إرادة محلية وأميركية تبقي سكان الفلوجة رهن محرقة داعش

المأساة الغامرة التي يعيشها أهالي الفلوجة العالقين بين فكي “كلابة” تنظيم داعش والقوات العراقية، تثير الشكوك بشكل متزايد في وجود إرادة للانتقام من سكان المدينة التي كانت في السابق موطنا لمناهضة الاحتلال الأميركي وما ترتب عنه، وتكال لها الاتهامات راهنا باحتضان داعش والتعاطف معه.
الأربعاء 2016/02/03
لم يغفر للفلوجة مقاومتها للاحتلال

بغداد - ناشد صهيب الراوي محافظ الأنبار بغرب العراق، قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة أن ينزل جوا مساعدات غذائية وأدوية لعشرات الألوف من المدنيين المحاصرين في الفلوجة، وذلك بعد تواتر التقارير والشهادات بشأن كارثة إنسانية كبيرة بصدد الحدوث داخل المدينة، ووقوع ضحايا مدنيين جرّاء نقص الغذاء والدواء.

ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه الشكوك بشأن عدم وجود إرادة حقيقية في تخليص الفلّوجة من قبضة تنظيم داعش وإنهاء معاناة سكّان المدينة، التي كانت مركزا للتمرّد على الاحتلال الأميركي، ومثلت لاحقا موطنا لرفض ما ترتّب عن الاحتلال من عملية سياسية مشوّهة سلّمت العراق لحكم الأحزاب الدينية الموالية لإيران.

وقال مراقب سياسي عراقي إنّ “ما يجب أن نتذكره دائما ونذكّر به أنّ الفلوجة هي المدينة العراقية الوحيدة التي دخلت في حرب مفتوحة كانت الولايات المتحدة طرفها الثاني، وأنّ الحصار فرض على المدينة منذ الأيام الأولى للاحتلال الأميركي، أي أنّ حصار المدينة سابق على ظهور تنظيم داعش، وسيطرة الأخير عليها ما هي إلا ذريعة للاستمرار في حصارها”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “كُتب على هذه المدينة أن تكون منبوذة لأسباب تتعلق بموقف سكّانها من الاحتلال الأميركي وما نتج عنه. ولن يُنسى لها ما فعلته بمقاولي شركة بلاك ووتر الأمنية الأربعة عام 2004”، في إشارة إلى حادثة قتل أربعة من عناصر الشركة الأمنية المذكورة على يد مقاومين للاحتلال وسحل جثثهم في شوارع الفلوجة وتعليقها على جسر في أطراف المدينة. وأكّد “أن الولايات المتحدة التي أصبحت متحكمة إلى حدّ بعيد في سير المعارك بالأنبار تشارك الحكومة العراقية تراخيها إزاء احتلال داعش للفلّوجة”، مشدّدا على أن “حكومة بغداد لم تفعل شيئا من أجل تخليص المدينة وأهلها من قبضة داعش”.

وأضاف “من وجهة نظري، فإن الحكومة تفضل أن تبقى المدينة محتلة من قبل داعش كي يكون ذلك مبررا لاستمرار حصارها”، مذكّرا بما راج في السابق من اتهامات لسكان الفلّوجة باحتضان تنظيم داعش والتعاون مع مقاتليه.

ليزا غراندي: الأوضاع في الفلوجة مروعة.. الناس يموتون من الجوع ونقص الدواء

وختم بالقول إنّ “المدينة التي لم يتم احتواؤها من قبل الدولة العراقية شبعت قصفا وقتلى ومعاقين، والآن تترك للجوع والمرض”.

وقال سكان تم الاتصال بهم هاتفيا من داخل الفلوجة إنهم يعانون من نقص الغذاء والدواء والوقود. وقالت وسائل إعلام محلية إن عدة أشخاص توفوا بسبب الحصار المضروب على المدينة.

وفي وقت سابق أكدت مصادر طبية عراقية في مستشفى الفلوجة العام وفاة عشرة أشخاص بينهم أطفال ونساء ومسنون بسبب نقص المواد الغذائية والطبية.

ونقل عن الطبيب جمال الفلوجي قوله في اتصال هاتفي من داخل المدينة إنّ “أطفالا ونساء ورجالا من كبار السن فارقوا الحياة في المستشفى بسبب نقص المواد الغذائية والطبية”.

وأضاف أن” المجاعة التي يعانيها سكان مدينة الفلوجة وضواحيها أدت إلى إصابة كثير من الأطفال بأمراض ولم يتيسر أسعافهم جراء الحصار”.

ومن جانبه لفت سعدون الشعلان، قائممقام قضاء الفلوجة إلى وجود نحو 3 إلى 5 آلاف عائلة محاصرة بالمدينة ولا يسمح لها تنظيم داعش بالمغادرة.

وأضاف أن “القوات الأمنية العراقية، منعت دخول المواد الغذائية والأدوية إلى الفلوجة، لمنع استغلالها من تنظيم داعش، لكن بالمحصلة النهائية المتضرر الوحيد من الإجراء هم المدنيون الذين بات الموت يتهددهم بشكل حقيقي. وهناك عدد من حالات الوفاة بسبب قلة الغذاء وانعدام العلاج، خصوصا أدوية الأمراض المزمنة”.

وقال المحافظ صهيب الراوي إن الإنزال بالطائرات هو السبيل الوحيد لتوصيل مساعدات إنسانية للسكان بعد أن زرع تنظيم داعش الألغام عند مداخل المدينة ومنع المدنيين من مغادرتها.

وأكّد أنّه لا توجد قوة يمكنها تأمين وصول الإمدادات، لذلك ليس هناك خيار سوى إنزال المساعدات بطائرات. وأضاف أن الوضع يتدهور يوما بعد يوم.

والفلوجة التي تقع على مسافة 50 كيلومترا غربي العاصمة بغداد كانت أول مدينة عراقية تسقط في قبضة تنظيم داعش في يناير 2014 قبل ستة أشهر من اجتياح التنظيم المنبثق عن تنظيم القاعدة لأجزاء كبيرة من شمال وغرب العراق ومن سوريا المجاورة. وتفرض قوات الجيش العراقي والشرطة ومقاتلون شيعة مدعومون من إيران حصارا شبه كامل على الفلوجة منذ أواخر العام الماضي.

وبعد استعادة مدينة الرمادي من تنظيم داعش قبل شهر لم توضح السلطات العراقية ما إذا كانت ستسعى لاستعادة الفلوجة في الخطوة القادمة أم ستتركها محاصرة بينما توجه كل جهودها الحربية شمالا باتجاه الموصل أكبر مدينة عراقية يسيطر عليها التنظيم المتشدد.

وتفيد تقديرات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أن هناك نحو 400 من مقاتلي التنظيم في الفلوجة، لكن بعض المحللين العسكريين يقدرون العدد بنحو ألف. ولم يخصص التحالف الذي يضم قوى أوروبية وعربية من قبل موارد كبيرة للعمليات الإنسانية.

وقال الراوي إن المتشددين يستخدمون المدنيين كدروع بشرية كما فعلوا في الرمادي وهو ما يبطئ تقدم القوات العراقية.

وأضاف أن التقارير الإعلامية التي تحدثت عن وفاة ما يصل إلى عشرة أشخاص بسبب نقص الغذاء والرعاية الصحية دقيقة لكن المسؤولين العراقيين لم يوردوا تفاصيل.

ومن جانبها وصفت ليزا غراندي منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في العراق الأوضاع في الفلوجة بأنها مروعة. وقالت لوكالة رويترز “نحن قلقون للغاية من تقارير عن أناس يموتون من الجوع ونقص الدواء”.

وطالبت شخصيات برلمانية بإنقاذ سكان الفلوجة من مجاعة قد تسبب كوارث إنسانية وشيكة، حيث أكدت عضو مجلس النواب عن اتحاد القوى العراقية لقاء وردي أنّ حوالي 10 آلاف مدني في الفلوجة يقعون تحت سيطرة تنظيم داعش كرهائن.

وشبهت وضع سكان الفلوجة المدنيين بوضع مدينة مضايا السورية المحاصرة من قبل قوات النظام السوري وميليشيا حزب الله.

3