إزالة شعارات حزبية أم حرب مفتوحة بين إسلاميْن

الخميس 2015/02/12

بدت حملة إزالة الشعارات الحزبية في بيروت الإدارية، والطريق الساحلي وصيدا وطرابلس، واستثناء الضاحية الجنوبية، والجنوب، ومناطق البقاع، ترسيما واضحا لخريطة الغلبة الإلهية التي تتخذ الآن صفة تنفيس الاحتقان وملامحه عبر الحوار.

الضاحية والجنوب مُدرجان تحت بند الإستراتيجية الدفاعية، لذلك هما معفيان من عملية تخفيف الاحتقان في المناطق المختلطة. تضمن لهما الإستراتيجية الدفاعية الحقة في ممارسة نقاء مذهبي وشعاراتي، وتنتج لهما بنية استثناء يمكن معها بقاء كل شيء على حاله.

يتعامل هذا المنطق مع المناطق الأخرى بوصفها غير منتجة لأي حالة استثنائية، وتاليا فهي لا تستحق منحها شرف الإعلان عن انتمائها الحزبي والطائفي، بل تتخذ الصور والشعارات فيها معنى التعصب وإثارة الاحتقان، وهو ما يحاول حوار المستقبل – حزب الله تخفيفه.

غضب النائب خالد الضاهر، ورفض إزالة شعارات التوحيد من ساحة النور في طرابلس، ودعا إلى التعامل بالمثل في المناطق المسيحية والشروع في إزالة تمثال يسوع الملك ونصب القديسين الذين يفتحون أيديهم. رفض البعض كذلك إزالة صورة وزير العدل أشرف ريفي، ما يعكس توجها عاما بات يوحد الديني بالحزبي، ويصبهما في إطار واحد، بحيث يكون المسّ بأي منهما اعتداء مكتمل الأركان على الطائفة ومقدساتها.

من هنا تكون صورة أشرف ريفي وشعار التوحيد شيئا واحدا، ويصبح أي منهما قادرا على أن ينطق عن الآخر ويعبّر عنه في أي لحظة، وتصبح عملية إزالة أي منهما بمثابة اعتداء على السنة، لا بل على الدين الإسلامي الذي يعتبر السنة أنفسهم أصحابه.

هكذا تتخذ عملية إزالة الشعارات الحزبية في طرابلس طابع محو الإسلام نفسه، وهو إسلام ينكّل به بشار الأسد والإيرانيون، الذين تُرك لجماعتهم في لبنان الحق في تسوير مناطقهم بشعاراتهم الناطقة باسم إسلامهم المناقض له، والذي لم يتخذ التعبير عنه في أي لحظة سوى طابع الإعلان عن الغلبة.

يمكن إذن تركيب معادلة رمزية تكون فيها صور حسن نصر الله وصور بشار الأسد الباقية في مناطق نفوذ الحزب تعبيرا عن انتصار حاسم لهذا المحور، بحيث تصبح لهذه الصور الممتلئة بنفسها ظلالا تنتشر في المساحات منزوعة الصور وتحتلها وتبسط عليها سيطرتها الرمزية والدلالية.

نحن أمام إسلاميْن متنازعيْن يسكنان في الصور والشعارات التي تحولت إلى رموز دينية. هناك إسلام باق، وآخر مهدد بالزوال مع زوال شعاراته، فهل سيكون متوقعا أن يرتضي هذا الإسلام المهدد بالزوال الهزيمة دون معركة على الأقل؟

ليس خالد الضاهر، ولا أهل طرابلس، ولا أشرف ريفي، ولا سعد الحريري وتيار المستقبل هم من يستطيعون الدفاع عن هذا الإسلام الذي بات يرى نفسه في لبنان أسير مظلوميات متفاقمة. أكثر ما يستطيعه أي واحد منهم هو الإعلان عن وجود غبن وظلم دون القدرة على دفعهما.

المنافحون الفعليون عن هذا الإسلام والذين ينمون ويتكاثرون بسرعة قياسية، هم هؤلاء الذين نجحوا في بناء دولة ما، في حين فشلت جميع الأنظمة القائمة في ذلك، وهم لا يسعون إلى التخفيف من آثار الغلبة، بل يسعون إلى نسفها تماما دون أن يبالوا بأي كلفة كارثية، ممكن أن يتم هذا الأمر.

تنظيم داعش يرتدي، الآن، وجه انتقام الإسلام المغلوب من الإسلام الغالب، وهو قد نجح في أن يؤسس لمنطق بات الجميع أسراه.

وربما يكون لبنان، في ظل فولكلورية تخفيف الاحتقان، قد بات جاهزا لاحتضان تنظيم داعش، لأنه في اللحظة التي تزال فيها صور الرئيس رفيق الحريري وشهداء الرابع عشر من آذار من طرابلس وبيروت، وتبقى صور القتلة القديسين مرفوعة في الضاحية، ولا يجرؤ نجل الرئيس الشهيد على العودة الدائمة إلى بيروت خوفا من اغتياله، فإن كل أسباب احتلال داعش للمشهد السني ومؤشراته قريبا تبدو حية وفاعلة.

نعيش في قلب حرب دينية تبدو معها عبارة تخفيف الاحتقان كاريكاتيرا سمجا وثقيلا، وخاصة حين تكون محاولة فاشلة لتغطية وجه الغلبة الوقح الذي يحاول ارتداء وجوه عديدة دون أن ينجح في إخفاء ملامحه.


كاتب لبناني

8