إذلال الأنثى في رواية "جاهلية"

الأربعاء 2013/11/13
عمل أدبي يقدم صورة للأخت من وجهة نظر أخيها

يمكن اعتبار الرواية النسوية السعودية رواية أطروحة ووجهة نظر بامتياز إذا ما قورنت بالروايات النسوية العربية، فهذه الرواية تحمل مفهوما ورؤية للأنثى عن الواقع المعيش، وتعمل على إيضاح جبروته وقسوته من وجهة نظر ذات إنسانية ممثّلة في المرأة، ذلك الكائن المسوّر بكل القيود، بل هي ذات تواجه قوى عاتية، تتمثل في أقرب الناس إليها كالأب والأخ والأم أيضا بوصفها حارسة التقاليد والنواميس.

في رواية "جاهلية" للروائية السعودية ليلى الجهني الصادرة عن دار الآداب- بيروت 2008، نتعرف على عالم مألوف في الرواية السعودية وصورته الحب الممنوع، حيث تقف تقاليد العائلة والعرف الاجتماعي حائلا دون تحقق رغبة إنسانين يطمحان في الاقتران ببعضهما وتكوين عائلة، غير أن الجديد في هذه الرواية هو الإطار الذي أطّرت به الروائية سرد حكايتها المألوفة، فقد جعلت من العناوين نسقا ثقافيا يحمل وجهة نظر حاولت إخفاءه بين طيات الحدث المأساوي الذي أضفى الحزن والخوف والقلق على الفاعل "هاشم" الذي كان يتوعد حبيب أخته بكل ما يستطيع من فعل عنيف، ولكن بعد الذي جرى من أحداث وتعرض "مالك" الحبيب إلى كل الضرب العنيف مما جعله في غيبوبة دائمة، نجد هاشما قد ركبه القلق والخوف والندم، ونجد الأب وهو يحدث نفسه ويلومها على عدم موافقته بالزواج، كل ذلك يمثل حكاية عادية لا جديد فيها وقد كتبت مثلها عشرات بل مئات القصص، إذن أين الجديد في رواية ليلى الجهني "جاهلية".

لعنة الجاهلية


تمثل العناوين نسقا خاصا يحمل وجهة نظر متطرفة عن العلاقات في واقعنا الحديث، فعنوان الرواية "جاهلية" متضامن مع العناوين الداخلية للرواية حيث يحفز لقراءة ثقافية فاعلة تجاه العلاقات السائدة في مجتمع الرواية وتمثيلها على وقائع الحياة التي اجتزئت منها. ويرد هذا النسق، ابتداء من غلاف الرواية، وفق الشكل الآتي: جاهلية + مجموعة العناوين التي تمثل فصول الرواية + يوميات الرواية بالأيام والأشهر الجاهلية.

فالعنوان يدمغ الحدث وتفاصيله ومعظم شخصيات الرواية بالجاهلية، من خلال وجهة نظر الأخ والأب بشخصيتي الفتاة "لين" وحبيبها "مالك"، أما محتويات الرواية الأخرى، فهي مجموعة أخبار مأخوذة من الصحف والفضائيات دون تعليق، في حين تؤطر الأشهر في العصر الجاهلي يوميات الرواية بالساعة واليوم والشهر. تشكّل محتويات الرواية – وهي مجموعة من الأخبار عن الاستعدادات الأميركية لغزو العراق في ما سمي بعاصفة الصحراء- إطارا عاما تجري الأحداث على أرضيته الصلبة والمحايدة.

وهناك فاصلة زمنية طويلة بين الحدث الروائي ممثّلا في الاعتداء على مالك وبين أحداث غزو العراق في بداية تسعينيات القرن العشرين، فاليوميات المؤرخة وفق الأشهر العربية الجاهلية تشير إلى وجود فاصلة زمنية مقدارها اثنا عشر عاما بعد عاصفة الصحراء، وبين الحدث المأساوي المتمثل في الاعتداء على مالك، غير أن هذه الفاصلة الزمنية الطويلة تقترب من فاصلة مكانية تفصلها ورقة واحدة لا تستغرق زمنا في تقليبها، الأمر الذي يعني الدخول من الإطار إلى الحدث المسرود دون تلك الفاصلة الزمنية، وكأن الحدثين قد تمّا في وقت واحد، ويتأكد ذلك بالفصل الأخير الذي يؤرخ لاحتلال بغداد في عام 2003 وهو زمن سرد الحكاية.

العنوان يدشن صورة "جاهلية" للأخت من وجهة نظر أخيها الذي تمنّى:"لو أن أمه خنقتها وهي تلدها. لو أنها ماتت بدلا عن الآخرين الذين ماتوا قبله، لو أن الله قال: اقتلوهن، لكن قتلها سيريحها"، وهي من أفكار الجاهلية. أما عشيقها مالك فهو "لعنة الله على الحيوان مو أكثر من حيوان".

ويرفض الأب زواج ابنته لين من مالك بسبب لونه الأسود، حيث نقرأ قوله: "سامحني يا ولدي بس أنا ما أقدر أرمي بنتي للناس تأكل لحمها" وهي فكرة تتصل بالماضي حين يعامل الأسود معاملة غير إنسانية حتى لو كان من أفاضل الناس، والسارد في فصل "ما تحت اللون" يذكر أخبارا عن معاملة العرب للسود استجابة لمفهوم جاهلي عن علاقة الأسود بالعبودية منها احتجاج الوليد بن عبد الملك على عبد الله بن جعفر الذي زوج ابنته أم كلثوم إلى الحجاج بن يوسف قائلا له: "إنك عمدت إلى عقيلة نساء العرب وسيدة نساء بني عبد مناف فعرضتها عبد ثقيف يتفخذها.." ولم يشفع للحجاج مركزه عند بني أمية. كما يرد ذكر عقوبة الرب لحام بن النبي نوح الذي واقع زوجته "في السفينة فدعا عليه نوح أن تشوّه خلقة نطفته فولد له ولد أسود".

الجهني تنتصر للمرأة من صورتها القديمة

كل ذلك يشي بعلاقة مستحيلة التحقق، وهي علاقة محكومة بالفشل منذ بدايتها والرواية تعمق الشعور بالأسى والحزن العميق إزاء علاقة إنسانية يحكم عليها بالموت من خلال أفكار ونزعات ملتبسة وغير إنسانية وهي نتاج بيئة خارج زمن ومكان السرد إذ تعود إلى تاريخ ضارب في القدم تحكمه علاقات قبلية وأعراف الغزو وقيم استعباد الناس، ولئن نسخ الإسلام كل هذه العلاقات واعتبرها من المحرمات، فإنها ما زالت فاعلة في مجتمع المدينة المنورة الحديث، وعلى نفس الأرض التي نبتت فيها تعاليم الإسلام، وبعد قرون بين النشأة والحاضر المعاصر.

شاهدة وشهيدة

تحاول الروائية أن تضع الأنثى "لين" معادلا لواقع عريض من المتغيرات والقناعات والأفكار التي تديمها وتغذيها ماكنة المصالح الشخصية وأنانية الذات التي تغذيها العلاقات الجديدة في المجتمع المعاصر: الفردية والأنانية والنزوع نحو تقديس الذات في عالم يصحو وينام على تغريب الذات ومحو تطلعاتها نحو الآخر، في هذا الفضاء تتفتح شخصية لين الأنثى وليست المرأة فالمرأة صناعة حديثة بمواصفات يريدها المجتمع الحديث.

ماذا تستطيع هذه الأنثى -التي عاشت ضمن هامش صغير رعاه أب رحيم- أن تفعله؟ تعلمت أن تكون قوية "أقوى منه، عليه أن يعترف بهذا على الأقل" ولكن الحقيقة أن الجميع أقوى منها.

علمت أنها غير قادرة على فعل أي شيء، وأنها وحيدة لا تجد من تتكلم معه، لقد استيقظت "على بشاعة الناس والأشياء من حولها" ولم يبق أمامها، سوى تأمل مأساتها ومأساة الإناث اللواتي تعرفت عليهن على غرار "مزنة" القصيرة العجفاء بعمر خمس عشرة سنة التي هربت من زوجها الكهل الذي يغتصبها يوميا وهي تردد: "لا أريد أن أعود" وعندما تسألها لين عن السبب تجيب: "يوجعني". إنها نموذج لمئات الحالات التي بعمرها من اللائي يجبرهن آباؤهن على الزواج من رجال أكبر حتى من آبائهن ويبقين تحت رحمتهم إلى أجل غير مسمى .

إن إشكالية الأنثى في شخص لين تتجسّد في وعيها بذاتها كإنسانة وأن لها حق العيش بكرامة وافرة، لكن محيطها يفرض عليها أفكاره وسلوكاته التي ورثها من تقاليد أصبحت خارج التاريخ، ولذا فإن صرختها المكتومة المعززة بصرخات أمثالها من الإناث، تأتي احتجاجا وتنبيها لمن لم يعرف أن الأنثى في عالمنا الحديث تعيش شاهدة على عصرنا وضحية من ضحاياه.

14