إسرائيل تحمّل حزب الله مسؤولية ترنح جهود الوساطة مع لبنان

نتنياهو يخشى أن تتحول المفاوضات مع لبنان إلى مادة للتصويب عليه من قبل خصومه، على غرار ما يواجهه حاليا بشأن غزة.
السبت 2019/07/06
الكرة في الملعب اللبناني

جهود إطلاق مفاوضات لتسوية النزاع الحدودي بين إسرائيل ولبنان عادت إلى النقطة الصفر، وتغمز إسرائيل إلى وجود ضغوط من حزب الله حالت دون تحقيق تقدم، بيد أن متابعين يرون أن المسؤولية مشتركة، وأن لكلا الطرفين حسابات تتعارض وأهداف الآخر من هذه المفاوضات.

بيروت – حمّلت إسرائيل لبنان الجمعة مسؤولية فشل الوساطة الأميركية لإطلاق محادثات غير مباشرة بين الطرفين لترسيم الحدود البرية والبحرية بينهما، ملمّحة إلى دور لحزب الله التي قالت إنه يمارس ضغوطا على بيروت.

ويقوم نائب وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد بجولات مكوكية بين لبنان وإسرائيل في محاولة لإطلاق محادثات بين البلدين اللذين ما زالا في حالة حرب رسميا منذ تأسيس إسرائيل في عام 1948.

وتأتي عودة الجهود الأميركية لضخ دماء في هذا الملف استجابة لمبادرة كان طرحها الرئيس اللبناني ميشال عون في مايو الماضي، وتقضي بإطلاق مفاوضات برعاية أممية مع الجانب الإسرائيلي، لإنهاء النزاع الحدودي الذي يشكّل أحد أسباب التوتر الرئيسية بينهما، والذي يعوق الاستفادة من الثروات الطبيعية خاصة بالنسبة للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان.

وظهرت في الفترة الماضية بوادر إيجابية بشأن تحقيق تقدّم قد يفضي إلى انطلاق المفاوضات بين الطرفين خلال أسابيع قليلة، خاصة بعد إظهار إسرائيل مرونة حيال المطالب اللبنانية ومنها القبول بمفاوضات برعاية أممية، وتلازم بحث المسارين البري والبحري، وتحديد سقف زمني للمحادثات (من 6 أشهر إلى 9 أشهر).

هذه الأجواء الإيجابية سرعان ما تبخرت بزيارة ساترفيلد هذا الأسبوع إلى لبنان حاملا معه حزمة من الرسائل الإسرائيلية، كان أهمها تراجعها عن مسألة تولي الأمم المتحدة رعاية المحادثات واقتصار دورها على احتضانها في مقر القوات الأممية (اليونيفيل) في الناقورة جنوب لبنان، وأيضا رفض مناقشة النزاع ضمن سلة متكاملة (تشمل الحدود البحرية والبرية).

ويقول سياسيون لبنانيون إنه كانت هناك منذ البداية شكوك في النوايا الإسرائيلية، ويربط هؤلاء المسألة بالأزمة الداخلية وقرب الانتخابات العامة (الكنيست) المقررة في سبتمبر المقبل، حيث يخشى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تتحول تلك المفاوضات إلى مادة دسمة للتصويب عليه من قبل خصومه، على غرار ما يواجهه حاليا بشأن اتفاق التهدئة مع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة.

ويلفت مراقبون إلى أن تراجع إسرائيل نابع من إدراكها بأن لبنان في حاجة أكثر منها لحل القضية، حيث يراهن عليها للحاق بركب باقي الدول المطلّة على شرق المتوسط في استثمار الثروات الطاقية، في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها.

وتريد إسرائيل بالأساس استثمار هذه الورقة لتحقيق مكاسب سياسية كعقد اتفاق شامل شبيه بذلك الذي جرى في 17 مايو 1983، وأجهض على أيدي حركة أمل الشيعية التي يترأسها نبيه بري المشرف الرئيسي حاليا على جهود التوصل إلى حل للنزع الحدودي.

ويبدو أن لبنان وخاصة المكون الشيعي وعلى رأسه حزب الله لا يريد هكذا نوع من الاتفاقات ويصرّ على حصر المسألة في بُعدها التقني البحت، لعدة اعتبارات من بينها أن إيران من صالحها الحفاظ على حالة العداء بين الطرفين لاستثمارها في ظل استمرار تصاعد التوتر بينها والولايات المتحدة.

وعبّر وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز الجمعة عن خيبة أمله تجاه ما وصفه بتقاعس لبنان عن الاتفاق بشأن إطلاق المفاوضات.

حكومة نتنياهو غير مستعجلة لحل النزاع الحدودي
حكومة نتنياهو غير مستعجلة لحل النزاع الحدودي

وقال شتاينتز لإذاعة 102 إف.إم في تل أبيب “يريد اللبنانيون تطوير مواردهم الطبيعية بالفعل والنزاع المعلق دون حل مع إسرائيل مزعج بالنسبة لهم ولنا أيضا لكنه يزعجهم بدرجة أكبر”. لكنه أضاف أن لبنان ربما يكون في مواجهة “ضغط داخلي، فقد يكون تحت وطأة الخوف من حزب الله”.

ويملك حزب الله -الذي خاض مع إسرائيل حربين- فائضا من القوة من خلال حضوره المؤثر في الحكومة والبرلمان، إلى جانب الترسانة الضخمة من الأسلحة التي يمتلكها، ما يجعله طرفا جد مؤثر في صياغة القرار اللبناني.

وأوضح شتاينتز أن لبنان لم يرفض رسميا بعد عرض الوساطة. وأضاف “في غضون أسبوع أو عشرة أيام سنعلم بشكل نهائي إذا كانوا بصدد إجراء محادثات أم أن الأمر سيؤجل لعام أو عامين أو ثلاثة أخرى”. وكان الوزير الإسرائيلي صرّح في 19 يونيو أنه يتوقّع بدء محادثات بوساطة أميركية في غضون شهر، ولكن من الواضح أن حماسته خفتت وهو ما بدا في تصريحاته الأخيرة.

ويدور صراع بين إسرائيل ولبنان منذ سنوات على منطقة في شكل مثلث على الحدود البحرية تصل مساحتها إلى 854 كيلومترا مربعا تقع ضمن حقل غاز ضخم اكتشف شرق المتوسط في العام 2009، وتقدر مساحته بـ83 ألف كيلومتر مربع.

وتدعي إسرائيل أحقيتها في هذا المثلث الذي تم تقسيمه إلى عشر مناطق أو بلوكات. الأمر الذي يرفضه لبنان بشكل مطلق معتبرا أنه يقع في المنطقة الاقتصادية الخاصة التابعة له.

ويرنو لبنان إلى حل الأزمة الحدودية مع إسرائيل ليمضي قُدما في التنقيب بأريحية عن الغاز والنفط في المنطقة الاقتصادية التابعة له. ووقّع لبنان العام الماضي عقده الأول للتنقيب عن النفط والغاز في مياهه، بما في ذلك الجزء المتنازع عليه مع إسرائيل.

وتحالفت ثلاث شركات من عمالقة الطاقة في العالم وهي “توتال” الفرنسية و”إيني” الإيطالية و”نوفاتك” الروسية، للتنقيب في اثنين من عشرة مربعات بحرية في المنطقة الاقتصادية البحرية اللبنانية حصريا.

وستبدأ شركات التنقيب في ديسمبر المقبل العمل في المربع 4، ومن ثم المربع 9 الذي يعتبر منطقة الامتياز المتنازع عليها. وقالت “توتال” في العام الماضي إنها كانت على علم بالنزاع الحدودي على أقل من 8 بالمئة من مساحة منطقة الامتياز 9، لكنها قالت إنها ستنقب بعيدا عن ذاك المربع.

ودعا لبنان في أبريل تحالفات نفطية دولية لتقديم عطاءات للتنقيب في خمسة مربعات أخرى، بما في ذلك مربعان متاخمان للمياه الإسرائيلية. وتستخرج إسرائيل الغاز الطبيعي من قبالة سواحلها في البحر الأبيض المتوسط.

وبخصوص النزاع الحدودي البري فيتعلق أساسا بالنقاط الـ13 التي تمتدّ على مسافة 114 كلم، وهي على طول الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة والممتدّ من منطقة شبعا حتى الناقورة.

وعلى ضوء المعطيات المستجدة والوضع الإقليمي يستبعد مراقبون حصول خرق في النزاع، خاصة وأن الإدارة الأميركية مضطرة قريبا لتسليم دفة الوساطة لمسؤول جديد وهو ديفيد شنكر بعد موافقة الكونغرس على تعيين ديفيد ساترفيلد سفيرا للولايات المتحدة في أنقرة.

ويعرف عن شنكر مواقفه المؤيدة لإسرائيل، وقد يشكّل ذلك أحد العوائق في مهمة الوساطة.

للمزيد:

2