إرث الثورة وهياكل التعليم تفاقم معدلات البطالة في تونس

أكد خبراء أن تطوير سوق العمل التونسي يحتاج إلى رؤية جديدة تبدأ من معالجة آثار نظام التعليم المنفصل عن حاجات سوق العمل وتحسين مناخ الأعمال وصولا إلى إحداث “ثورة” اقتصادية في كل المجالات من أجل امتصاص البطالة المرتفعة.
السبت 2017/02/18
في انتظار فتح الطرق المسدودة

تونس - لم تنجح الحملات المتواصلة للحكومة التونسية وحتى الجهود التي يقوم بها القطاع الخاص للتقليص من نسب البطالة المرتفعة في السنوات الأخيرة، لعدة عوامل بدت للخبراء جوهرية.

ويرجع اقتصاديون ذلك الأمر إلى أسباب كثيرة من بينها، التبعات التي خلفتها الاضطرابات في أعقاب الثورة إلى جانب أرقام النمو المتواضعة ومستوى التعليم المبالغ فيه والذي لم يعد يتلاءم مع سوق العمل. وصعدت نسبة البطالة في تونس إلى نحو 15.5 بالمئة بنهاية الربع الثالث من العام الماضي، مقارنة مع نحو 13 بالمئة قبل عام 2011.

ويرى وزير التجارة التونسي السابق محسن حسن أن نسبة البطالة مرتفعة في السوق المحلية باعتبار أن “البطالة نوعية” فهي تمس أكثر، الحاصلين على الشهادات الجامعية.

وقال إن “الوضع الأمني والاجتماعي وبطء النمو، وفشل منظومة التعليم والتأهيل كانت من الأسباب الرئيسية، وراء عجز الحكومات المتعاقبة عن إيجاد حلّ لمعضلة البطالة والحدّ من تفاقمها”. وفسر بأن عدم استقرار الوضع الاجتماعي والأمني، أدى إلى فقدان العديد من فرص العمل، مشيرا إلى أن شركات عديدة غادرت تونس بسبب الاحتجاجات أو الاعتداءات الإرهابية.

وكان وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي فاضل عبدالكافي، قد صرح في مقابلة خاصة مع وكالة الأناضول في أكتوبر الماضي قائلا إن “أحداث 2011 أدت إلى إغلاق ألفي شركة منها 500 شركة أجنبية”.

وأثر تراجع الاستثمارات والتصدير وانخفاض الطلب المحلي باعتبارها المحركات الأساسية للنمو، في السنوات الماضية على سوق العمل وبالتالي لم توفر فرص عمل جديدة بالكيفية المطلوبة. ولكن تلك المشكلات ليست بمفردها وراء ارتفاع معدل البطالة، حيث أكد الوزير التونسي أن “فشل منظومة التعليم والتأهيل هي معضلة أساسية أدت إلى ضعف تشغيل حاملي الشهادات العليا والمتكونين في مراكز التدريب المهني”.

ونسبة البطالة لدى حاملي الشهادات الجامعية، ترتفع سنة بعد أخرى، فقد بلغ عدد العاطلين في الربع الثالث من العام الماضي، نحو 267.7 ألف شخص، مقارنة مع نحو 236.8 ألف عاطل في الربع السابق.

وأمام الحكومة عمل كثير لخفض معدل البطالة والتي تعتبر من المحاور الرئيسية في استراتيجيتها للخطة الخمسية التي تنتهي بحلول نهاية 2020.

ولمعالجة البطالة، يشدد حسن على أنه لا بد من توفير الأسباب للحد منها عبر دفع جذب الاستثمارات وتطوير مناخ الأعمال والقيام بالإصلاحات الضرورية وتطوير النظام المالي وتطوير التمويل الصغير وإنهاء الاحتجاجات والعمل على المحـافظة على الاستقرار الأمني.

محسن حسن: الوضع الأمني وبطء النمو وفشل منظومة التعليم والتأهيل وراء ارتفاع البطالة

وعانى الاقتصاد التونسي خلال السنوات الست الماضية، من تباطؤ نسب النمو بسبب تراجع الاستثمارات وتخوفات القطاع الخاص من توتر أكبر على الصعيدين السياسي والأمني.

ووفق بيانات وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، فقد تراجع تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة في تونس مع نهاية العام الماضي، بنحو 9.4 بالمئة ليصل إلى قرابة 2.37 مليار دينار (1.03 مليار دولار)، بمقارنة سنوية.

ويرى جمال الدين الغربي، الخبير التونسي في التنمية، أن مشكلة البطالة في البلاد تعود أساسا إلى أن السياسة الاقتصادية في تونس منذ عقود لا تعتمد على تطوير القيمة المضافة وتثمين الثروات الموجودة.

وقال “منذ عام 1956، الاقتصاد التونسي يقوم على تصدير المواد الخام وجلب الاستثمار الخارجي، اعتمادا على تقليص الكلفة عبر اليد العاملة الرخيصة وغير الكفؤة”، مشيرا إلى أن تونس تزخر بالثروات من بينها زيت الزيتون والفوسفات والرخام والجبس وغيرها.

وأكد أن “تونس تعتمد على سياسة استعمارية” تقوم على تصدير المواد الخام ثم يقع تصنيعها وإعادة توريدها في الخارج ليتم استيرادها بعد ذلك، وهو ما جعل الميزان التجاري سلبيا، باعتبار أن الواردات هي ضعف الصادرات أو أكثر.

وبلغ العجز في الميزان التجاري في يناير الماضي، وفق الإحصائيات الرسمية، نحو 531 مليون دولار، بعد أن تجاوزت الواردات عتبة 1.5 مليار دولار.

ويعيب الغربي على الحكومة الحالية تكرار أخطاء الحكومات السابقة في الاعتماد على السوق الأوروبية بشكل كبير، بينما توجد أسواق قوية في كل من الشرق الأوسط وآسيا وأميركا الجنوبية.

وقال إن “السوق الأوروبية هي السوق ذات النمو الأضعف في العالم حاليا، وأن 83 بالمئة من الصادرات التونسية تذهب إلى الاتحاد الأوروبي، وهذا الأمر لا يساعد على ردم الفجوة في الميزان التجاري”.

وأكد الخبير الاقتصادي أن “ضعف معدلات النمو لبعض اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي سيؤثر حتما على الاقتصاد التونسي”.

ويبدي البنك الدولي تفاؤلا حيال معدل النمو الاقتصادي في تونس للعام الحالي، حيث يتوقع بلوغه نحو 3 بالمئة، مع توقعات بتحقيق نسبة 3.7 بالمئة العام القادم، ونحو 4 بالمئة في عام 2019.

وتوقع البنك المركزي التونسي في يونيو الماضي، أن تبلغ نسبة النمو لكامل سنة 2016 حوالي 2 بالمئة، ونحو 3.5 بالمئة في العام الجاري بعد أن بلغ مستوى النمو تراجعا ملحوظا وصل لحدود 1.6 بالمئة.

11