إسرائيل تشرح كيف تربح من الانقسام الفلسطيني

الإسرائيليون عندما يواصلون التذكير بما سيؤدي إليه هذا الانقسام، يراهنون على أن طرفيْ الخصومة الفلسطينية، وصلا إلى درجة من عمى الألوان لا تصلح معها المعالجة، وأن العقول بدت عاجزة عن القراءة التاريخية والإستراتيجية لما أصبح عليه حال الساحة الفلسطينية.
الأربعاء 2020/01/15
نداء لإنهاء حالة الانقسام

كأنما الإسرائيليون يتعمّدونَ في كل يوم، تذكير القيادات الفلسطينية، بأن انقسامها يفتح الباب واسعا للإجهاز على حُلم الدولة الفلسطينية المستقلة، دون أن يكون لإسرائيل ما يترتب عليها في ناظر الأمم، أي مسؤولية مباشرة عن مآل قضية من أهم وأقدم القضايا العادلة على المسرح الدولي. ويراهن الإسرائيليون عندما يواصلون التذكير بما سيؤدي إليه هذا الانقسام، على أن طرفيْ الخصومة الفلسطينية، قد وصلا إلى درجة من عمى الألوان لا تصلح معها المعالجة، وأن العقول بدت عاجزة تماما عن القراءة التاريخية والإستراتيجية لما أصبح عليه حال الساحة الفلسطينية. وبالتالي فإن التذكير يؤدي وظيفته في التمهيد للدولة العبرية، لكي تبدأ تعاملها مع أمر واقع، تمثله حالة الانقسام، وعلى النحو الذي يخدم الخط الإستراتيجي لليمين المتطرف!

فقد جاء التذكير الأخير، عبر تقرير أصدره “معهد دراسات الأمن القومي” في إسرائيل، حمل عنوان “تقديرات إستراتيجية للعام 2020” وتضمّن ثمانية فصول، كان الخامس منها يتعلق بالوضع الفلسطيني وكيفية التعامل معه. وفي ذلك الفصل من النقاط ما يؤكد مرة أخرى، على ما يشعر به كل مواطن فلسطيني بسيط، وهو أن إسرائيل هي المستفيدة إستراتيجيا من الانقسام، وأنه سيكون سببا في تضييع القضية التي بذل عشرات الألوف من الشهداء دماءهم على طريقها.

غير أن الفارق بين شعور وقناعة المواطن الفلسطيني ورؤية إسرائيل، أن الأول، في معظمه، ليس إلا نتاج الحَدسْ والأخذ بالبداهة التي يدركها الفلسطينيون بحكم تجاربهم. أما رؤية إسرائيل فإنها تقوم على شواهد وعلى وقائع سياق جار، في السياسة وفي الأمن، وفي المشهدين الإقليمي والدولي.

كتوطئة يقول التقرير في مقدمة الفصل الخامس، إن إستراتيجية إدارة الصراع التي تنتهجها إسرائيل منذ عشر سنوات، تتطلع إلى إرجاء قيام دولة فلسطينية في الضفة، لأطول مدة ممكنة، مع استمرار التعامل مع حركة حماس في غزة، ككيان مسيطر، لكنه بالمعيار الإستراتيجي ضعيف، ويمكن ردعه بطريقة غير مباشرة، تأخذ في الحسبان إبقاءه وحيدا من خلال إحباط إمكانية إجراء أي مصالحة بينه وبين قيادة السلطة في رام الله.

أما بالنسبة لهذه الأخيرة، فإن إسرائيل لا تأخذ على محمل الجِد، تهديدات بعض قادتها بحلّها. وهنا يتحدث التقرير، بصراحة، مؤكدا على قناعة إسرائيل بأن الرئيس محمود عباس يرفض العنف، وبالتالي لديه من الحرص ما يوازي حرص إسرائيل نفسها، على منع سيطرة حماس على الضفة. وفي هذه النقطة يتجاهل التقرير ما أظهرته حركة حماس من استعداد للتخلي عن المقاومة المسلحة، وربما يكون هذا التجاهل عن إدراك بأن حماس ليست مستعدة لمد حكمها إلى الضفة، حيث يتداخل عمل السلطة فيها، بعمل سلطات الاحتلال، على النحو المشهود، وهذا أمر تتحاشاه حماس لأن من شأنه الإجهاز تماما على صدقيتها التي بدأت في التآكل أمام جمهورها نفسه.

لكن المحصلة -كما يقول التقرير- أن بقاء الانقسام الفلسطيني، سيكون أكثر من كاف، لأن تفقد القضية الفلسطينية أهميتها ومركزيتها، تدريجيا، في الخطاب السائد في المنطقة.

وينوّه التقرير إلى أن إسرائيل، فعلت الشيء الكثير، لكي تتقلص الأضرار الناجمة عن غياب عباس بالوفاة أو بالتنحي، لأن الشريحة السياسية التي معه، باتت من طراز ملائم، وبالتالي فإن إسرائيل لم تعد في حاجة إلى أن تتوّج بنفسها رئيسا. فالذي يأتي سيكون من أجهزة السلطة أو من قيادة فتح الحالية، وبالتالي لا مشكلة في من يأتي!

وكان ضباط سامون وخبراء إستراتيجيون وباحثون عسكريون وعدد من كبار المحللين في مراكز البحوث، هم الذين أعدوا التقرير الذي يجزم بأن حماس أصبحت في عمق مأزقها، وباتت حائرة ومتوترة بين مسؤوليتها كسلطة في غزة، وهويتها كحركة مقاومة، وهي اليوم تضع إسرائيل بين خيارين اثنين عقيمين بالنسبة لقناعاتها ورغباتها: إما التهدئة وإما التصعيد!

لكن الخيار الأفضل والقابل للتنفيذ بخصوص حماية مصالح إسرائيل الأمنية -وفق التقرير- هو إبرام اتفاق مع حماس، بوساطة مصرية،  لوقف إطلاق نار بعيد المدى، يشمل تخفيفا للحصار وإطلاق مشاريع إعمار للبُنية التحتية. وبخصوص هذه الفقرة الأخيرة عن مشاريع الإعمار وتخفيف الحصار، تولت الصحافة الإسرائيلية تسريب أفكار وقضايا جاري التفاهم عليها بشكل غير مباشر، بين حماس وإسرائيل عبر الوسيط المصري. ولا زال التسريب جاريا جرعة جرعة، وكان آخره منذ ثلاثة أيام، من خلال الحديث عن خط غاز إسرائيلي إلى غزة!

وبخصوص إحدى أهم نقاط التعارض بين تكتيكات عباس وتكتيكات إسرائيل؛ رأت الدراسة “أن تبعات المحنة الإستراتيجية الفلسطينية ليست في صالح إسرائيل في ظل تصاعد انفجار أعمال عنف في غزة والضفة”. وهنا كما يقول الإسرائيليون لعباس: مع احترامنا لنواياك ورغبتك في إخضاع حماس من خلال خنق غزة؛ فإن تكتيكاتك قصيرة النظر ولا تلائمنا، فنحن نرى أن الساحة الفلسطينية الراهنة تتيح لنا اعتماد سياسة تتعاطى مع الانفصال السياسي والجغرافي والسكاني بين الضفة وغزة، كأمر واقع، على أن تنعم أنت ومن معك، بسلطة فلسطينية مستقلة وناجعة في الضفة” حسب تعبير الدراسة، وأن تنعم حماس في غزة بسلطة لحسابها. معنى ذلك، أن إسرائيل -حسب تأكيد التقرير- ستتخذ خطوات تسوية محدودة في القطاع، تمكن على الأقل من إرجاء النزاع المقبل، من خلال العمل على قناتين: تعزيز السلطة الفلسطينية في الضفة، كعنوان شرعي وحيد لتسوية مستقبلية، مع تحديد هدف سياسي على شكل تسوية انتقالية تنتج شروطا لكيانين فلسطينيين صغيرين، مستقبلا، وذلك بالتزامن مع اعتبار حماس عنوانا مسؤولا مؤقتا في القطاع، والحصول على هدنة بعيدة المدى مقابل تسهيلات اقتصادية واسعة.

ليس هناك أوضح من هذا التذكير. فالإسرائيليون يعلمون أن طرفي الخصومة الفلسطينية، لن يلتقيا، وإن التقيا فإن الصيغة لن تخرج عن فكرة المحاصصة التي تُبقي على الانفصال الفعلي. ثم إن الإسرائيليين، كما الفلسطينيين، يعلمون أن قيادات السلطة وحماس، لا ترغب في استعادة المؤسسات الدستورية الفلسطينية. ففي كل الاتفاقات التي وُقّعت ولم تُنفذ، حرص الطرفان على وضع مسألة استعادة المؤسسات، في ذيل البنود، علما بأن الاستعادة هي الأساس الذي يمكن البناء عليه، حتى عندما تتعثر المصالحة.

8