إرهاب حلال وإرهاب حرام

الخميس 2015/01/15

عبثاً حاولنا كعرب وكمسلمين أن ننفي عن أنفسنا تهمة الإرهاب والتشدد والتطرف، والسبب ليس لأننا، فعلا، كذلك إرهابيون ومتطرفون وغوغائيون كما يحلو للبعض وصفنا، أو لأننا عكس ذلك نتمتع بتفهم تجاه الآخرين ولدينا عقلية تسامحية، ولكن هي المؤامرة الكونية من الغرب الذي لم يضمر لنا الخير يوما، وهمه فقط هو تحطيمنا الذي يراه عبر الإساءة لديننا ومعتقداتنا.

قد تكون نظرية المؤامرة جزء من طبيعة تفكيرنا كبشر والتي لا تتقبل بسهولة حدوث الأشياء من تلقاء نفسها أو بالصدفة، فلا بد لها من مسبب وأشخاص قاموا عليها لتحقيق مآرب عادة ما تكون في حربهم الحضارية معنا. جميعها احتمالات جائزة وقد يكون أي منها صحيحا بشكل عام أو خاص بحدثٍ بعينه، لكن لنكن منطقيين ونتناول وجهتي النظر من زاوية كل مؤمنٍ بها.

في البدء هل يتوجب علينا الإقرار بصراع الحضارات، وهل هي المعادلة في تعامل الكتل الإنسانية على أساس عرقها ودينها، والمعيار المشكّل لسياساتها؟

الواقع يشير إلى أننا، بالفعل، مختلفين انتماء دينيا وإثنيا وهذه سنة الله عز وجل في خلقه، كما أن الاختلاف قد تسبب في السابق بحروف وغزوات وإشكالات ونزاعات، ولكن هل كان معنا فقط كعرب وكمسلمين، أم أنها سمة بشرية للطبيعة الإنسانية التي تمتلك العقلية التملّكية والاعتزاز بخصوصيتها، وهل اختلف حال الماضي البعيد عن الحاضر في علاقاتنا مع الغرب، وهل أصبح العالم الآن أكثر إنسانية وتحضرا بعد عقود سُفكت فيها الدماء وقتل بسببها وشرّد الملايين واستعمر فيها القوي الضعيف واستعبده ونهب ثرواته وزرع قبل رحيله عن أراضيه مشاكل وخلافات تضمن له دوما تقدمه على مستعمراته السابقة؟

جميع هذه التساؤلات طرحتها على نفسي محاولاً فهم لعبة الإرهاب التي تعصف بنا وتقوّض السلام والتعايش السلمي بين الشعوب، وآخرها ما حدث في باريس وتعرضت له صحيفة شارلي إيبدو من هجمات إرهابية أودت بحياة اثني عشر شخصاً منهم شرطيان أحدهم مسلم من أصلٍ مغربي.

لتعقبها حالة من الهياج الشعبي والرسمي الفرنسي بسبب ما أسموه “عملا انتقاميا” استهدف حريتهم المقدسة، فيتضامن العالم أجمع معهم ونرى عشرات القيادات والزعماء والمشاهير مشاركين في المليونية التي تشابكت بها الأيدي وهي تنشد “كلنا شارلي”، ومن السخرية أن يكون في مقدمتها جزاري الحرب والقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته المتطرف أفيغدور ليبرمان، في استخدام خبيث للحدث وكأن إسرائيل هي من تتعرض للإرهاب ولذلك تشارك الأمة الفرنسية مصابها.

لو عدنا قليلا إلى الوراء وقبل الاعتداء المسلح على الصحيفة التي تعرضت إلى الاعتداء، لكان من السهل أن نقرأ في عيون الأغلبية الفرنسية كم هي منبوذة لديهم، وكم أوشكت أكثر من مرة على الإفلاس وانخفاض المبيعات والتوزيع، وكم كره العديد استفزازاتها للأديان ولمقدسات الآخرين، الذين جعلت منهم شارلي إيبدو وسيلة لها لزيادة التوزيع عبر إثارة حفيظة البعض، الذين سينتج عنهم ردات فعلٍ بعضها خاطئ ومتسرع، مما سيسهم في إثارة الفضول وبالتالي شراء الصحيفة، مما سينعكس إيجابا على مبيعاتها، هذا ما حدث أكثر من مرة مع الصحيفة الفرنسية التي كانت منبوذة قبل الاعتداء عليها، لكنها تحوّلت، بسبب فعل إجرامي غبي، إلى رمز للحرية ترفعه الأيدي وتتشابك الأذرع تضامنا معه، فيما اليمين الفرنسي المتطرف يوظف الحدث سياسيا، فيزداد عدد أتباعه وتتحسن فرصه الانتخابية، مما سيحرج قوى الاعتدال المجتمعي ويحثها لتنتهج سياسات أكثر تشدداً تجاه الأقليات المهاجرة وخصوصاً العرب والمسلمين.

القتل هو نفسه أياً كان، ووفاة اثني عشر شخصا نتيجة العمل الإرهابي أمر لا يمكن تبريره، لكنه يضع سؤالاً محيّرا أمام أعيننا؛ ألا وهو: لماذا دماء العرب رخيصة، ولماذا لم يتحرك العالم حتى اللحظة ويتوحد لإسقاط نظام بشار الأسد الإرهابي الذي أودى الصراع بسبب تمسكه بالسلطة بحياة أكثر من مئة وخمسين ألف سوري وتهجير خمسة ملايين؛ وهل قتل 12 شخصا في باريس جريمة لا تغتفر، وقتل شعب سوري آمن قضية فيها وجهة نظر.

هل هناك إجرام يمكن تبريره بسبب اختلاف الرؤى حوله، وقتل لا يختلف اثنين حوله؟ ولم لم نرى ذاك التضامن العالمي حين أقدم المتطرف النرويجي المسيحي اليميني أندريس بريفيك على استهداف مخيّمٍ لشباب حزب العمل الحاكم في جزيرة أوتايا، مطلقا النار عشوائيا ليقتل حوالي ثمانين شخصاً ممّن تواجدوا في المخيم الصيفي، وغرضه فيما فعل الاعتراض على سياسة الحكومة المتساهلة تجاه الأجانب والهجرة.

في حرب غزة الأخيرة أسفرت الاعتداءات الإسرائيلية عن مقتل أربعة عشر صحفيا بينهم أجانب، كما شهدت العراق وخلال العقد الماضي أكبر عدد على مستوى العالم لمقتل الصحفيين ليناهز المئة وخمسين، حيث تعد جريمة قتلهم بالتي تمر على الأغلب دون عقاب ودون أن يعلن عن فاعليها.

في لبنان وعلى مدار السنوات الماضية، استهدف العديد من الصحفيين في جرائم لم يكشف عن مرتكبيها، لكن السؤال هل حظي جميع من ذكر بمثل هذا التضامن العالمي الذي حظي به صحفيو شارلي إيبدو، ولم النظرة المزدوجة في تعامل العالم مع الحرية.

حتى في فرنسا نفسها التي تعد التصرفات الشاذة والإساءة للأديان من باب حرية الرأي، في حين لا تغض أبدا النظر عمّن يوصف باللاسامية، ولكل منتقد أو مشكك بالهولوكوست، فتناله حينها يد القانون كالكاتب والفيلسوف والمؤرخ الفرنسي روجيه جارودي. هل حرية التعبير تشمل الأديان، ولكنها تقف فقط عند أي انتقاد لليهود أو لإسرائيل؟

اليهودية كالإسلام والمسيحية جميعها أديان سماوية من الواجب احترامها وعدم الإساءة إليها بالقول والفعل، بل يتعدى ذلك أي معتقد ودين ومذهب لأيٍ كان. هذا ما يجب تقنينه والاتفاق دوليا عليه، فهو الأساس الأول لمد جسور الحوار والتفاهم بين الشعوب، وعداها فليفخر كلّ بحريته، وليحصّنها فهذا من حقه دون أدنى شك، وليعي العالم أن التطرف ولو كان الأقل تواجدا إلا أنه الأشد وطأة، ولا يمكن محاربته فقط بالسلاح والقوة، بل بالحوار والمنطق وإقامة الحجة والعدل والعدالة واحترام الآخرين.

أخشى ما أخشاه على الديمقراطية الفرنسية العتيدة أن تنجرف لروح الانتقام، وأن تتحول لنسخة أميركية أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر سيئة الذكر، والتي رغم ردات الفعل الأميركية التي تلتها، لم تزد الأمة الأميركية أمانا وديمقراطية، بل انتهكت فيها حريات لطالما كانت من المسلمات التي قامت عليها الولايات المتحدة وكرسها دستورها.

لسنا بحاجة لمزيد من التوسع في الحرب العالمية ضد الإرهاب، فيكفينا داعش وإجرامها، وبشار وإرهابه، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيون في اليمن، وحزب الله في لبنان، ومن ورائهم جميعا إيران.


كاتب عربي مقيم في السعودية

8