إرهاب العرضي الأسود: القاعدة تعود بشرورها وفخاخها

الثلاثاء 2013/12/17

لم يبق منبر لم يدن ذلك الهجوم الذي نفذته مجموعة قطط القاعدة المتوحشة على مستشفى العرضي اليمني، رغم محاولات البعض القول بأن المستهدف كان وزارة الدفاع اليمنية وليس المستشفى، وأن في الخبر لعبة سياسية لابد من تقصي حقائقها وكشف ملابساتها. وأيا كانت المبررات التي تساق في طريق هذه القطط التي تلعق دماء الناس، أصحاء ومرضى في عواصم ومدن بلدانها، فإن ما لا يقبل الشك أن القاعدة لا تزال تخزن كثيرا من شرورها وفخاخها التي تهدد أمن وسلامة الدول والشعوب في المنطقة العربية وفي مناطق أخرى من العالم.

لقد ظن البعض أن إرهاب القاعدة تراجع بعد مقتل زعيمها أسامة بن لادن وتفكيك أوصالها في بقع جغرافية عديدة، لكنها تعود في كل مرة، وآخرها هجوم مستشفى العرضي، لتؤكد أنها تتناسل في جحورها، وذلك رغم هدايا «المناصحات» وموائد «الترغيبات»، التي ظن البعض أنها قادرة على إطفاء شهوة القتل وسفك دماء الأبرياء الذين تقول إنهم يتمترسون بأعدائها، ويجوز لها قتلهم حتى لو كانوا مرضى مربوطين إلى أوجاعهم وسررهم.

لقد حقنت جماعة القاعدة، منذ ظهرت في الثمانينات، أعضاءها بأمصال الفتنة والكره لكل ما هو عقلاني ومنطقي، فأصبحوا غير قادرين على التعافي من هذا الكره اللعين الذي تحمل وزره، أكثر من غيرها، مدارس ما فتئت تحرّض على الآخرين المختلفين معها وتعبئ ضدهم بنادق القاعدة وغيرها من الجماعات التي باتت تقتل المسلم وغير المسلم عند باب بيته وأمام عيون أطفاله، بل وتقتل الرضع الذين يرضعون أثداء أمهاتهم.

ومع ذلك تجد للأسف والأسى من يبرر منتجاتهم الإرهابية ويقبل أدلتهم الدينية المبتسرة من سياقاتها ومدلولاتها الصحيحة. يقتلون الأبرياء من الغربيين لأن حكوماتهم، كما تنص نصوص القاعدة، تقتل المسلمين الأبرياء في العراق وتساعد الإسرائيليين لقتل الفلسطينيين، أي أنهم يُحملون هؤلاء الأبرياء وزر قرارات حكوماتهم، فهل هذا المنطق إسلامي أم منطق دموي يتلحف برداء الإسلام؟ والسؤال الأهم في هذا السياق هو ماذا كسب الإسلام والمسلمين من غزواتهم في أميركا أو أوروبا أو أي مكان في هذا العالم؟ ألم يصبح كل مسلم إرهابيا في نظر شعوب العالم التي يقف معظمها مع قضايانا العادلة؟ ألم نخسر جراء هذه الحماقات والارتكابات الكثير من شرفاء العالم الذين كانوا يدفعون أثمانا شخصية من وجودهم وحياتهم في مجتمعاتهم؟ ألم تؤدِّ هذه الحماقات إلى نفخ النار في رماد العنصرية ليدفع المسلمون المقيمون والمطمئنون في دول شتى ثمن هذه العنصرية التي أذكت نيرانها القاعدة؟

إن الشياطين لو اجتمعت ما استطاعت أن تسيء إلى الإسلام والمسلمين مثل ما أساءت القاعدة وأجندتها الإرهابية التي يديرها مجانين وجدوا من يوظفهم أو يزين لهم أفعالهم التي تأخذ أمتهم إلى الخلف مئات السنين، في الوقت الذي تتقدم الأمم الأخرى وتحوز التقدم على الصعد الإنسانية والفكرية والاقتصادية والتكنولوجية.

ولذلك فإن طوابير المتعاطفين مع أجندتها وحماقاتها لابد أن يعلموا أنهم شركاء في ذنوبها وجناياتها على مجتمعاتها وأمتها. وأنهم في يوم قادم سيحاسبون من الشعوب المسلمة حسابا عسيرا على ما أوقعوهم فيه من شراك الخراب والدمار والتخلف، فالشعوب قد تنخدع أحيانا بمعسول الكلام وطنين الأدلة والتبريرات التي تساق بعد كل حفلة دماء تجري هنا وهناك، لكن هذه الشعوب ستفيق من سباتها وتعيد حساباتها مع هذه الجماعة وغيرها من جماعات التكفير والقتل التي تتسلط على رقاب البلاد والعباد بأسماء شتى ولأغراض أقل ما يقال عنها أنها أغراض مشبوهة.

لكن لكي تكون هذه الشعوب أسرع إلى اليقظة والتخلص من مثل جماعة القاعدة و(تفريخاتها) في طول العالم العربي وعرضه لابد أن تتخلص أنظمة الحكم في هذه الدول من حالة الاسترخاء أو حالة (المهادنة) التي تبدو جلية أحيانا من خلال ليونة المواقف أو تردد القرار في العصف بها وبمدارسها وصفوف المتعاطفين معها، الذين لا يخفون في الغالب آراءهم، بل ويشاركون في رصف طرق التكفير للحكام والحكومات والتيارات المعارضة لهم في كل مجتمع.

نحن، على سبيل المثال، لم نر تجفيفا جادا وحقيقيا لمنابع هذا الفكر الإجرامي الذي تحمله القاعدة وغيرها من جماعات القتل والتدمير، رغم المناشدات المستمرة طوال عقود ورغم دروس الدم والأشلاء التي تقدمها لنا هذه الجماعات بين حين وآخر. وهذا يعني أننا لا زلنا نتعامل مع مسألة إرهاب هذه الجماعات من السطح وليس من العمق، أي التعامل أولا مع الأفكار السوداء التي تشكلها وتبرر لها أفعالها وتتصارع، نيابة عنها، مع التيارات التنويرية والعقلانية في مجتمعاتنا.

ولذلك فإن أول خطوات تجفيف منابع هذه الفكر المنحرف والقضاء عليه هي تمكين تيارات التنوير والوسطية من منابر التأثير على الناس في المساجد ومؤسسات التعليم ووسائل الإعلام وكل وسيلة ممكنة تفضح فكر هذه الجماعات وتقدم الفكر السوي الذي يعيد الناس إلى حياض دينهم الصافية. أما الخطوة الأخرى، فهي اجتماع إرادة الدول العربية، إقليميا وقُطريا، على سنّ قوانين مكافحة الإرهاب التي تجرّم وتعاقب كل من شارك في هذا الإرهاب بفتوى أو قتل أو اعتداء من أي نوع على المنشآت والناس.

وفيما عدا ذلك، أي فيما عدا سن قوانين مكافحة الإرهاب بشتى صوره وتهديم بيوت التكفير وتمكين تيارات الوسطية والتنوير من منابر التأثير، فإننا سنبقى- إلى حين- تحت عذاب سياط هذه الجماعات التي تهدد بتدمير وجودنا نفسه، وليس فقط مكتسباتنا وطموحاتنا المشروعة وحقنا وحق أجيالنا في حياة منتجة ومستقرة ومتقدمة.

والمسؤولية الكبرى في ذلك تقع على عاتق الحكومات أولا وأخيرا، فهي التي بيدها الإمكانات وبيدها مفاتيح القرار والتنفيذ إن أرادت أن تحمي مكتسباتها وشعوبها، وأن تحمي نفسها من مغبة ارتداد استرخائها مع هذه الجماعات عليها، خاصة وأنه لا ينقصها الوعي بالدروس الإرهابية السابقة التي استنزفت جبالا من أموالها، وعددا لا يستهان به من أرواح أبنائها.


كاتب سعودي

9