إرجاء الاستحقاقات السياسية يطيل الأزمة الجزائرية

إرجاء مناقشة التعديلات الدستورية يعقد الوضع أكثر في ظل غياب أي بوادر لدى السلطة لاحتواء الحراك الشعبي.
الخميس 2020/03/26
الاحتجاج سيتواصل بعد التغلب على كورونا

الجزائر – رغم الهدنة السياسية المعلنة في الجزائر، تحت ذريعة التفرغ الكلي للتكفل بوباء كورونا، إلا أن رائحة تربص كلا طرفي الصراع بالآخر، يمكن أن تشتم من رهانهما على توظيف الوضع الاستثنائي لتغذية أدوات المعركة السياسية في مرحلة ما بعد كورونا.

ودخلت الاستحقاقات السياسية التي كانت مبرمجة في أجندة السلطة الجديدة في الجزائر، تحت طائلة المؤجل لأجل غير مسمى، بسبب جائحة كورونا، فكل الجهود باتت مركزة على التكفل بالوضع الاستثنائي، بعدما كانت تتجه إلى استحقاقات سياسية مفصلية في المسار المؤسساتي للبلاد.

وتحت طائلة وباء كورونا، تقرر تأجيل التعديل الدستوري الذي كان مقررا عرضه للنقاش والاستفتاء الشعبي خلال الأسابيع القادمة، كما التقط نواب البرلمان أنفساهم هم كذلك، بعدما كانت مسألة حل المؤسسات المنتخبة وتنظيم انتخابات تشريعية ومحلية قبل نهاية العام الجاري، وباتت الآن في حكم المجهول.

وعلقت الهيئة التشريعية أشغالها منذ أسابيع قليلة بسبب انتشار وباء كورونا، ودخل النواب في إجازة استثنائية، حيث لم تبق في الواجهة إلا بعض المبادرات الفردية لبعض النواب، الذين دخلوا في تفاعل مباشر مع الوضع الاستثنائي في البلاد.

وبعيدا عن شبهات الاستغلال السياسي للوضع، من طرف قوى سياسية ونواب مخضرمين، تحسبا لأي تطور في المشهد الحزبي بالبلاد، فإن غالبية نواب البرلمان توارت عن الأنظار رغم مسؤوليتها تجاه الوعاء الانتخابي الذي حملها مسؤولية تمثيله، ولم يبق من هؤلاء إلا عددا قليلا من النواب، كما هو الشأن للخضر بن خلاف وحسن عريبي، ونورة لبيض.. وغيرهم.

ومع تنامي الانتقادات لأداء الحكومة في التعاطي مع الوضع، فباستثناء الظهور المتكرر لوزير الصحة عبدالرحمن بن بوزيد، ووزير التجارة كمال رزيق، اللذين ظهرا في الميدان، فإن بقية الطاقم دخل في خمول مثير، ومعهم مؤسسات مدنية يجهل سبب غيابها لحد الآن.

وأطلق ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي، حملات بحث افتراضية عن بعض الوزراء كالتضامن والأسرة والداخلية، وأيضا بعض المنظمات والجمعيات المستفيدة من ريع السلطة، على غرار الهلال الأحمر الجزائري، الذي كان ينظم حملات تضامن استعراضية مع دول في المنطقة، بينما لم يظهر لحد الآن في أداء واجبه تجاه الجزائريين.

هدنة سياسية بسبب تفشي وباء كورونا
هدنة سياسية بسبب تفشي وباء كورونا

وعكس وزير التجارة كمال رزيق، الذي يقود حملة التحكم في الأسواق ومحاربة بارونات الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وظهر في أسواق التجزئة والجملة في الليل والنهار، فإن طاقم رئيس الحكومة عبدالعزيز جراد، يطاله عتاب كبير وحتى انتقاد شديد من طرف المتربصين في معسكر خصوم السلطة، بعدما عجزت الحكومة عن احتواء أزمة الدقيق (طحين)، نظرا لما باتت تسببه من زحمة واكتظاظ في نقاط التوزيع، وغير بعيد أن تتحول إلى بؤر متعمدة.

ويدفع الوضع الصحي الاستثنائي باتجاه خمود حركية السلطة في تنفيذ أجندتها السياسية، مما يضعها في موقع ضعيف تجاه الشارع الغاضب، لأنها ستجد نفسها مرغمة على تسيير الأزمة بالمؤسسات الموروثة عن نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وفي هذا الشأن أعلن الرئيس عبدالمجيد تبون، تأجيل النقاش حول مسودة التعديلات الدستورية التي أعدها فريق خبراء قانون، لتكون بذلك أول محطة تتعطل فيها إصلاحات السلطة.

وذكر بيان للرئاسة بأنه “نظرا للظروف التي تمر بها البلاد في مواجهة محنة وباء كورونا، فقد تأجل توزيع هذه الوثيقة على الشخصيات الوطنية، وقيادات الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، إلى حين تحسن هذه الظروف”.

وكان الرئيس الجزائري قد تسلم منتصف هذا الأسبوع المسودة النهائية على أمل توزيعها على مختلف الفعاليات السياسية والأهلية في البلاد للنقاش والإثراء، إلا أن الأوضاع الاستثنائية سارت عكس ما تتمناه السلطة.

ويرى متابعون للشأن السياسي في الجزائر، بأن جدل التعديل الدستوري والانتخابات التشريعية والمحلية المبكرة، كان بالإمكان أن تحدث تنفيسا للغضب الشعبي ضد السلطة، مع إمكانية استقطاب جزئي منه للمسار المذكور، إلا أن الاضطرار لإرجاء الأجندة سيبقي الوضع على حاله، خاصة في ظل غياب أي بوادر لدى السلطة لاحتواء الحراك الشعبي، واستمرارها في سياسة القبضة الأمنية وتجاهل مطالب الشارع المنتفض، رغم الهدنة المعلنة من طرفه بسبب تفشي وباء كورونا.

4