إرهاب سيناء ليس بعيدا عن التمويل الداخلي بالمال والعناصر

السبت 2013/09/14

إرهاب سيناء ليس بعيدا عن التمويل الداخلي بالمال والعناصر

كان السجن أو أفغانستان أو اليمن، مصير القيادات الصغرى والمراهقين والشباب، فيما كانت القيادات الكبرى ترتع في الأموال وتواصل الاستقطاب والدفع بالمزيد في أتون الإرهاب والعنف.

رحل الرئيس جمال عبدالناصر وفتح أنور السادات السجون والبلاد على مصراعيها للإسلاميين المصريين والعرب والأفغان والباكستانيين والهنود وهلم جرا، فساحوا في مدن وقرى مصر من شمالها إلى جنوبها، ليغيروا وجه الإسلام الوسطي المعتدل الذي تفردت به مصر وأهلها وعلماؤها وفقهاؤها، بل وليغيروا وجهها الحضاري والاجتماعي والثقافي والإنساني، وما نراه الآن ما هو إلا الصورة التي ترتبت على ما يقارب 45 عاما من العمل الدؤوب لتشويه هذا الوجه.

كان الوفد تلو الآخر من الإسلاميين المصريين والغرباء ينتقل من مسجد إلى آخر داخل المدينة أو القرية الواحدة، يقيم هنا عشرة أيام وهناك عشرة أخرى، وراء كل صلاة حديث لأحد أعضاء الوفد، حتى إذا رحل هذا الوفد وجاء آخر لاستكمال ما بدأه الأول، والمتدينون بطبعهم يرحبون ويقدمون أغلى ما عندهم إكراما للضيوف، يسمعون الحديث تلو الآخر بحب وإخلاص غير مدركين لما يدس لهم من سموم باسم الدين.

كان هؤلاء مجرد حفظة لبعض من آيات كتاب الله الكريم وبعض الأحاديث النبوية، خرجوا كما كانوا يقولون في سبيل الله لتعليم الناس أمور دينهم وتصحيح أخطائهم وتذكيرهم بما فاتهم من تعاليمه بناء على تعليمات وإرشاد من شيوخهم الكبار سواء من أخذوا عنهم مباشرة أو قرؤوا كتبهم واهتدوا بما ورد فيها من تفسيرات.

كانوا يلتزمون التفسير الحرفي لظاهر الآيات والأحاديث، فحرموا وحللوا وكفّروا وفتنوا طبقا للظاهر الحرفي. وفجأة أطلق المراهقون والشباب اللحى وقصروا الجلابيب وأمسكوا العصي للنساء في الطرقات ومنعوا الرقص والمغنى في الأفراح وهاجموا محلات الأقباط، بل ذهب بعضهم إلى الامتناع عن استكمال دراسته، واندفعوا يرافقون هؤلاء ليؤدوا فريضة الجهاد في سبيل الله.

ومع نهاية السبعينات ظهرت جماعات وتنظيمات لا تحصى، كل شخص أطلق ذقنه وحفظ بعض الآيات والأحاديث، وأصبح شيخا وأميرا لمريدين يتبعونه هنا وهناك، يوجههم في الوجهة التي يراها عقله الظلامي ووجدانه المريض، وتم تجنيد المراهقين والشباب في المدارس الثانوية والجامعات. كانت أيادي قيادة جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية وجماعة التكفير والهجرة والجهاد وغيرها تعمل على قدم وساق لاستقطاب أكبر عدد من المجموعات الناشئة تحت لوائها، قبل البعض الانضواء والآخر انشق ليكوّن جماعته الخاصة. وكان السجن أو أفغانستان أو اليمن أو غير ذلك، مصير القيادات الصغرى والبسطاء والشباب، فيما كانت القيادات الكبرى ترتع في الأموال وتواصل الاستقطاب والدفع بالمزيد في أتون الإرهاب.

فتم اغتيال الرئيس السادات وتشهد فترتا الثمانينات والتسعينات عمليات إرهابية هددت أمن واستقرار البلاد، حيث لم يعتبر الرئيس حسني مبارك من سابقه فسمح بتغلغل الجماعة الإخوانية وجماعات السلفيين في مفاصل الدولة، وسمح بأن تحل محل الدولة التي غابت تماما فانتشر الفقر والأمية والجهل والبطالة والفساد واليأس والإحباط، حيث كانت هذه الجماعات تقدم المال والخدمات والوظائف والأعمال وغيرها. الأمر الذي مكّنها من تكوين شبكات مصالح وأعمال مع قطاعات من الشعب المصري دانت لها بالولاء المطلق، وهي التي تقدم الآن الدعم المالي والمعنوي لكافة الأعمال الإرهابية سواء في سيناء أو في غيرها من المدن المصرية. لذا فإن تصور البعض أن ما يجري في سيناء من عمليات إرهابية ضد الجيش والشرطة المصريين بعيدا عن الداخل المصري هو محض هراء، ولا خلاص لما يجري في سيناء إلا بتطهير الداخل.

في الداخل حيث دعاة التكفير والإرهاب من أعضاء جماعات الإسلام السياسي يواصلون العمل في الزوايا والمساجد، يفرخون المزيد ليرسلونهم إلى هناك، والأموال متوفرة. فرأس المال غير المرصود من قبل الأجهزة الأمنية والذي يتغلغل داخل الاقتصاد العشوائي يندفع في مجراه الطبيعي تجنيدا وشراء للسلاح والعتاد.

وبعيدا عن تغلغلها في مفاصل الدولة بنت تنظيمات الإسلام السياسي وفي مقدمتها الإخوان والسلفيون اقتصادا موازيا، فمولت المشروعات الصغيرة، وفتحت المحلات والشركات في كافة المجالات للعاطلين من الشباب والفقراء، وبما لا يمكن تتبع رأس المال أو الوقوف على حجمه وسيولته، وفضلا عن عمليات النصب والاحتيال التي قامت بها في التسعينات فيما أطلق عليه اسم شركات توظيف الأموال، تمكنت خلال الثمانينات والتسعينات من دس أعضائها في كافة مؤسسات الدولة ونقاباتها المهنية.

التمويل متوفر في الداخل لدعم العمليات الإرهابية والتظاهرات، من مول حملات الانتخابات البرلمان والرئاسية؟ من مول اعتصامي رابعة والنهضة اللذين امتدا على ما يقرب من 50 يوما؟ من أنفق على حشد التظاهرات التي تتطلب طباعة لافتات منذ سقوط مرسي حتى الآن؟ من مول ويمول العمليات الارهابية في مدن وقرى الشمال أو الجنوب من حرق أقسام وقتل الناس؟ من يوفر السكن والمأوى لعناصر هذه العمليات؟

الداخل ملوث تلوث الغطاء السياسي الغربي الأميركي، وتشكل نسبة تمويله بالمال والعنصر الإرهابي على الأقل 75 %، وللأسف الدولة تعمل بأيد مرتعشة، ولم تملك القدرة على الحزم والحسم، بل يذهب بعض مسؤوليها أحيانا إلى تصريحات المصالحة، تاركة كوادر هذه الجماعات وخلاياها النائمة التي كشف عنها الغطاء تعمل بحرية مطلقة، بل تجاهر بدعمها للإرهاب وعودة الإرهابيين للحكم، وتجمع المال والعناصر وتقود العمليات الإرهابية بأمان كامل.

لماذا تكتفي الدولة بالقبض على الرؤوس وتترك الأذناب الصغرى تلعب في طول البلاد وعرضها؟ القضية ليست في القبض على القيادات الكبرى أو مصادرة أموالها، بل في الكوادر والأعضاء في الصفوف الثاني والثالث، هؤلاء من يديرون الحرب ضد مصر والمصريين الآن، هؤلاء موظفون داخل هيئات ومؤسسات الدولة على اختلافها، وأميون وجهلاء تم تصنيعهم وتربيتهم في معامل التكفير والإرهاب، وتجار لصوص ومحتالون يديرون رأس المال الإخواني والسلفي.

لابد للدولة من قطع أو اقتلاع الجذور، وإلا فإن مصر ستظل تدور في حلقة مفرغة من الإرهاب، والتاريخ خير دليل فقد ضربت الجماعة الإخوانية في 1948 و1954 و1965 والتكفير والهجرة 1977 والجماعة الإسلامية 1981 والجماعة الإسلامية والجهاد في عقد التسعينيات، واستمرت جميعها بل تفرعت لتخرج منها شبكة من البؤر العنقودية التي يصعب حصرها، لأن الجذور بقيت في تربتها دون اقتلاع لتنبت من جديد.


كاتب مصري

9