إسرائيل تضع مصدّات في طريق بايدن نحو إيران

العلاقة بين بنيامين نتنياهو وجو بايدن تدخل دائرة المد والجزر.
الأربعاء 2020/12/02
سيناريوهات التصعيد تنسف احتمالات التهدئة

يتضح من خلال عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة، والتي تحمل في طياتها العديد من الرسائل حول توقيتها والهدف منها، أن إسرائيل وإدارة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن القادمة تقفان على مسار تصادمي بشأن الاتفاق النووي المثير للجدل، وأن سيناريو التصعيد بين الطرفين سيزيد من تعقيدات المشهد في منطقة الشرق الأوسط.

لندن – يعتبر محللون إسرائيليون أن توقيت عملية تصفية أهم رموز البرنامج النووي الإيراني، المنسوبة للموساد، هي إشارة استباقية لرفض أي تغيير محتمل قد تقوم به الولايات المتحدة في ظل خطط الرئيس المنتخب جو بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي الموقع مع طهران في 2015 بعد أن انسحب منه الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب قبل عامين.

وسترث الإدارة الأميركية الجديدة نهاية يناير المقبل هذه المعضلة السياسية المتصاعدة وفي الحالات القصوى سيتعين عليها الاختيار بين إسرائيل وإيران. وهنا يأتي السؤال المطروح على بايدن، وهو ما إذا كانت مثل هذه الصفقة المثيرة للجدل مع إيران على غرار ما تطالب به إسرائيل، من الممكن تحقيقها؟

ويبدو إصرار إسرائيل على إفساد سياسات بايدن في هذا القضية يأتي استكمالا لخطط ظهرت مع ترامب، وكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يدعمها نظرا لوجود أوجه خلل وقصور في الاتفاق وقد أكد في أعقاب الانتخابات الأميركية أنه يعارض أي إعادة تعامل مع إيران.

جاكوب ناغل: على إدارة بايدن عدم الإسراع لطاولة التفاوض مع إيران
جاكوب ناغل: على إدارة بايدن عدم الإسراع لطاولة التفاوض مع إيران

ويرى نيري زيلبر، وهو زميل مساعد في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في تقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أنه في حين أن هناك شبه إجماع في الدوائر السياسية الإسرائيلية على سياسة نتنياهو المتشددة تجاه إيران، فإن بعض المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين السابقين يتخذون موقفا أكثر دقة.

وفي ظهور مشترك مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في القدس الشهر الماضي، ذهب نتنياهو إلى أبعد من التمسك بعدم تطوير إيران أسلحة نووية، فقد أيد حملة “الضغط الأقصى” الأميركية، بل ودافع بشدة عن قائمة بومبيو المؤلفة من 12 مطلبا لطهران.

وقال نتنياهو “نقاطك الـ12 تحدد المعيار لما تحتاج إيران أن تفعله إذا أرادت أن تعامل كدولة عادية. أولئك الذين يزعمون أن نقاطك إما غير ضرورية أو غير واقعية يريدون ببساطة منح إيران قوة ونفوذاً أكبر. إن طغاة طهران لا يستحقون هذا النفوذ”.

وهذه الاستراتيجية بما في ذلك وقف برنامج إيران النووي وتطوير الصواريخ ودعم الميليشيات في العراق وسوريا واليمن، رفضها بايدن وفريقه المفترض في السياسة الخارجية بشكل كلي، وقال إنه “لن يكون جزءا من الدفعة الدبلوماسية الجديدة” ويبدو موقفه مفهوما فهو يعتبر ما فعله ترامب كارثة.

وقد أشار كل من بايدن ووزير خارجيته الجديد، أنتوني بلينكين، إلى أن الولايات المتحدة ستنضم مجددا إلى الاتفاقية ومن المؤكد أنهم سيوفرون بعض من تخفيف العقوبات إذا استأنفت إيران الالتزام بالقيود المنصوص عليها في الاتفاقات.

ويقول زيلبر إن هذا الترتيب سيكون بمثابة أساس لمحادثات متابعة تهدف إلى “تعزيز وتمديد” بنود الاتفاق النووي وغيرها من المجالات المثيرة للقلق، حيث ينظر نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون آخرون إلى الخطوة على أنها تنصل من كل النفوذ المزعوم الذي اكتسبه خلال العامين الماضيين في عهد ترامب.

ويُعتقد على نطاق واسع في إسرائيل أن اغتيال فخري زادة الأسبوع الماضي، والذي يعتبر الأب الروحي للبرنامج النووي العسكري الإيراني، لم يكن مصادفة على الأرجح.

وقال الجنرال يوسي كوبرفاسر، ضابط سابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، للصحافيين الأحد الماضي إن “التوقيت يتعلق بالوضع الذي نشأ نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية وحقيقة أن بايدن كان جزءًا من الفريق الذي عقد الصفقة مع إيران، وقد قال خلال الحملة أنه ينوي العودة إلى الصفقة”.

وذهب مسؤول استخباراتي إلى أبعد من ذلك، حيث قال للقناة 12 الإسرائيلية السبت الماضي، إن الاغتيال يمثل “الفرصة الأخيرة لإسرائيل لتوجيه ضربة لإيران قبل تسلم بايدن منصبه والعودة للاتفاق النووي الذي سيمنح الإيرانيين الحصانة”.

ولم تكن عملية فخري زادة سوى أحدث مظهر ملموس لاستياء إسرائيل من خطة بايدن الدبلوماسية إن لم تكن محاولة صريحة لتخريبها، وانسجاما مع تحذيرات نتنياهو العلنية، لا تريد إسرائيل أن ترى أي تنازلات تُمنح لإيران.

اغتيال فخري زاده شكل ضربة موجعة للبرنامج النووي الإيراني
اغتيال فخري زاده شكل ضربة موجعة للبرنامج النووي الإيراني

وقال الجنرال المتقاعد جاكوب ناغل، مستشار الأمن القومي السابق لنتنياهو، لـ”فورين بوليسي”، “رسالتي إلى إدارة بايدن هي لا تسرعوا إلى طاولة المفاوضات مع الإيرانيين لأنهم الآن تحت الضغط. وإذا كانوا يريدون إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن الصفقة، فلا يمكن لإدارة بايدن أن تعود عما فعله ترامب ولكن على العكس، يجب على إيران أن تلتزم”.

ويشير منتقدو هذا النهج إلى أن الضغط الذي تتعرض له إيران لم يترجم إلى تغييرات سلوكية ملموسة بل على العكس تمامًا. ومنذ 2018 تضاعف مخزونها من اليورانيوم المخصب بمقدار 12 ضعفا، واستمرت أعمال تطوير الصواريخ، ودعمها للوكلاء الإقليميين في لبنان وسوريا واليمن والعراق وأماكن أخرى في الشرق الأوسط.

وقال الجنرال المتقاعد درور شالوم رئيس قسم الأبحاث في المخابرات العسكرية الإسرائيلية لصحيفة “يديعوت أحرونوت” في أكتوبر الماضي إن “إيران بعيدة كل البعد عن الركوع، وهي لم تنثن”.

وبرّر شالوم استراتيجية الضغط على إيران مسلطا الضوء على الثغرات الموجودة في الاتفاق الأصلي حين قال إن “الاتفاق النووي، رغم عيوبه، كان لديه مساحة للتأثير على قضايا أخرى ولم يثبت بعد أن الخروج منه خدم إسرائيل”.

درور شالوم: الاتفاق النووي لم يثبت بعد أن الخروج منه خدم إسرائيل
درور شالوم: الاتفاق النووي لم يثبت بعد أن الخروج منه خدم إسرائيل

ورفض المسؤولون في الحكومة الإسرائيلية ظاهريا هذا التحليل الأكثر دقة، الذي أجراه مقيِّم الاستخبارات الوطنية الخاص بهم. وقال مصدر، تحدث شريطة عدم كشف هويته، إنه “يوجد اختلاف كبير بين ين نتنياهو ومنافسه السياسي (وشريكه في الائتلاف) وزير الدفاع بيني غانتس بشأن مسألة ‘الضغط الأقصى’ على إيران”.

وأشار محللون أمنيون إسرائيليون آخرون إلى عناصر إيجابية في الاتفاق النووي، رغم اعترافهم بعيوبه. وقال عاموس يادلين رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية السابق إنه رفض التحليلين المتناقضين المحيطين بالاتفاق ولا يعتبرها أفضل اتفاقية لمنع انتشار الأسلحة تم التوصل إليها، ولم تكن شبيهة يوماً باتفاقية ميونخ ثانية، أو ربما هولوكوست ثانية، مثلما يعتقد البعض في القدس والرياض وأماكن أخرى.

لكن يادلين رئيس معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب أقرّ بفضل الاتفاق وهو تقليص زمن قدرة إيران على صناعة سلاح نووي من شهرين لعام واحد، وربما عقد من الزمن بناء على امتثالها. وقال إنه “أفضل مما كان عليه الوضع في 2015 وهذا شيء لا يمكن التقليل من شأنه باعتباره إنجازا”.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ أن تعود إدارة بايدن إلى الاتفاقية النووية الأصلية، وفق يادلين، موضحا مجموعة من المخاوف التي يجب معالجتها في أي مفاوضات جديدة، هي تطوير الصواريخ الباليستية الإيرانية وأبحاث الأسلحة النووية، إلى جانب نظام تفتيش دولي أكثر صرامة وتمديدًا لمدة 20 عاما لشروط إنهاء الصفقة.

ويجد راز زيمت، مراقب إيران السابق في الجيش الإسرائيلي، صعوبة في حل المواقف الإسرائيلية والأميركية والإيرانية التي يكاد يكون من المستحيل تجاوزها.

ويقول إن بايدن يريد العودة للاتفاق بطريقة ما ولن يوافق الإيرانيون دون تخفيف الحظر ولذلك فإن القرار الاستراتيجي في واشنطن هو ما إذا كنت ستدفع أموالاً مقابل إجبار إيران على الامتثال، أما موقف إسرائيل فهو مجرد حلم بعيد المنال، ولا يتوافق مع الواقع.

ويقر زيمت بأن نتنياهو على الأرجح “يؤمن حقًا” بأن الضغط الأقصى سيؤدي، على المدى الطويل، إلى استسلام إيران، لكن من شبه المؤكد أن المرشد الأعلى علي خامنئي لن يلين لأنه قد يعتقد أن التخلي عن كل هذه الأشياء، من البرنامج النووي والصواريخ والوكلاء الإقليميين هو تهديد للنظام أكثر من مجرد انهيار اقتصادي.

7