إسرائيل، مثلها مثل السعودية، تستعد لمناكفات إدارة بايدن

المصالح المشتركة المحدد الأول لهوية العدو الرئيسي في المنطقة.
الأربعاء 2020/11/25
تجربة أوباما مع إيران قد تعيد نفسها مع بايدن

تترسخ فكرة لدى الكثير من المراقبين السياسيين بأن التحركات الاستباقية لكل من السعودية وإسرائيل نابعة من خشيتهما للسيناريوهات التصعيدية، التي قد يتبعها الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن تجاههما خاصة وأن العديد من الدلائل تشير إلى أنه لن يمسك العصا من المنتصف في سياساته المتعلقة بعدويهما في منطقة الشرق الأوسط، وهي إيران، مما سيعيد الجميع إلى مربع سياسات باراك أوباما القديمة.

واشنطن - تشي تحركات إسرائيل الأخيرة لمواجهة أي احتمالات مفاجئة من الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن في العديد من الملفات في الشرق الأوسط وخاصة، تجاه إيران، بحقيقة واحدة وهي أنها تتأهب مثل السعودية، حتى لا تكون معزولة أو تدخل في مسار من المناكفات، في ظل دلائل تشير إلى أن ساكن البيت الأبيض سيتبع سياسة باراك أوباما.

وتشير زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى منطقة نيوم، للقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وسط تأكيد من وسائل الإعلام الإسرائيلية ونفي من دوائر صنع القرار السياسي الرسمي في الرياض، إلى احتمال انضمام السعودية إلى التحالف الجديد الذي يجمع دول الخليج العربية مع إسرائيل.

ويقول جوناثان فيرزيغر الباحث غير مقيم في المجلس الأطلسي في تقرير نشره موقع مجلة “فورين بوليسي” الأميركية إن تلك الزيارة، رغم تضارب الآراء حول انعقادها، تُظهر كيفية اعتماد الأعداء السابقين، وهما إسرائيل والسعودية، على بعضهما البعض لتبديد الرياح التي تهب في اتجاههما من إدارة بايدن القادمة.

خطط استباقية

جوشوا تيتلبوم: هدف اجتماع نيوم هو حلّ قضية ما قبل مغادرة ترامب
جوشوا تيتلبوم: هدف اجتماع نيوم هو حلّ قضية ما قبل مغادرة ترامب

وقع نتنياهو خلال الأشهر الأخيرة وبرعاية أميركية على اتفاقين تاريخيين لتطبيع العلاقات مع الإمارات والبحرين، حليفتي السعودية. وهذا الأمر كان مثار ترحيب من العديد من البلدان العربية، بينما عارضته دول أخرى، إلا أن موقعيه يرون أنه الطريق الصحيح نحو نزع فتيل التوتر في شرق أوسط صاخب.

وتحدّث مسؤولون أميركيون وإسرائيليون منذ ذلك الوقت عن وجود دول عربية أخرى مستعدة لإقامة علاقات مع إسرائيل، وهو ما أكده نتنياهو أواخر أغسطس الماضي، لكن السعودية سبق أن شددت على تمسكها بموقف جامعة الدول العربية الذي يشترط حلّ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني لعقد سلام مع الدولة العبرية.

وأثيرت تساؤلات حول احتمالات توسيع نطاق “اتفاقات أبراهم” إلى دول عربية أخرى، بعد تنصيب بايدن، خصوصا في ظل البرودة في العلاقات التي سادت بين الحزب الديمقراطي خلال فترة وجود أوباما، الذي ينتمي إليه في السلطة، ومع دول مثل السعودية.

ولكن يبدو، وفق فيرزيغر مراسل الشرق الأوسط السابق لبلومبيرغ نيوز، أن نتنياهو والأمير محمد بن سلمان، وباعتبارهما أكبر المستفيدين من السياسة الخارجية، التي اتبعها الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب، يسعيان إلى التوقّي من مؤشرات اعتبار البيت الأبيض قريبا أنهما “لاعبين مارقين”.

وتقول الرواية الإسرائيلية أن نتنياهو ألغى اجتماعا لمجلس الوزراء الأحد الماضي، وامتطى طائرة خاصة وذهب في رحلة مدتها ساعة عبر البحر الأحمر إلى ساحل السعودية الغربي في مدينة نيوم الصحراوية، التي تعتبر مركز مشروع بقيمة نصف تريليون دولار.

وتضيف المعلومات التي تداولتها الصحافة الإسرائيلية نقلا عن مصادر سياسية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أمضى خمس ساعات مع ولي العهد السعودي وانضم إليهما وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ومدير الموساد يوسي كوهين.

ومع ذلك، يبقى ما ناقشه الأربعة محض تكهنات، ويعتقد البعض أن الاجتماع كان حول تنظيم هجوم على إيران قبل أن يحصل جو بايدن على فرصة لإعادة الانضمام إلى الاتفاقية النووية المبرمة في 2015، بينما يأمل آخرون في أن تسير السعودية على خطى الإمارات والبحرين في تطبيعهما الرسمي للعلاقات مع الدولة العبرية.

ومن المرجح أن تتبع واشنطن سياسة مختلفة في الشرق الأوسط بعد تنصيب بايدن في العشرين من يناير المقبل، فقد تحدث الرئيس الديمقراطي صراحة عن إعادة تقييم العلاقة الأميركية السعودية في ضوء مقتل الصحافي جمال خاشقجي ومسألة حقوق الإنسان.

ولا تزال معارضة نتنياهو الصريحة للمفاوضات مع إيران، وخاصة خلال خطابه في 2015 أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي، تُعتبر ضربة “وقحة” للرئيس أوباما عندما كان بايدن نائبه.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان الإسرائيلية، جوشوا تيتلبوم، الذي ينكبّ على تأليف كتاب عن تاريخ الجيش السعودي، إن “الاجتماع في نيوم كان يهدف إلى حلّ قضية ما قبل أن يترك ترامب منصبه وإلى إرسال إشارة إلى إدارة بايدن”. وتابع أن “هذين الحليفين الرئيسيين في المنطقة يجتمعان”.

وبغض النظر عن ذلك لا تبدو الرسالة موجهة للجمهور، فبعد تسريب أنباء رحلة نتنياهو لوسائل الإعلام الإسرائيلية الاثنين الماضي، وتأكيد المسؤولين الإسرائيليين والسعوديين لها، نفى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ذلك بشكل رسمي وهو ما يقطع الطريق أمام أي تأويلات قد تتلقفها بعض الجهات للمزايدة على مواقف السعودية من مسار السلام الفلسطيني-الإسرائيلي.

احتمالات التصعيد

جوناثان فيرزيغر: نتنياهو والأمير محمد أرادا إرسال إشارة لإدارة بايدن
جوناثان فيرزيغر: نتنياهو والأمير محمد أرادا إرسال إشارة لإدارة بايدن

تبدو العلاقة الآن بين بايدن وإسرائيل في منعطف جديد تصب أغلبها في سيناريوهات التصعيد، مثلما فعل أوباما حيث تصادمت إداراته في كثير من الأحيان مع إسرائيل خلال فترة حكمه بسبب بناء المستوطنات، وهو ما جعل نتنياهو يبادر لمقابلة الأمير محمد بن سلمان.

ورغم أن نتنياهو رفض تأكيد اللقاء أو نفيه، إلا أنه عُرف بتلميحاته حول لقاءات سرية مع قادة عرب دون تأكيد حدوثها. وقد تعددت تقارير عن اجتماعات بينه والأمير محمد بن سلمان على متن يخوت البحر الأحمر وفي الأردن المجاور، وفي مدن أوروبية مختلفة.

وكانت المرة الوحيدة التي التقى فيها نتنياهو بحاكم خليجي علنا هي عندما زار العاصمة العمانية مسقط في العام 2018، للقاء السلطان الراحل قابوس الذي توفي في يناير الماضي.

ويقول فيرزيغر إن هذه التلميحات تُخفي علاقات دبلوماسية عميقة غير رسمية بين نتنياهو ومجموعة من الدول العربية، حتى عندما تعرّض للتشهير بسبب سياسته المتشددة تجاه الفلسطينيين وخططه لضم 30 في المئة من الضفة الغربية.

وبالنسبة لنتنياهو كانت المكافأة في سبتمبر الماضي، عندما جلس إلى جانب ترامب في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض ووقع “اتفاقيات أبراهام” مع وزيري خارجية الإمارات والبحرين، مما مهّد الطريق نحو إقامة علاقات دبلوماسية مع دول الخليج، وإرساء تعاون موعود في الأعمال والدفاع والاستخبارات والطيران والسياحة والبحوث الطبية والمصالحة بين المسلمين واليهود.

وقد تُوّجت الاتفاقات بصفقة أسلحة بقيمة 23 مليار دولار تراجعت فيها إسرائيل عن اعتراضاتها على بيع الولايات المتحدة لمقاتلات أف-35 للإمارات.

والآن، تنقص مشاركة السعودية، التي تبقى أكبر وأغنى عضو في مجلس التعاون الخليجي، التقارب مع إسرائيل، ويبدو أن وصولهما إلى مرحلة التطبيع الدبلوماسي، حتى لو بعد حين، سيكون ثمرة سياسية ترامب، الذي كانت أول رحلة خارجية له بعد توليه منصبه في 2017 إلى الرياض، ثم توجّه منها مباشرة إلى تل أبيب.

ومنذ الإعلان عن الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي من المكتب البيضاوي في أغسطس الماضي، قال ترامب ومساعدوه إنهم يتوقعون أن ينضم السعوديون إلى التطبيع أيضا.

وحتى الآن، يقول السعوديون إن أي اتفاق رسمي مع إسرائيل يجب أن يعتمد على مبادرة السلام العربية لسنة 2002 التي طرحوها بأنفسهم، والتي تطالب إسرائيل بقبول الدولة الفلسطينية والانسحاب من الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة.

ومع انتهاء ولاية ترامب، تشعر إسرائيل ودول الخليج العربية بالقلق بشأن ما يمكن توقعه من الإدارة الجديدة. وتستعدّ للعودة إلى السياسة التي اتبعها أوباما، بما في ذلك نزع فتيل الصراع مع إيران والتعاطف مع الفلسطينيين والتأكيد على حقوق الإنسان.

ومن الواضح أن نتنياهو ومحمد بن سلمان يشتركان في بعض المخاوف العميقة قبل رحيل ترامب، وبحسب رئيسة مركز الإمارات للسياسات في أبوظبي ابتسام الكتبي، “يريدان التأكد من أن سياسات بايدن وقراراته لن تؤثر على مصالحهما المشتركة”.

وكانت العديد من المصادر الدبلوماسية والسياسية الإسرائيلية قد قالت مرارا إن السعودية تُبدي انفتاحا تجاه التعاون مع إسرائيل في الملف الإيراني، وكذلك في مواجهة إدارة بايدن، لكنها ليست “على عجلة من أمرها” في تطبيع العلاقات معها.

ونقلت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية عن المحلل يهود يعاري إن “للسعوديين مصلحة في خلق جبهة مشتركة مع إسرائيل ضد حكومة بايدن، ولوبي مشترك، وموقف مشترك، وفرص ذلك أقوى بكثير من المرة الأخيرة التي ألقى فيها نتنياهو الخطب وقاتل بمفرده”، في إشارة إلى موقف نتنياهو الرافض للاتفاق النووي خلال فترة أوباما.

7