إرهاق الدّب الروسي

الثلاثاء 2014/03/04

كان من المتوقع أن يسعى الغرب إلى الثأر من روسيا التي منعته من الاستيلاء على سوريا. سيكون من السذاجة القول إن روسيا لم تكن تنتظر انتقاما غربيا. لا بسبب سوريا وحدها، بل بسبب كل ما فعله الرئيس الروسي بوتين من أجل إعادة بلاده إلى الواجهة، وإنهاء الحقبة التاريخية البغيضة التي تميزت بهيمنة القطب الواحد، ممثلا في الولايات المتحدة التي صارت تتزعم العالم الغربي في مواجهة الآخرين، بل وفرض خياراتها السياسية والعسكرية على القارة الأوروبية نفسها.

لقد نجح بوتين في اختراق الجمود السياسي الذي عاشه العالم إبّان حقبة، تفردت فيها الولايات المتحدة بالقرار. وما لا يمكن إنكاره في هذا المجال أن ألمانيا بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل قد سعت من جهتها إلى أن تعيد إلى أوروبا مكانتها في المعادلة السياسية العالمية، من خلال ميلها إلى الاستقلال بقراراتها وعدم الخضوع الكلي للإرادة الأميركية. غير أن ألمانيا تظل جزءا أساسيا من المنظومة السياسية الغربية، وهي لذلك كانت تحذر من الانزلاق إلى الموقع الذي تظهر من خلاله كما لو أنها انتقلت إلى الضفة الأخرى. روسيا هي غير ألمانيا في كل شيء.

فالاتحاد الروسي في ظل حكم الرئيس بوتين كان قد حرص على أن يكون وريثا حقيقيا للاتحاد السوفيتي، إن على مستوى علاقته بالجمهوريات السوفييتية السابقة، أو على مستوى علاقته بالعالم الخارجي.

بالنسبة للروس كان ضروريا أن يُعاد إنتاج الاتحاد السوفييتي، لكن في سياق تاريخي متغير، يأخذ في الاعتبار ما شهدته الجمهوريات المستقلة من تحولات، بعضها كان ديمقراطيا خلال ربع القرن الماضي. لم تكن إعادة ضم تلك الجمهوريات في كيان سياسي واحد فكرة واردة، فهي فكرة ليست عملية، بل وثقيلة الوطأة على روسيا نفسها. غير أن الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها روسيا مع تلك الدول المستقلة كانت كفيلة بإحياء حلم التكامل الاقتصادي، بما يمهد لبناء قاعدة، من شأنها أن تكون أساسا للتكامل السياسي.

تاريخيا وجغرافيا فإن أوكرانيا كانت ولا تزال تقع في قلب ذلك التكامل. وإذا ما عرفنا أن الجزء الشرقي من أوكرانيا (شبه جزيرة القرم) كان روسيا دائما، ولم يجر ضمه إلى أراضي أوكرانيا إلا من قبل الرئيس السوفييتي خروتشوف (أوكراني الأصل) عام 1964، ولم يكن ذلك الضم ليؤثر في شيء أثناء وجود الاتحاد السوفييتي، يمكننا تقدير حجم الضرر الذي يمكن أن تلحقه الضربة الغربية بالاتحاد الروسي.

هل توقع الغرب أن تقف روسيا مكتوفة الأيدي وهي ترى جزءا من رصيدها المستقبلي يُقتطع منها، لينضمّ بيسر انقلابي إلى الغرب؟ ما نعرفه من معلومات عن الأهمية الاستراتيجية التي تشكلها أوكرانيا بالنسبة لروسيا يعرف الغرب أضعافها. ما كان مؤكدا أن روسيا لن تسكت على عدوان يجري على أراض، تعتبرها جزءا من نصيبها التاريخي والجغرافي. لن يكون من السهل القفز على حقيقة أن شبه جزيرة القرم وهي مركز الثروة في أوكرانيا هي منطقة ذات غالبية روسية. لذلك سيكون انفصالها عن أوكرانيا نوعا طبيعيا من رد الفعل.

من غير حرب بالإمكان إعادة ذلك الجزء إلى روسيا وليذهب الجزء الغربي بفقره إلى الاتحاد الأوروبي. هل كانت مغامرة الغرب في أوكرانيا غير محسوبة النتائج؟ هناك، كما أرى، لعب بمصائر الشعوب من أجل تحقيق انتصارات وهمية.

فروسيا التي صارت ترى الأعداء واقفين عند بابها، سيكون متوقعا منها من وجهة نظر الغرب أن تتنازل له عن الملف السوري. غير أن شيئا من هذا القبيل لن يقع، على الأقل أثناء ولاية الرئيس بوتين.

كان رد الفعل الروسي واضحا في عدم تخليه على الأقل عن شبه جزيرة القرم، وهو يعرف أن ذلك الإجراء سيكون ممره إلى الاحتفاظ بكامل التراب الأوكراني جزءا من إرثه التاريخي والجغرافي. أما الغرب فإنه سيجد تسلية في إرهاق الدب الروسي.


كاتب عراقي

9