إرهاب لذيذ

الاثنين 2016/07/11

إرهاب لذيذ من نوعية جديدة مبتكرة لا يمكن رفضها خاصة وأنها تحمل إمضاء صديق أو صديقة أو زميل أو زميلة وقد تكون ممضاة من أحد الأقارب وتحمل دعوة ظاهرها الخير والبركة والدعاء ويحوي باطنها على الإرهاب، إذ أنها تحمل لك الويل والثبور وعظائم الأمور إن لم تستجب لها.

منذ بداية شهر رمضان توافدت على هاتفي رسائل عديدة عن طريق تطبيق واتساب تحمل أدعية طويلة وأذكارا تدخلني مساحة نورانية تصفّي قلبي من هموم الدنيا وأعباء الحياة ومسؤوليات العمل. وإحقاقا للحق كنت أقرؤها وأسارع في إرسالها إلى عشرة أو عشرون صديقا وإن لم أفعل خلال خمس دقائق فستلحق بسعادة لا ينغصها سوى السطر الأخير الذي يطالبني فيه مرسلها بي الكوارث وتلم بي النوائب والعياذ بالله، وإن استجبت للأمر فسأستمع لأجمل وأسعد الأخبار ويأتيني الخير من حيث لا أدري. فمن تأخر بها قطار الزواج ستتزوج ومن لم يشنف آذانها نداء ماما ستسمعه قريبا، ثم تمضي الرسالة بدعوة استمراريتها وعدم وقوفها عندك. تتابع الكلمات، لتعلم أنك إن لم تفعل فقد منعك الشيطان وأقعدك عن فعل الخير ربما يستمر المسلسل بأن الله غني عنك. باختصار أراد مؤلف هذه المقولة أن يدعونا إلى الاستمرار في المشاركة والمتابعة ولكن بصورة لا تخلو من التخويف والإرهاب والتهديد والوعيد، وربط الأمر بمدة زمنية قصيرة، ثم أعاد لك الكرة التي لم تخرج من ملعبك أساسا مرة أخرى بأن جعلك أنت السبب في التأخير، وذلك بإحكام سيطرة الشيطان عليك أو استغناء الخالق سبحانه عنك.

أعادتني مثل هذه الرسائل إلى أيام دراستي الثانوية “البكالوريا” والإعدادية، حيث كانت الفتيات يجلسن طوال يوم دراسي كاملا يكتبن الرسائل ويعدن نسخها بخط اليد خوفا من العقاب السماوي الذي ينتظرنهن في حالة التجاهل وما يلبثن أن ينتهين من الكتابة حتى تبدأ عملية التوزيع على الصديقات والزميلات البائسات حتى يقمن بدورهن بنفس العملية وهكذا حلقات مفرغة من الخوف والإرهاب دون أن يأتي الخبر السار ولا تنتشر الأخبار السيئة في الطرقات تصطاد من الفتيات من لم تستجب. فهذه الدعوات تطعن في أصل التدين وصميم العبادة وتشعرك بأن تدينك محل اختبار يقبع تحت ميكروسكوب.

هذه الرسائل تنتشر بسرعة رهيبة في أوساط الفتيات والنساء كالنار في الهشيم، معتمدة على رقتهن وغضاضة قلوبهن ونداوة مشاعرهن، حتى أن بعض النساء لا تعملن العقل والفكر في مثل هذه الرسائل التي تنطوي على إرهاب لفظي مستتر خلف الأدعية والأذكار التي لا يمكن لأي قلب رفضها أو تجاهلها مطلقا، وتختلف أطروحتي عن مقولة “هل صليت على الرسول اليوم”، فهي عبارة رائعة تذكرنا بالصلاة على حبيب الله، وأحيانا قد تكون نقطة الماء التي تنقلنا من قمة الغفلة إلى فجائية اليقظة.

فأن يدعوك أحدهم للذكر أو يوقظك، فهذا أمر لا غضاضة فيه، ولكن ما يثير الحفيظة هو ارتباط هذا الذكر بنشره بين عدد محدد من البشر، والويل إن لم يكن لك من الأصدقاء والمعارف مثل هذا العدد أو لك الكثير، ولكن لا تناسبهم مثل هذه الدعوات نظرا إلى دينهم أو اختلاف عقائدهم وثقافاتهم، ثم ارتباطها بوقت محدد وما يحمله هذا النداء من إرهاب وطائفية، وسوء استغلال لبراءة الناس وعفوية مشاعرهم، وتدين المصريين العجيب حتى أن اللص في هذه البلاد يقول “ربنا يسترها” وهو بهذه المقولة لا يستهزئ بالدين، ولكن العقيدة الراسخة في قلوب المصريين وعقولهم، للأسف، تُستغل أسوأ استغلال.

لا أعلم هل هذه النوعية من الرسائل تجد طريقها للناس بجهود فردية أم بصورة ممنهجة لفكر ديني ما وأي كان من ورائها، فأنا من الذكر والدعوة إلى التذكير دون تهديد أو وعيد لا أساس له، لأن الغيب لا يعلمه إلا الله.

كاتبة من مصر

21