إسرائيل أرض ميعاد مع الفقر والتهميش

تحيي إسرائيل ذكرى تأسيسها على وقع احتجاجات لليهود الإثيوبيين الرافضة للعنصرية والتهميش، وسط توقّعات بأن تتوسّع رقعتها لتنضمّ أطياف أخرى من اليهود الذين تمّ تهجيرهم إلى “أرض الميعاد” على وعد أن يجدوا الرخاء والحياة الكريمة، لكنهم اكتشفوا أنهم على ميعاد مع الفقر والفصل العنصري والطائفي.
الثلاثاء 2015/05/05
الحملة من أجل المساواة لليهود: شوارع إسرائيل يجب أن تشتعل كما في بالتيمور

القدس – فجر اعتداء عنصرين من الشرطة الإسرائيلية على يهودي إثيوبي بزي عسكري غضب الآلاف من أبناء جلدته في إسرائيل، وسط توقّعات بأن تمتدّ شرارة الاحجاجات لتتحوّل إلى ثورة ضدّ العنصرية التي يعيشها يهود إسرئيل من غير الاشكناز، حيث يؤكّد الخبراء أنه يوجد في الداخل الإسرائيلي كل مقوّمات الانفجار الاجتماعي.

ووثقت كاميرا في أحد المنازل بمدينة حولون، وسط إسرائيل، الحادث الذي وقع في الـ26 من أبريل الماضي، في مقطع فيديو. وحسب الفيديو المتداول على نحو واسع، يظهر الجندي دامس بيكادا وهو يصل على دراجة هوائية إلى شارع أغلقته الشرطة، ويطلب أحد أفراد الشرطة من بيكادا الذي كان يرتدي زيه العسكري، الابتعاد، ولكن أمام إصراره على البقاء يقوم (الأول) بانتشاله عن مركبته الهوائية، ويتعاركان بالأيدي قبل أن يطرحه (الشرطي) أرضا، وينضم إليه شرطي آخر وينهالان عليه ضربا.

على إثر هذا الحادث، اندلعت مواجهات بين متظاهرين إثيوبيين وعناصر الشرطة الإسرائيلية، في القدس، ثم وسط “تل أبيب”، ما أسفر عن إصابة 68 شخصا، غالبيتهم من عناصر الشرطة، واعتقال 43 شخصا آخر، حسب ما أعلنته متحدثة باسم الشرطة.

ولفتت صحيفة “جروزاليم بوست” الإسرائيلية إلى أنه “في الأشهر الأخيرة ظهرت العديد من التقارير في وسائل الإعلام المحلية حول ادعاءات بمعاملة الشرطة القاسية مع الإثيوبيين الإسرائيليين الذين يقولون إنه يتم استهدافهم ظلما، وإنه يتم التعامل معهم بخشونة”.

في محاولة لامتصاص الغضب الإثيوبي، عقد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أمس الإثنين، جلسة حضرها ممثلون عن الطائفة الإثيوبية ومعهم الجندي دامس بيكادا، وفي ذات السياق، اعترف الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين بأن إسرائيل ارتكبت “أخطاء” بحق اليهود الإثيوبيين ووصف معاناتهم بـ”الجرح المفتوح”.

وقال ريفلين في بيان “لقد ارتكبنا أخطاء، لم نمعن النظر، ولم نستمع بما فيه الكفاية”. وأضاف “كشفت التظاهرات جرحا مفتوحا في قلب المجتمع الإسرائيلي (…) معاناة مجتمع يصرخ بسبب شعوره بالتمييز والعنصرية دون أن يلقى استجابة”.

لكن لا يبدو أن الأوضاع ستهدأ في الداخل الإسرائيلي، فاحتجاجات الإثيوبيين، هي تراكمات سنوات من الممارسات العنصرية ضدّ اليهود “الفلاشا”، الكنية العبرية لسلالة اليهود في إثيوبيا. ويتوقّع خبراء في الشأن الإسرائيلي أن تنضمّ جماعات أخرى من اليهود، الشرقيين والروس والأفارقة، خاصة الذين ولدوا في إسرئيل، لكن يعاملون على أساس البلاد التي جاء منها أباؤهم؛ وهو ما أكّده أحمد فؤاد أنور، خبير الشؤون الإسرائيلية بجامعة الإسكندرية، قائلا إن ما تشهده إسرائيل هذه الأيام هو حصاد تراكمات من العنف والعنصرية.

الحياة داخل إسرائيل ليست وردية كما تدّعي منظمات وجهات إسرائيلية تشجع الهجرة إلى الأراضي المحتلة

ووصلت العنصرية الإسرائيلية إلى مطالبة البعض بإطلاق الرصاص الحي عليهم مثلهم مثل الفلسطينيين، كما بدأت حملة تشكيك في يهوديتهم؛ فجزء كبير منهم لم يأت إلى إسرئيل إيمانا منه بأفكار تيودور هرتزل مؤسس “دولة” إسرائيل والصهيونية العالمية، أو لاعتقاده العميق في قصة “أرض الميعاد”.

وأوضح أنور لـ “العرب” أن اضطهاد الإثيوبيين والأفارقة، عموما، بدأ منذ أن وطأت أقدامهم إسرائيل، حيث مكثوا في معسكرات الإيواء لسنوات، كما تم حجزهم دون غيرهم للكشف عن مرضى الإيدز. وأشار فؤاد إلى أن المظاهرات مرشحة إلى مزيد من التصعيد، خاصة بعد أحداث بالتيمور الأميركية التي منحت الإثيوبيين جرأة دفعتهم إلى الانتفاضة ضد العنصرية الإسرائيلية.

وحمل المتظاهرون لافتات تندد بعنصرية الشرطة وتحمل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية، فيما نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن غادي يافاركان، قائد الحملة من أجل المساواة لليهود الإثيوبيين قوله “يبدو أن شوارع إسرائيل يجب أن تشتعل كما يفعلون في بالتيمور، من أجل أن يستفيق أحدهم أخيرا. لقد عاد نظام الفصل العرقي، وهذه المرة في القرن الـ 21 لإسرائيل”.

وشدّد يافاركان قائلا “جاء الاحتجاج بعد سنوات من الإهمال والعنصرية. جيل الشباب لدينا يشعر باليأس، وسوف يزداد الوضع سوءا إذا لم تقم الحكومة باتخاذ أي إجراءات”.

تخفي الهيمنة والغطرسة التي تتعامل بهما إسرائيل داخل الأرض المحتلة وفي سياساتها الخارجية صورة داخلية مخفية تشوهها أمراض اجتماعية وأزمات داخلية عديدة، تسعى حكومة الاحتلال إلى تجميلها بتقارير مموهة عن مستوى عيش الإسرائيليين والحياة الراقية التي يحياها “شعب” إسرائيل في “أرض الميعاد”.

لكن الحقيقة عكس ذلك، فالحياة داخل إسرائيل ليست “وردية” كما تدّعي منظمات وجهات إسرائيلية تشجّع الهجرة إلى الأراضي المحتلة، بل إن العنصرية والفقر آفتان تنخران جسد المجتمع الإسرائيلي بما يهدّد بتنامي الهجرة العكسية وعودة كثير من يهود إسرائيل إلى أوطانهم الأصلية.

إسرائيل تعتمد سياسة تمييز عنصري ممنهجة تقوم على تقسيم اليهود حسب البلد المنشأ

وينقسم المجتمع اليهودي، من الناحية الاجتماعية إلى طبقات، تتباين من حيث الأهمية والتأثير على حياتهم اليومية. وتشكل الفجوة التي تزداد عمقا بين الأغنياء والفقراء منحنى مثيرا بالنسبة إلى إسرائيل، التي تتباهى “بتطبيقها لمبادئ الاشتراكية والمساواة بين مواطنيها” وهو أمر يتضارب كثيرا مع الحقيقة الاجتماعية، فبينما يشهد كثير من الإسرائيليين تحسنا ملحوظا في حظوظهم الاقتصادية، يرزح مئات العمال اليهود، من الفلاشا ويهود اليمن واليهود الأفــارقة، تحت نير الفقـر والعــوز الاجتمـاعي.

ورجح عبدالعليم محمد، الخبير في الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، أن تكون لمظاهرات السود في الولايات المتحدة وأحداث العنف التي تشهدها مدينة بالتيمور علاقة بما تشهده إسرائيل من مظاهرات لطائفة اليهود المنحدرين من أصول إثيوبية، وأكد في تصريحات لـ “العرب”، أن إسرائيل تعتمد سياسة تمييز عنصري ممنهجة، فاليهود في إسرائيل طوائف، وكل طائفة لها معاملة خاصة.

وأوضح عبدالعليم محمد أن الاشكناز، اليهود الغربيين، لهم السيادة وكل الحقوق والامتيازات، باعتبار أنهم رواد الأسس الفكرية التي قامت عليها “دولة إسرائيل”، ويليهم السفارديم، اليهود الشرقيون وبالتحديد يهود أسبانيا وأوروبا الذين هاجروا إلى الشرق الأوسط قبل ظهور الحركة الصهيونية، وفي نهاية القائمة يأتي يهود الفلاشا، متوقعا أن تؤثر هذه العنصرية في التعامل على تماسك نسيج المجتمع الإسرائيلي على المدى الطويل.

من خلال انتفاضة الفلاشا تدخل إسرائيل دائرة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وهي ولئن نجحت في التغطية على الأحداث الاجتماعية التي اندلعت في 2011 أسوة بأحداث “الربيع العربي”، يبدو أن الوضع هذه المرة غير قابل للإخفاء، والتغطية عليه بتصعيد الملف الفسلطيني الإسرائيلي أو بالتحذيرات من خطر نووي إيران.

7