضنا لها، سيلد بشكل مباشر “داعشيا”، فلا أحد يقول لي إنه لا وجود لتنظيم داعش في مصر، في الوقت الذي تزداد فيه الخطابات الإعلامية والدينية والثقافية تخلّفا، والأجواء تتهيأ لزراعته ورعايته وحصاده، وأن ما خرج هو ما استوى على عوده وجهز للضرب وقطع الرقاب وبقر البطون، فعندما يكون الواقع على هذا الحال المتردي ونسبة الأمية تتجاوز 40 بالمئة، ونسبة الفقر 27 بالمئة، وعدد سكان العشوائيات الآمنة وغير الآمنة يتجاوز 20 مليون نسمة، ما المنتظر؟ هل هذا سيلد زهورا وورودا، أم ثعابين وحيّات سامة؟

ثالثا أن اقتصاد مصر، في جانب كبير منه، اقتصاد فوضوي وعشوائي لا يقوم على ركائز تسمح بالوقوف على مداخله ومخارجه، لذا فإن الجماعة الإخوانية وحلفائها على الرغم من المصادرات التي تمت بحق أموالها وشركاتها ومدارسها، لا تزال تملك القدرة على الإنفاق على مظاهراتها ومسيراتها، وما يصحبها من طباعة بوسترات للرئيس المعزول محمد مرسي، وشارات رابعة، وسلاح وأدوات تصنيع القنابل والمولوتوف وغيره، ومن ثم فإن التمويل وما يتبعه من مأوى وسلاح ومعلومات، لن يمثل إشكالية لدى التنظيمات التي ولدت، أو التي ستولد.

وهناك أسباب كثيرة وراء عدم استبعاد وجود “داعش” في مصر، بل “دواعش” إذا جاز الجمع، ثم إن الاسم ليس مشكلة، بل إن المشكلة في النهج والأسلوب، فالثعبان له عدة أسماء وأحجام، ولكل ثعبان طريقته في القتل، وفي النهاية هو قتل.

إن استمرار تجاهل الدولة المصرية لتغيير طرائقها في التعامل مع الواقع المصري، وتحقيق نتائج ملموسة في تحسن الأحوال المعيشية لشرائح تمثل الأغلبية الساحقة من المصريين، يعني أننا بانتظار أكثر من تنظيم “داعشي” واحد، بل تنظيمات داعشية بعدد المناطق العشوائية والمهددة للحياة وغير الملائمة للسكن وغيرها، وطبقا لتقرير مركز اتخاذ القرار بمجلس الوزراء يوجد من المناطق غير الآمنة؛ 364 منطقة، و26 منطقة مهّددة للحياة، و258 منطقة مسكن غير ملائم، و61 منطقة مهددة للصحة العامة، و16 منطقة حيازة غير مستقرة في مصر.

إنني أخشى أن يكرر النظام الحالي برئاسة عبدالفتاح السيسي أخطاء مبارك التي أدت بالبلاد إلى ما هي عليه من انهيار وتفسخ، ومع كامل احترامي وتقديري لمشروع قناة السويس الجديدة وزيادة عمق القناة القديمة، ومشروعات الظهير الصحراوي للمحافظات، فإن مشروعا قوميا لمحو الأمية أو منظومة تعليمية جديدة أو تقليل نسبة الفقر أهمّ بكثير.

ففي النهاية يظل الاستثمار في تنمية الإنسان أساس البناء الحقيقي، والكنز الأعظم للعبور بأي بلد نحو الأفضل، فما قيمة أي مشروع حتى لو كان دخله آلاف المليارات مع وجود أمية تزحف كالوباء يجهز على الفكر ويقتل العقل (طبقا لتقرير التنافسية العالمية للتعليم 2013-2014، أو تقرير دافوس وهو التقرير الذي يصنف الدول وفقا لمعايير جودة التعليم الابتدائي، حصلت مصر على الترتيب الأخير بين جميع دول العالم؛ المركز 148 من بين 148 دولة”).

لست متشائما لكني ضد التهكم والسخرية، ضد التجاهل والتغابي والتقليل من شأن الواقع وما يرزح تحته من أزمات، قد يؤدي استمرارها إلى كوارث لا تحمد عقباها.


كاتب مصري

8