إرهاب سينمائي في منطقة اللامعقول

قصص المهاجرين.. تضخيم مستمر واللامعقول هو سيد الموقف.
الأحد 2021/04/11
ثيمة سينمائية تحتمل الكثير من المبالغات

تشتغل السينما على الحدث وعلى سلسلة من المرويّات التي تتقاذفها وسائل الإعلام ويلوكها الساسة ويسوّغونها بشكل ما حتى تكبر عملية التضخيم تباعاً فتصل القصة إلى السينما، وقد وصلت حداً كارثيا متجاوزة اللامعقول.

ربما لا توجد ثيمة سينمائية تحتمل الكثير من المبالغات مثل ثيمة الإرهاب، فهي بسبب الإدانة الجماعية لها وبسبب ما قدّمنا لها من تضخيم سياسي وإعلامي تتحول إلى غول مخيف وكائن أخطبوطي ربما توجد له بداية ولكن ليست له نهاية.

المطلوب، المشتبه به، الإرهابي، القاتل، الخلية الإرهابية، الوحشية والدموية، نزعة الانتقام، الكائنات العدوانية، هذه مفردات وغيرها كثير مما تكتنزه أبجدية سينما الإرهاب.

في فيلم “عيسى كاربوف، الرجل المطلوب بشدّة” للمخرج أنطون كوربين هنالك أوروبا وهي لا تكاد تلتقط أنفاسها في صراعها مع الإرهاب والإرهابيين، مشاهد من حياة تتعلق بالمهاجرين ويومياتهم، المساران المتوازيان: المهاجرون/ الإرهاب، يشكلان واقعا يوميا تفيض به وسائل الإعلام ويكثر الحديث حوله من جميع الجهات، أسئلة لا تنتهي والإجابات لا تكتمل، التضخيم مستمر واللامعقول هو سيد الموقف. لكن المسألة ستتسع إلى نوع من الفوبيا المعقدة التي تتداخل فيها بروباغندا سوداء وعنصرية وكراهية في مقابل أيديولوجيا التشدد القادمة من قعر القرون الوسطى، هذا إضافة إلى وجود جيل مشوه العقل والتفكير ما انفكت تلك السلوكيات الإجرامية تجره إلى متاهات لا حصر لها.

اللامعقول الزماني والمكاني في دراما الإرهاب والحرب كرس نوعا من النمطية ساد الكثير من الأفلام بهذه الثيمة
اللامعقول الزماني والمكاني في دراما الإرهاب والحرب كرس نوعا من النمطية ساد الكثير من الأفلام بهذه الثيمة

في المقابل نجد أن اللامعقول المرتبط بالمهاجرين سوف تتسع مساحته حتى يصبح المهاجر في حد ذاته، ومهما خلصت نيته، مشروعا إرهابيا حتى يثبت العكس.

ألم تعش الجاليات العربية والمسلمة في ذروة صعود داعش والقاعدة فوبيا الاتهام بالإرهاب لمجرد لون البشرة أو الملبس أو الكلام باللغة العربية؟ وهو ما يؤكده هذا الفيلم في مقدّمته “الآن وبعد 11 سبتمبر صرنا نرى في عين كل رجل ذي بشرة سمراء شخصا ما يريد قتلنا”.

في فيلم “أشباح الحرب” للمخرج إيريك بريس سوف ينمو اللامعقول بشكل غريب في دائرة انتقامية مريرة تمتد من الحرب العالمية الثانية، حيث يعيش فصولها خمسة جنود أميركان قادمون في مهمة يكون مقرهم فيها قصرا عامرا بالأشباح، لكن الأمر يتعدى ذلك إلى انتقالهم وهم في ذروة اشتعال الحرب العالمية الثانية إلى حرب أفغانستان حيث يواجهون عملية إرهابية.

هاهم الجنود الخمسة أنفسهم في كابول، وسوف يواجهون مسلحي طالبان وهم يتجمعون للهجوم على منزل الطبيب الأفغاني الذي تركنا صورته مع عائلته في القصر المهجور بفرنسا عام 1944، وفي الوقت الذي يشعر فيه الجنود بمرارة التخلي عن الطبيب الذي خدم أميركا وجنودها وزودهم بمعلومات عن أفراد طالبان والقاعدة ها هي أميركا تتخلى عنه، وبذلك يتجسّم اللامعقول من زاوية فوضى الإرهاب الذي لا يبقي ثيمة ولا دلالة إنسانية ولا التزاما أخلاقيا.

يتكامل المشهد عندما تقترب لحظة المواجهة مع مسلحي طالبان وهم يحققون مع الطبيب، لكن هاهو المشهد يعيد نفسه؛ يتم قتل الطبيب حرقا فيما يتم قتل ابنته شنقا وابنه غرقا، وهي القصة الكارثية نفسها التي واجهها الجنود الخمسة في القصر المهجور، فوضى الموت تحت وطأة الإرهاب ما هي إلا شكل آخر من أشكال الإسراف واللامعقول، وهي التي تتجسم وتتضخم في هذا الفيلم من خلال ميتات شنيعة مختلفة.

شعور الجنود الخمسة بالغضب لامتناع الضابط المسؤول عن إصدار أمر إطلاق النار ضد مسلحي طالبان سوف يعيد دائرة اللعنة التي وجدها الجنود موزعة باللغة العربية وبالرموز والطلاسم والتعاويذ وحيث تتردد كلمات اللعنة من الأم التي رأت عائلتها وهي تُقتَل في فرنسا أو المرأة الأخرى التي رأت عائلتها وهي تقتل في كابول، لكن الفارق هو أن أباتشي أميركية كانت قرب المكان ولم تفعل شيئا لإنقاذ العائلة، بينما في الحالة الفرنسية كان القصر معزولا والنازيون وحدهم يفعلون ما يشاؤون.

ولا حظ هنا ذلك الاشتباك في اللامعقول ما بين الموروث المرتبط بالطلاسم والأحاجي وبالسحر في مقابل قضية الإرهاب وكيف يصبح الموروث الشعبي المجرد تنويعا آخر على تلك القضية الشائكة والمركبة.

اللامعقول الزماني والمكاني في دراما الإرهاب والحرب سوف يتجلى في بحث ثلة من جنود أميركا عما خبأه صدام حسين من سبائك ذهبية تمت سرقتها من الكويت، وذلك في فيلم “الملوك الثلاثة” للمخرج دافيد راسل، وفي موازاة عملية البحث وانبثاق اللامعقول سوف تكون هنالك الصحافية كاثي (قامت بدورها الممثلة جودي غرير) التي أرسلتها شبكة تلفزيونية مرموقة لتغطية انتصارات الولايات المتحدة، يختلي بها الجنرال آرشي (الممثل جورج كلوني) خلوة حميمية، وتتبادل الشتائم مع منافستها الصحافية آدريانا كروز (الممثلة نورا دون)، ثم يدخل آرشي في سجال مع رئيسه الأعلى لكونه يقدم تصريحات للإعلام دون ترخيص وفي مقابل الترفيه الجنسي عن نفسه.

في وسط هذه الدراما المتصاعدة والمشبعة باللامعقول هنالك مشاهد قتل القوات العراقية لامرأة أمام أنظار طفلتها وزوجها وأمام أنظار القوات الأميركية، ومشاهد أخرى تتعلق بالتعذيب والاحتجاز وكلها ملتصقة بالقوات العراقية. المدنيون الذين هم في العراء وبلا حماية يستدرّون رأفة المغامرين الأربعة، والصورة أكثر دراماتيكية ومثالية.

وإذا أمعنا النظر في هذه الجزئية يتبين أنه لم يُعرف للجيش الأميركي إبان الحرب على العراق وتحت وطأة الإرهاب أنه قام بعملية عسكرية انتقل فيها من أقصى جنوب العراق إلى كربلاء، ثم إلى الحدود العراقية الإيرانية بقصد إنقاذ المدنيين في حل إخراجي كان أقرب إلى المزحة الثقيلة البعيدة عن الواقع كليا وهي اللامعقول بكليّته، والأقرب إلى الضحك على العقل الأميركي المستهلك الأول لتلك الدراما.

15