إسرائيل التي خسرناها

الثلاثاء 2015/09/22

يُعرف المرء بخصومه، فإذا انحدر قدر الخصوم انحدر قدره، وإذا علا شأن الخصم عظم شأن نده، وهنا نستشهد ببيت الشاعر شوقي البزيع من رثائه لكمال جنبلاط “مَن خاصموكَ أرادوا أن تكون لهم/ ندَّاً، ففي شخصكَ الأخصامُ قد كبروا”، وكل قرين بالمقارن يقتدي كما قال طرفة بن العبد.

ولسنا بحاجة إلى تذكير يشير إلى انحطاط أحوال العرب والمسلمين، فأغلب الإرهابيين منهم، وأعلى معدلات الجريمة عندهم، وأكثر انتهاكات حقوق الإنسان والمرأة فيهم وبرعايتهم. وزاد على ذلك مؤخرا انحدار مستوى خصومهم.

بدأت معركتنا مع الإرهاب مع جماعة الإخوان ثم تنظيم القاعدة، وهي ميليشيات تجيد صناعة الشعارات الرنانة والمتاجرة بالقضايا الكبرى كما تحترف استغلال الدين، اليوم وصلت معركة الإرهاب إلى تنظيم داعش، والغريب أن هذه العصابة ينطبق عليها وصف العصابة حرفيا، فلا هي ترفع شعارا رنانا ولا هي تتبنى قضية كبرى، وحتى المقاطع المرئية لجرائمها تواترت التقارير عن قيام شركات غربية بتصويرها، أي أنها لا تجيد أي شيء، ونحن معركتنا الكبرى للأسف مع زمرة لا تجيد شيئا، فأي كارثة هذه التي نعيشها؟

حتى العدو التاريخي، إسرائيل، هو الآخر في أزمة، فبعد جيل من القيادات التاريخية افتتحه بن غوريون، واختتمه شارون وشيمون بيريز، وصلنا إلى أتفه شخصية يمكن أن تفرزها حياة سياسية ممكنة، بنيامين نتنياهو، فرئيس الحكومة العتيد خصص ميزانية قدرها 2700 دولار سنويا لشراء البوظة المحببة إليه، الإسرائيليون اعتبروا هذا الأمر تجاوزا كبيرا، خاصة أن ميزانية البوظة لم تخضع لأي مناقصة وتم اقتطاعها من ميزانية الدولة، واستنكروا قيام رئيس الحكومة وزوجته بتناول البوظة على حساب المواطنين، الأمر الذي دفع نتنياهو إلى التراجع عن الميزانية وإلغائها، بعد أن فضحته إحدى صحف تل أبيب.

نتنياهو وزوجته اقتطعا مبلغا قدره 650 ألف دولار للترفيه عام 2011 من مبالغ الضرائب، والحقيقة أن زوجته لا تقل سخفا عنه، إذ أقامت دعوى قضائية ضدها خادمة سابقة لها لمطالبتها بتعويض مالي كبير، فسارة نتنياهو شغّلت في بيتها الخاص في قيسارية خادمة بأجر يقل عن الحد الأدنى البالغ ألف دولار، وهذا مخالف للقانون.

وكانت خلال ست سنوات تتجبر على الخادمة، وتفرض عليها مهمات غريبة، مثل “لا تناديني سارة، بل السيدة سارة نتنياهو”. وتجبرها على ارتداء أربعة فساتين مختلفة: واحد عندما تعمل في الغسيل، وآخر للمطبخ، وثالث لتنظيف البيت، ورابع لتنظيف الحمامات. وتمنعها من وضع الماكياج حتى لا توسخ السرير. كما طالبتها بأن تمتدحها قائلة إنها “ذكية وحكيمة”.

ومنعت سارة نتنياهو خادمتها من شرب المياه المعدنية لتلزمها بشرب ماء الحنفية. وأمرتها بإحضار طعامها من بيتها. وفي كل مرة تغضب منها، كانت تحاول إخافتها عبر التكشير عن أسنانها والعض على نواجذها وإخافتها. وعندما كانت تكتشف أمرا لا يعجبها، كانت تتصل بها في الثانية بعد منتصف الليل لكي توبخها. وجاء في الشكوى أيضا أن سارة نتنياهو كانت ترسل لبيت والديها مواد تنظيف من المواد التي كانت تشتريها على حساب الدولة.

الوصول إلى نتنياهو بدا متدرجا، في عام 2011، دخل الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كاتساف السجن ليقضي فيه سبعة أعوام بعد إدانته بالاغتصاب والتحرش الجنسي. وكان نواب الكنيست قد فضلوه في منصب الرئاسة على شيمون بيريز عام 2000، وبعد إثارة قضيته الجنسية ترك المنصب عام 2007 ليتولاه بيريز.

في عام 2012 تمت إدانة رئيس الحكومة السابق إيهود أولمرت في قضية فساد أجبرته على ترك رئاسة الحكومة عام 2008. وقبيل بدء حرب يوليو بين إسرائيل وحزب الله عام 2006، قام دان حالوتس رئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي ببيع أسهمه في البورصة في تصرف رخيص، وبالمناسبة لقد حاول نتنياهو تقليده ببيع استثماراته الشخصية حول حروب غزة التي لا تنتهي.

بلا شك، إن ملاحقة الفساد ومعاقبة الفاسدين، علامة صحة، لكن تسلل الفساد، مرة تلو مرة، إلى الطبقة العليا من النخبة الحاكمة مؤشر انحدار، وكأن إسرائيل التي نتشبه بها، تغولا أمنيا وتعنصرا طائفيا، أصابتها عدوى الفساد المتغلغلة في الحياة السياسية العربية، وذلك مؤشر خطير عن سوء حالنا قبل حالهم، إذ كما اتفقنا أن المرء يعرف بخصومه.

قال مأمون فندي: دائما ما يطالبنا الإسرائيليون بإنتاج “سادات” آخر لديه جرأة السباحة ضد التيار، لديه الشجاعة والمرونة ليذهب إلى القدس، ويتحدث إلى الكنيست الإسرائيلي، ويغير وجه التاريخ. ما لا ينكره التاريخ أن العرب أنتجوا ساداتهم، ولا داعي لسادات آخر من طرفهم. بعد حروب كثيرة ودماء أكثر تسيل باستمرار، فإن التحدي اليوم هو أنه جاء الدور على إسرائيل لتنتج ساداتها. سادات إسرائيلي، لديه الشجاعة والمرونة أيضا ليقول “كفى”، ويحمل نفسه إلى القاهرة أو رام الله أو أي عاصمة عربية معلنا قبوله بمبادرة السلام العربية المطروحة على الطاولة منذ قمة بيروت عام 2002. مبادرة وافق عليها كل العرب، متطرفهم ومعتدلهم، لمقايضة الأرض بالسلام الدائم. وحتى هذه اللحظة لم يظهر في إسرائيل من لديه الجرأة على قبولها. مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز ما زالت قائمة، وكل ما تحتاجه المنطقة هو أن يتحول بنيامين نتنياهو إلى سادات، فهل لدى نتنياهو القدرة على إحداث تحولات كبرى في عقله، وفي مجتمعه، ليعيش العرب والإسرائيليون في سلام؟

ويضيف فندي: يتباهى اليهود بقدراتهم الذهنية وأدبهم وفكرهم؛ فهل يستطيع هذا الفكر أن يقدم شجاعة ومرونة ضد المتوارث والمعهود، وضد سجن الخوف القابع في داخلهم، بقبول مبادرة السلام العربية كما هي، والتوقيع عليها ليس في البيت الأبيض هذه المرة، بل في عاصمة من عواصم العرب؟

ظهور سادات إسرائيلي أصبح ضرورة إقليمية اليوم وهو الحل، سادات إسرائيلي بالمعنى الكامل، وليس مجرد مظهرية زيارة القدس والجانب الإعلامي والدعائي فيها. مطلوب قبول واضح للمبادرة العربية التي طرحت في بيروت عام 2002.

منذ أواخر عهد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، يعايرنا الإسرائيليون بأنهم لا يجدون شريكا في العملية السلمية، هذا غير معايرات أخرى عن تحضّر الدولة الصهيونية وتطورها في بحر التخلف العربي، ولعلهم اليوم بحاجة إلى إعادة قراءة نظرتهم لأنفسهم قبل نظرتهم إلينا، فالقيادات التاريخية انقرضت، ولا شك بأنها تحلت بقدر عال من الإقدام والنزاهة، كما كانت مدرسة في الإجرام والعنصرية، لكن النخبة الإسرائيلية اليوم تفرغت للجرم كما أشغلتها التفاهات، وحين يتحدث رئيس الحكومة الإسرائيلية عن إسرائيل كدولة يهودية يذكرني بحديث الدواعش والإخوان والقاعدة، وغيرهم من جماعات الإرهاب، عن الدولة الإسلامية، وهذه حقائق سلبية أمام أنصار السلام من أمثالي، إذ نحن هذه المرة من لا نجد شريكا للسلام في إسرائيل.

عندما أطلق نتنياهو مؤخرا تصريحاته السخيفة والعنصرية ضد عرب 1948 مهددا أو مطالبا بترحيلهم، تذكرت على الفور كتاب شيمون بيريز “الشرق الأوسط الكبير” الصادر عام 1993، كان بيريز يرى ضرورة مزج الذكاء اليهودي مع الثروة العربية، بكل مستوياتها، لوصول المنطقة برمتها إلى السلام، ومن توصيات ثعلب السياسة الإسرائيلية لجيرانه العرب: إشاعة الديمقراطية، تمكين المرأة وبناء المجتمع المعرفي. ومن دون هذه الخطوات لن يتمكن العرب من التفاعل مع إسرائيل في سوق مشتركة.

بيريز نموذج للقيادات التاريخية الإسرائيلية نزاهة وإجراما وألمعية، ومع أمثال ذلك الجيل يحق للمرء التباهي بعدوّه مفاخرة بنفسه، فندُّه العربي شبيه به كجمال عبدالناصر وحافظ الأسد وياسر عرفات، وذاك الجيل كاد أن ينتج أكثر من سادات إسرائيلي لولا يد التطرف التي أقصت موشيه شاريت واغتالت رابين، ولولا السماء التي أنهت مشروع السلام المنفرد الذي طرحه شارون، لكننا اليوم للأسف، نرثي لحالنا ونشفق على عدونا، نتنياهو العنصري يقابله حسن نصرالله الطائفي، وبعد أن كانت المنطقة تجسد صراع إرادات ومشاريع، أصبح الصراع محصورا بين دولة الميليشيا وميليشيا الدولة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كاتب سعودي

9