إرنست يونغر مغامر ألماني شاهد على حروب البشرية

السبت 2015/03/14
يونغر عاش مغامرا أكثر من مئة عام ليروي ما رآه

ليلة السابع عشر من شهر فبراير 1998، كان الكاتب الألماني الكبير إرنست يونغر نائما في مستشفى “ريدلنغن” بجنوب غربيّ ألمانيا لما أدركه الموت، وكان قد عاش 103 سنوات أمضى الشطر الأكبر منها مغامرا في قلب الأحداث الجسيمة التي عرفتها بلاده في القرن العشرين، قرن الحروب والفواجع.

ويعتبر إرنست يونغر أحد عمالقة الأدب الألماني المعاصر، يضاهي في قيمته الأدبية والفكرية توماس مان، وهرمان هسه، وهاينريش بل. وهو مولود في التاسع والعشرين من شهر مارس 1895. في هانوفر، وفي هامبورغ أمضى طفولته. وكانت عائلته المترفة قد اشترت بيتا على ضفاف بحيرة “شتاينهورن”. وكان يعشق التجوّل في الغابات. وفي المدرسة كان تلميذا كسولا، منصرفا إلى التأمل والحلم. وكان يهوى التجول بطريقة رومانسية خصوصا في المساء، وكان يستهويه أيضا أن يعدّ طعامه بنفسه، وأن يجلس قرب النار، وأن يغني، وأن يقضي الليل في الضيعات الريفيّة، لذلك تعلّم مبكّرا أشياء كثيرة سوف تفيده في حياته في ما بعد.


يونغر في سيدي بالعباس


وفي عام 1911 التحق بمنظمة “الشبيبة الألمانيّة” التي كانت تحرّض المنضمين إليها على الهروب من المدن، وعلى التخلّي عن القيم المدينية، للعيش في الطبيعة. وفي سنّ الثامنة عشرة، فرّ من البيت العائلي لينخرط كجندي في الفرقة الأجنبيّة الفرنسيّة. وقد قادته مغامرته إلى مدينة “سيدي بالعباس″ الجزائرية.

وهناك تلقّى رسالة من والده يطلب فيها منه بهدوء، ومن دون لهجة تأنيب، العودة إلى البيت العائلي. وقد ظلت تلك المغامرة الأولى شديدة التأثير فيه حتى أنه سيتحدث عنها باستفاضة في ما بعد في كتابه الذي حمل عنوان “ألعاب أفريقية”. وقد كتب يقول “إن اقتحام المغامرة مفيد للغاية، ومنوّر للعقل، تماما مثل الحب الأول، أو مثل المعركة الأولى. إن هذه الاندفاعات الأولى تنتهي دائما بالهزيمة التي تولّد في النفس قوى سامية، وجديدة”.

عند اندلاع الحرب الكونية الأولى، انخرط إرنست يونغر في الجيش الألماني كمتطوع. وخلال المعارك على جبهات مختلفة، جرح سبع مرات، وعاش محنة الخنادق في “فردان” على الحدود الفاصلة بين ألمانيا وفرنسا. وتقديرا لشجاعته في القتال، حصل على وسام عسكري، وظلّ في الجيش الألماني حتى عام 1923. ورغم أنه لم يكن يخفي مشاعره القومية، فإن إرنست يونغر كان يرفض الشوفينية والتطرف والعنف. لذلك قد يكون الفرنسي جوليان هرفييه الذي كتب سيرة حياته التي حملت عنوان “عواصف القرن”، على حق عندما كتب عنه أنه -أي يونغر- لم يتأثر منذ البداية بتربيته الأرستقراطية، ولم يكن يولي اهتماما للقواعد الصارمة لهذه التربية. بل كان يميل إلى معاشرة الفنانين المفلسين والشعراء البوهيميين، ولم يكن يتردد في مساعدتهم عندما تقتضي الضرورة ذلك. ورغم أنه لم يكن يخفي مشاعره القومية في فترة الشباب، إلا أنه ظل حتى نهاية حياته رافضا للشوفينية والعنف والتطرف.

في الحرب العالمية الأولى انخرط إرنست يونغر في الجيش الألماني كمتطوع. وخلال المعارك على جبهات مختلفة، جرح سبع مرات، وعاش محنة الخنادق في "فردان" على الحدود الفاصلة بين ألمانيا وفرنسا


أمنا الحرب


وقبل استقالته من الجيش، أصدر على نفقته الخاصة كتابا حمل عنوان “عواصف الفولاذ”، وهو عبارة عن يوميّات حول الحرب. وقد نال هذا الكتاب نجاحا كبيرا وبيع بأعداد وفيرة الأمر الذي شجّعه على إصدار ملحق له بعنوان “أمّنا الحرب”، وفيه كتب “إن الرصاصة عمياء، وسرعتها لا اختيارية. غير أن الإنسان يجعل في داخله إرادة للقتل تعبّر عن نفسها من خلال العواصف حيث يتراكم الفولاذ والمتفجرات والنيران”. وبعد أن ترك الجيش، انتسب إرنست يونغر إلى جامعة لايبتزيخ ليدرس الفلسفة، وعلم الحيوان. وفي هذه الفترة تزوج غريتا فون يانسن، ومنها أنجب ولدين. وفي نهاية العشرينات، أصبح إرنست يونغر يولي اهتماما كبيرا بالسياسة. وعندما استقر في برلين عام 1927، بدأ ينشر مقالات في الصحف وفي المجلات اليمينية المتطرفة، غير أن طبيعته الأرستقراطية أبعدته عن المشاركة في أيّ عمل يمكن أن يرضي الحركة النازيّة الصّاعدة في ذلك الوقت.

وكان يلتقي بالبعض من الفنانين والكتاب الطلائعيين رغم الاختلاف الفكري والعقائدي بينه وبينهم، من أمثال برتولد برشت، وإرنست تولر اللذين تكفلا بالدفاع عنه ضدّ الذين كانوا يهاجمونه بحدة، وينتقدون موافقه “المتخاذلة” تجاه النازية. كما ارتبط يونغر بعلاقة بغوبلز الذي سيكون وزيرا للدعاية عند صعود النازيين إلى الحكم. ورغم تعاطفه مع هؤلاء، رفض إرنست يونغر أن يكون عضوا في “الرايشتاغ” عام 1933. كما رفض أيضا أن يكون عضوا في “الأكاديمية الألمانية للشعر” التي أصبحت تحت سيطرة النازيين المطلقة. بعدها غادر إرنست يونغر برلين ليعيش نوعا من المنفى داخل ألمانيا نفسها. كما أنه تنقّل كثيرا عبر العالم. فكان في البرازيل، وفي جزر الكناري، وفي المغرب. وقبيل اندلاع الحرب الكونية الثانية، أصدر روايته الشهيرة “جروف مرمريّة”. وعلى الرغم من أن السلطات النازية أدركت منذ البداية أن الرواية تتضمّن نقدا لاذعا لشخصيّة هتلر الدموية، فإنها لم تسلط على صاحبها أدنى عقاب. وربما يعود ذلك إلى أن الفوهرر نفسه كان يكنّ تقديرا كبيرا ليونغر بسبب الشجاعة المدهشة التي أبداها في الحرب الكونية الأولى. وعن هذه الرواية قال إرنست يونغر ”كان هذا الكتاب ثمرة حلم حلمته وأنا في سويسرا. ومن الغد شرعت في كتابته في منطقتنا، منطقة الساكس السفلى. هناك العديد من الناس لهم أحلام تتنبّأ بما يمكن أن يقع في المستقبل. والبعض منهم مثلا توقّعوا حرائق. وأنا أيضا حين كتبت “جروف مرمريّة” شعرت وكأني رأيت حرائق مقبلة”.

في بداية حياته المدنية انتسب إرنست يونغر إلى جامعة لايبزيغ ودرس الفلسفة وعلم الحيوان وأولى اهتماما كبيرا بالسياسة ونشر مقالات في الصحف وفي المجلات اليمينية المتطرفة


يونغر يعيش كهيرودوتس


وفي عام 1940 دعي إرنست يونغر لأداء الخدمة العسكرية. وعلى جبهات القتال، شرع في كتابة يومياته التي سيواظب على كتابتها حتى نهاية حياته ”في التاسعة صباحا، وعندما كنت أقرأ هيرودوتس، وأنا في الفراش، أتتني لويز بأمر الالتحاق بالخدمة العسكرية. لم يفاجئني النبأ كثيرا ذلك أن صورة الحرب كانت قد بدأت ترتسم بأشكال أكثر وضوحا يوما بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع، وشهرا بعد شهر”. وفي باريس التي أقام فيها كضابط عسكري عام 1941، التقى يونغر بفنانين وشعراء وكتاب من أمثال جان كوكتو، وبول موران، وسيلين، وأندريه جيد، وبول ليوتو. وفي خريف نفس العام المذكور، قصفت مدينة هانوفر، وتهدّم جزء كبير منها. وفي يومياته، كتب يقول ”في هذا العام فقدت أبي، والمدينة التي ولدت فيها”. وقد دفعته تلك الأحداث الأليمة إلى كتابة بيان ضدّ الحرب وجّهه إلى شباب أوروبا والعالم. ويبدأ البيان بجملة للفيلسوف سبينوزا فيها يقول ”الكراهية التي تهزم تماما بالحب تتحوّل في ذاتها إلى حبّ. وهذا الحب يكون أقوى من تلك الكراهية التي سبقته”. وفي نفس البيان، أشار يونغر إلى أن الجرائم التي اقترفت خلال الحربين الكونيتين جعلته يشعر بالامتعاض والنفور تجاه كلّ يما يمتّ للحياة العسكريّة بصلة من أوسمة نورت بنور أسلحة، وغير ذلك. ولما بلّغت السلطات النازية بأن يونغر يناهض الحرب، حجّرت تداول كتبه، وأوقفت ابنه الأكبر بتهمة أنه دعا في إحدى الجلسات الخاصة إلى ضرورة شنق هتلر. وكان على صاحب “جروف مرمريّة” أن يسافر إلى برلين ليتحاور مع الهيئات العليا بهدف إنقاذ ابنه من الخطر المحدق به، وفعلا أطلق سراحه غير أنه أرسل إلى الجبهة الإيطالية. وفي عام 1944، شارك سرّا في المؤامرة الفاشلة التي دبّرها الجنرال رومل للإطاحة بهتلر. وبسب ذلك سرّح من الجيش ليعيش محنة جديدة تمثلت في موت ابنه على جبهة القتال في إيطاليا، فكتب غاضبا يقول ”أبرز هتلر على السطح الحماقة الفظّة، والشرسة، والجانب الأكثر سفالة في النفس البشرية”. وعندما احتلوا ألمانيا بعد سقوط النازية، لم يعر المعادون للنازيّة اهتماما لمواقف يونغر المناهضة لهتلر واعتبروه “نازيا”. لذلك ظلّت كتبه ممنوعة من التداول حتى عام 1949.


شبح الغابة السوداء


وبعد أن أقام في فرنسا عام 1950، عاد إرنست يونغر إلى بلاده ليستقر في بيت ريفي في بلدة “فيلفينغن” الصغيرة الواقعة على أطراف “الغابة السوداء”، بالقرب من منابع نهر “الدانوب الأزرق”. وفيه ألف كتابا أهداه إلى مارتن هيادغر ”حين ينشغل هايدغر باللغة، ويتعمق في البحث في تعقّد اللغة وأصولها، وتشابكاتها، فإنما هو يقوم بحسب عبارة نيتشه بما لم يتحتّم علينا نحن اللغويين القيام به”، وفي الخمسينات، والستينات من القرن الماضي، سافر إرنست يونغر كثيرا عبر العالم، وزار بلدانا عربية مثل سوريا، والأردن، والمغرب. ومن أسفاره تلك، استلهم العديد من المواضيع المتصلة بكتبه الجديدة الباحثة في “مصير الإنسانية ” كما كان يفضّل أن يقول. وفي هذه الكتب، أظهر يونغر تخوفاته من التدمير المنهجي للطبيعة بسبب التقدم العلمي، والسياحة التي أصبحت مظهرا من مظاهر المجتمعات الاستهلاكية التي يهمها الربح المادي أكثر ما تهمها الثقافات الخاصة بالشعوب.

انطلاقا من الستينات من القرن الماضي. وفي العقد الأخير من حياته، أصبح إرنست يونغر يحظى بتقدير واحترام الشخصيات السياسية الكبيرة في أوروبا من أمثال المستشار الألماني هلموت كول، والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران الذي لم يكن يخفي إعجابه بكتاباته. وكان من ضمن الشخصيات البارزة التي تمت دعوتها إلى حضور الاحتفال الضخم الذي أقيم في الثاني والعشرين من سبتمبر 1984، احتفاء بالمصالحة الفرنسيّة-الألمانية. وبعد أن أدركته الشيخوخة، وتقدم به العمر، فضّل يونغر أن يعيش حياة هادئة، تتطابق مع رؤيته الفلسفية، بعيدا عن صخب المدن الكبيرة، وعن معارك الصالونات الفكرية والأدبية، وقريبا من الغابات التي هام بها وهو صبيّ حلم يتطلع إلى حياة مليئة بالمغامرات المثيرة.

14