إسبانيا تراجع حساباتها لإنقاذ علاقتها مع السعودية

مدريد تستعد للإفراج عن شحنة قنابل الليزر لصالح الرياض، في مسعى منها لتفادي أزمة دبلوماسية شبيهة بالأزمة بين كندا والسعودية.
الأربعاء 2018/09/12
مناورة إسبانية لتفادي الأزمة

بعد أن أعلنت وزارة الدفاع الإسبانية الأسبوع الماضي عن إلغاء صفقة بقيمة 9.2 مليون يورو لبيع السعودية 400 قنبلة مسيرة بالليزر، انتهجت مدريد خطوة معاكسة بخطاب داع للتهدئة لمناقشة العقد بشكل ثنائي بعيدا عن التشنج وبشكل جاد يضمن استمرارية العلاقة بين البلدين وذلك في تحرّك إسباني جديد رأى فيه الكثير من المتابعين مناورة هدفها تجنّب الوقوع في أزمة دبلوماسية مع المملكة على شاكلة الأزمة السابقة لكندا مع السعودية.

مدريد - أبدت إسبانيا الاثنين استعدادها للإفراج عن شحنة أسلحة كان من المقرر أن تسلمها للمملكة السعودية وذلك للحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع الدولة النفطية الكبرى وتفادي أزمة مفتوحة شبيهة بالأزمة بين كندا والسعودية.

وكانت مدريد والرياض الحليفتان منذ أمد بعيد، قريبتين من أزمة دبلوماسية الأسبوع الماضي إثر إعلان وزارة الدفاع الإسبانية إلغاء صفقة بقيمة 9.2 مليون يورو لبيع السعودية 400 قنبلة مسيرة بالليزر، على خلفية الحرب في اليمن.

وهدّد الإعلان الإسباني صفقة أهم بقيمة 1.8 مليار يورو تشتري بموجبها الرياض خمسة بوارج. وكانت الصفقة أنعشت شركة أحواض بناء السفن الإسبانية العامة (نافانسيا).

وحاولت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس الاثنين تهدئة الأمور فاتحة المجال أمام تسليم الـ400 قنبلة.

وقالت إن العقد ستتم دراسته ثنائيا “بشكل جاد وفي إطار العلاقة الجيدة بين البلدين” مؤكدة أن الخلاف “سيحل بشكل ودي”. وأكدت الوزيرة أمام لجنة برلمانية أن إسبانيا والسعودية “بلدان شريكان وقعا عقدا”.

وقالت إن صفقة بيع البوارج الخمس ليست مهددة حيث إن عقدها “ليس ملحقا أو مرتبطا بأي عقد آخر”. وقال المحلل إدوار سولر إن إلغاء بيع 400 قنبلة “يمكن أن يعرض للخطر سياسة العقود الإسبانية في السعودية (المحددة) في السنوات الأخيرة”.

وكانت مدريد والرياض قد أبرمتا الصفقة في أبريل 2018 أثناء زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لإسبانيا.

ومثل ذلك بمثابة نصر لإسبانيا وشركاتها التي كانت حصلت في السنوات الأخيرة على العديد من عقود الهندسة من السعودية على غرار القطار فائق السرعة بين مكة والمدينة ومترو الرياض.

ويوجد عامل داخلي دفع الحكومة الإسبانية إلى مراجعة موقفها، وهو أن صفقة البوارج الخمس من شأنها أن تتيح الإبقاء على نحو ستة آلاف وظيفة خصوصا في الأندلس، المعقل الاشتراكي حيث من المقرر تنظيم انتخابات إقليمية في الأشهر القادمة.

إسبانيا تعلن استعدادها للإفراج عن شحنة أسلحة للسعودية لتفادي أزمة شبيهة بالأزمة بين كندا والسعودية

وأضاف سولر “أنها حالة تقليدية حيث شهدنا عوامل السياسة الداخلية تؤثر على السياسة الخارجية والدفاع”.

ويتعلل حقوقيون إسبان بأنهم يخشون أن تستخدم الأسلحة لقصف المدنيين في اليمن متحججين بقانون إسباني يعود إلى عام 2007 يتيح إبطال عقود سلاح إذا كانت هناك “مؤشرات معقولة” على استخدام الأسلحة “لغايات القمع الداخلي” أو “في انتهاك حقوق الإنسان”.

ويرى مراقبون أن مرد التراجع الذي أقدمت عليه الحكومة الإسبانية هو تخوفها من أن ينجر عن ذلك إلغاء صفقة السلاح وتكرار نفس السيناريو الذي حدث بين كندا والسعودية في الأسابيع الأخيرة، ولذلك هي تناور لإنقاذ علاقتها بالرياض خاصة في ظل رهانها على تواصل العلاقات بين البلدين والمحافظة على مصالحها الاقتصادية.

وكانت السفارة الكندية في الرياض كتبت تدوينة على تويتر عن الاعتقالات في السعودية. وردت السعودية بالتنديد بتلك البادرة “غير المقبولة”.

وشملت الإجراءات السعودية ضدّ كندا طرد سفيرها بالرياض وتجميد تعاملات تجارية جديدة معها ووقف واردات الحبوب الكندية واستدعاء جميع الطلاب السعوديين الدارسين بكندا للعودة إلى بلدهم، ونقل المرضى الذين يعالجون بالمستشفيات الكندية إلى بلدان أخرى.

وأثار موقف الحكومة الكندية المستفز ردود فعل داخلية غاضبة على إرباك المصالح الكندية مع السعودية لأجل تسجيل مواقف وخدمة صورة رئيس الوزراء جاستون ترودو.

وقال السفير الكندي السابق لدى السعودية، ديفيد تشاترسون، إن الدبلوماسية الكندية فشلت، مضيفا لقد “حولنا أنظارنا عن هدف الدفاع عن مصالح كندا”.

وتساءل “هل كان المطلوب التأثير على التوجه العام للمملكة العربية السعودية، لا أعتقد أننا حققنا ذلك.. هل دافعنا عن المصالح الكندية”، مجيبا “لا.. إنه فشل تام”.

وتقاوم السعودية بردودها الصارمة تجاه دول مثل إسبانيا، كندا وألمانيا نزعة معروفة لدى العديد من الدول والمنظّمات الغربية تقوم على الضغط على الدول باستخدام ملف حقوق الإنسان للحفاظ على وضع من يعطي الدروس لتلك الدول.

وكثيرا ما تثار مفارقة صادمة في هذا المجال تتمثّل في أنّ غالبية الدول التي تحاول إعطاء الدروس لغيرها في مجال حقوق الإنسان، لا تستطيع إثبات بياض صفحتها بشكل كامل في المجال الحقوقي ولا تماسك مواقفها والتزامها معيارا واحدا في معالجة مختلف القضايا في العالم.

ولا تخلو محاولة تطبيق مثل تلك السياسة على دول كبيرة وغنية مثل السعودية من خسائر تكون في بعض الأحيان مادية مباشرة.

3