إسحق هيرتزوغ زعيم المعارضة الإسرائيلية الذي يريد وضع حد للحرب

الأحد 2014/12/28
هيرتزوغ سياسي من جيل جديد يطرح التحالف الإقليمي مع الدول العربية

إسرائيل تتغير؟ هذا لم يعد سؤالا، بل تحوّل إلى خبر تترصده مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية، التي ترى أن قلب الحلم الصهيوني، قد بدأ بالدخول في أطوار جديدة هو الآخر تزامنا مع متغيرات المنطقة والعالم، ولم يعد ما ثبّته بن غوريون وغولدا مائير ومناحيم بيغن وآخرون صالحا للاستعمال اليوم في الزمن الجديد، يقود هذا التغيير ويرسّخه كلٌ من وزيرة الخارجية السابقة ووزيرة العدل الحالية تسيبي ليفني رئيسة حزب الحركة، التي أعلنت أنها لم تبع الدولة لـ “الحريديم” ولم تتاجر بأموال الشعب، وانسحبت من اللعبة، لتعود إليها قوية، ومعها القادم الجديد إلى قيادة المعارضة في إسرائيل ورئيس حزب العمل إسحق هيرتزوغ.

هيرتزوغ، الذي يُطلق عليه اليوم لقب “زعيم المعارضة” في إسرائيل، لا يواجه لأول مرة خارطة التناقضات الإسرائيلية الإسرائيلية، فهو ابن الجنرال حاييم هيرتزوغ الرئيس السادس لإسرائيل، وجدّه هو الحاخام إسحق هاليفي هيرتزوغ، فهو الجيل الجديد الذي رأى إسرائيل في عهودها السابقة، وعاش الصراع بمختلف مراحله منذ أن ولد في العام 1960 في تل أبيب في بيت الرئيس، ودرس القانون في كورنيل في إيثاكا وفي نيويورك، ودخل الحياة السياسية مبكرا، كوزير للشتات والمجتمع ومكافحة الفساد ومعاداة السامية والإسكان والبناء والسياحة والرفاه، بالإَضافة إلى عمله في المحاماة، فهو ابن يهودية مصرية المولد، أي أن مناخ الشرق الأوسط الزاخر كان قد عصف طويلا في رأسه، قبل أن يقرّر التحوّل إلى قيادة حزب العمل.

الشاب الصامت


للصمت في حياة هيرتزوغ الشاب أكثر من معنى، فهو الذي يعرف الكثير، وشهد الكثير الذي تشرّبه من حكمة الشيوخ من حوله وحول والده، يعلم تماما أن التغيير السياسي الجذري لا تأتي به الكلمات، بل إن الصمت أفضل الطرق إلى الفعل، كما أنه يمكن أن يستعمل في مواجهة القضايا الكبرى، كالاتهامات أمام القانون، وحين وجهت إليه تلك التهم، كان الصمت صديقه الذي أنجاه من الإدانة في قضية حملة أيهود باراك الانتخابية في العام 1999، حين تم إنشاء جمعية وهمية لاستقبال الأموال، تمكّن هيرتزوغ من إنقاذ نفسه بعدم الإدلاء بأي شهادة، ولكن صمته ذاك، يعكس رغبته في الانتقال إلى مرحلة تالية سيكون له فيها المجال مفتوحا وكبيرا لاحتكار الكلام.

بعد عشرة أيام فقط، من فوزه بزعامة حزب العمل، التقى هيرتزوغ بالرئيس الفلسطيني عباس وتعهد أمامه بالعمل على حل الدولتين


تحولات العام 2013


في السنة الماضية، 2013، تمكّن هيرتزوغ من الفوز في الانتخابات الداخلية لرئاسة حزب العمل، وكان سبب فوزه الورقة التي طرحها مقابل خصمه وابنة حزبه شيلي يحيموفيتش التي رفعت شعار القضايا الاجتماعية والاقتصادية أولا، بينما أعلن هيرتزوغ أن هدفه يتركّز على مسألتي الأمن والحل النهائي للصراع العربي الإسرائيلي.

وبعد عشرة أيام فقط، من فوزه بزعامة حزب العمل، التقى هيرتزوغ بالرئيس الفلسطيني محمود عباس وتعهّد أمامه بالعمل على حل الدولتين، وفي منتصف العام 2014 بدأ هيرتزوغ يرفع من وتيرة انتقاداته لبنيامين نتنياهو، بسبب إخفاقه في إشراك المجتمع الدولي في حل الصراع، وكذلك لفشله الذريع في تقديم أي اقتراحات للسلام مع الفلسطينيين، وعدم التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية ورئيسها باراك أوباما، وكان جريئا جدا في وصفه لمشاعر نتنياهو تجاه أوباما الذي وصفه بأنه “كراهية وبغض وعداء” الأمر الذي جعل أمن إسرائيل في خطر.

ثم بدأ هيرتزوغ في بناء التحالف المضاد لنتنياهو في الساحة السياسية الإسرائيلية، فقام بدعوة حزب كاديما، والحركة، و زعيم حزب يش عتيد (هناك مستقبل)، يائير لبيد، لإنشاء ائتلاف انتخابي وصفه بأنه “قادر على استبدال نتنياهو” ووعد بفعل كل شيء من أجل إنجاح تحركه ذاك في انتخابات مارس القادم في العام 2015، ومن خلف نتنياهو ارتفع صوت ليبرمان وزير الخارجية، الذي قال إنه لن يسمح لهيرتزوغ بقهر تيار رئيس الحكومة، وإنه سيبني بدوره تحالفا مضادا مكونا من المتشددين اليهود، بالتعاون مع زعيم هبايت هيهودي نفتالي بينيت.


ماذا يريد الإسرائيليون


ومن وقتها أجريتْ استطلاعات رأي عديدة، قدّمت نسبا متفاوتة، لمعرفة التوجّه الشعبي داخل إسرائيل، فكانت نسبة 65 بالمئة من الإسرائيليين مؤيدة لرحيل نتنياهو، بينما أراد 30 بالمئة منهم بقاءه، و5 بالمئة رفضت الرد على السؤال، بينما قدّم مركز مدحام نسبة 36 بالمئة من الأصوات في استطلاعات رأي أخرى تؤيد بقاء نتنياهو دون أن يركزوا على غيره من المرشحين.

الكتيبة التي يقودها هيرتزوغ اليوم، مكونة من ثلاث رؤوس طرح كلٌ منهم اسمه لمنصب رئيس الوزراء، ليفني ولبيد وهيرتزوغ نفسه، الأمر الذي يجعل حظوظ نتنياهو صعبة ومعقدة للغاية، فلن يعرف خصمه الحقيقي طيلة الشهور الثلاثة القادمة حتى يأتي الوقت المناسب، وهو ما سيجعل ما تبقى من شعبيته يتآكل يوما إثر يوم.

هيرتزوغ، الذي يطلق عليه اليوم لقب "زعيم المعارضة" في إسرائيل، لا يواجه لأول مرة خارطة التناقضات الإسرائيلية الإسرائيلية، فهو ابن الجنرال حاييم هيرتزوغ الرئيس السادس لإسرائيل وكان قد عاش الصراع مع العرب بمختلف مراحله

نظرية الجيل الجديد من السياسيين الإسرائيليين بقيادة هيرتزوغ، تقوم على أن الدولة القادمة لم تعد قابلة للبقاء في حالة حرب مستمرة، وسط تأييد شعبي كاسح ومتواصل، فحين سأله أحد الصحفيين عما إذا كان قد فوجئ من “مستوى الدعم الشعبي للحرب الذي يشبه حالة كوريا الشمالية”، لم يتردد هيرتزوغ في القول: “يجب الآن وضع حدّ للحرب”.

وأضاف:”وأنا لا أعتقد أننا كوريا الشمالية بأي شكل من الأشكال”.

ويرى هيرتزوغ أن البيئة الديمقراطية في إسرائيل تسمح لنقاش كل القضايا، ولا شيء خارج الحوار، لأن هناك ثمانية أحزاب تتصارع في إسرائيل وبرلمانها بما فيها حزب إسلامي سياسي، على حدّ قول هيرتزوغ الذي أشار إلى القائمة الموحدة العربية للتغيير الديمقراطي، ويجب اغتنام هذه الفرصة لتحقيق معادلة السلام والاستعداد للحرب، يقول هيرتزوغ :”لو كنت رئيسا للوزراء كنت سأقوم بضربة أكبر لحركة حماس، وكنت سأذهب فورا إلى رام الله، أطرق باب المقاطعة، وأدخل مكتب أبي مازن وأبدأ التفاوض معه من أجل السلام. هذا هو خطي، وهذا ما أعتقد أنه يجب القيام به”، ويضيف:”عندما تكون مستعدا للسلام عليك أيضا أن تكون مستعدا للحرب من أجل حماية شعبك، وخاصة في هذه المنطقة”.

سخر هيرتزوغ من قانون “يهودية الدولة” الذي يسوّقه نتيناهو، وشاركه في هذا حليفه يائير لبيد، الذي قال عن القانون إنه “بصيغته الحالية”، لا يقدّم شيئا، سوى أنه “يجعل 300 ألف روسي (ممن لم يُعترف بيهوديتهم) من الدرجة الثانية”، وقال هيرتزوغ إن “الانشغال بقانون القومية أشبه بعقد جلسة لحكومة نتنياهو في الحرم القدسي، هو إثارة للأمن في وقت أمني وسياسي فائق الأهمية والحساسية، وهذا ليس أقل من انعدام للمسؤولية، ويمكن أن يزيد اللهيب اشتعالا في المنطقة”.


مشاكل هيرتزوغ مع ويكيليكس


يحرص زعيم المعارضة الإسرائيلة على صورته الوادعة، وملامح وجهه الطفولية كما توصف، ولكن بعض التسريبات قد تكون مزعجة للمحامي قليل الكلام، فقد فاجأته ها آرتس بنشر وثيقة مسربة عن موقع ويكيليكس على صفحتها الأولى، يقول فيها هيرتزوغ كلاما عنصريا غاضبا ضد عمير بيرتس وزير الأمن السابق، حين وصفه بأنه “مروكي” في إشارة تمييزية إلى أصوله المغربية، وهو ذات التعبير الذي يستعمله يهود أوروبا لوصف اليهود الشرقيين والاستهزاء بهم.

لكن هيرتزوغ نفى صحة هذه التسريبات، وكان صعبا تصديق نفيه، لأن الوثيقة تحدثت عن لقاء جمع هيرتزوغ بدبلوماسي أميركي رفيع في يناير من العام 2006، وحدّثه حينها عن أسباب هبوط شعبية الحزب الذي كان على رأسه عمير بيرتس، فقال إن من أهم تلك الأسباب “نظرة الرأي العام إلى بيريتس على أنه عديم الخبرة وعدواني ومروكي”.


حلف الأمن القومي الإقليمي


لم يخفِ هيرتزوغ رغبته في بناء تحالف إقليمي، قائم على إنهاء الصراع مع الفلسطينيين، وإنشاء مناخ آمن في المنطقة، فقد صرّح في لقاء مع يديعوت أحرونوت أن سياسات المراحل السابقة في إسرائيل، أضعفت إسرائيل، وأضعفت الرئيس عباس، وشجّعت حماس على الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل، وأضاف:”يؤسفني أن (بيبي) ليس قويا في مواجهة حماس بل إنه قوّاها، وقد أحدثنا طنجرة ضغط مغلقة انفجرت في النهاية”.

يرى هيرتزوغ أن البيئة الديمقراطية في إسرائيل تسمح لنقاش كل القضايا ولا شيء خارج الحوار، لأن هناك ثمانية أحزاب تتصارع في إسرائيل وبرلمانها

وأشار هيرتزوغ إلى ما سمّاه بـ “الحلف الآسر” الذي يشمل مصر والأردن والسلطة الفلسطينية ودول الخليج، الذي من الممكن أن يعبّر عن رؤية إقليمية واضحة يمكن الاتفاق عليها، ولكن نتنياهو لم يستفد من هذا.

ويرى هيرتزوغ أن إسرائيل يجب أن تعمل على إعادة تعمير غزة، دون أن تظهر حماس منتصرة، كما يجب على إسرائيل أن تعمل على ما سمّاه بـ”الحسم السياسي” وليس “الحسم العسكري”.


العرب والمتغيرات الإسرائيلية


يقف العرب موقف المتفرّج على الداخل الإسرائيلي منذ تأسيسه في العام 1948، دون أن يعملوا على استثمار تلك المتناقضات العنيفة التي تعصف بالمجتمع والطبقات السياسية، متمسكين بأن إسرائيل كتلة واحدة، وجه واحد، وعقل واحد، على الرغم من أن الحياة الديمقراطية التي تتمتع بها إسرائيل لن تترك الصهيونية بمعزل عن التحولات، سيما في زمن الربيع العربي، الذي لم يترك الأمور كما كانت عليه قبل العام 2011.

فقد تغيّرت معادلات كثيرة، وصعدت قوى وهبطت قوى أخرى، واختلفت أشكال ودرجات الصراعات والتحالفات بصورة جذرية، ويشكل صعود هيرتزوغ ومعه ليفني في ربيع العام 2015، مجالا خصبا للعمل على دمج تلك المتغيرات الإسرائيلية في سياق المتغيرات العربية، ومع التضخم الكبير للنفوذ الإيراني باحتلال أربع عواصم عربية بالجملة، وبعد انهيار فلسفة المقاومة والقضية المركزية التي استعملتها طويلا أنظمة عربية في المنطقة بديلا عن التنمية والعدالة والتقدّم، لأن ثمن السلام أكبر عند بعض الأنظمة من ثمن انتظار مشروع تدمير إسرائيل الذي لم يعمل عليه أحد.

8