إسرائيل تقوم بما يجب عليها أن تفعله

ما تفعله إسرائيل يتعلق بأمنها وما تراه ضروريا لها. وإذا ما انسجم النظام السوري مع تلك الضرورة، فإن ما يجب أن تفهمه إيران أن أحدا لم يعد يرغب في بقائها العسكري في سوريا.
الأربعاء 2021/01/20
كل طرف أدرى بمصالحه في سوريا

سيكون مضحكا لو أن إسرائيل تعاملت مع المقترح الروسي الجديد بطريقة إيجابية، بعد كل الذي أنجزته على مستوى احتواء الخطر الإيراني في سوريا. وهو ما كان عليها أن تفعله دائما.

لقد سبق لروسيا أن عقدت اتفاقا مع إسرائيل يتعلق بنشاطها الجوي فوق الأراضي السورية، غير أن ذلك الاتفاق لم يتطرق إلى النشاط الجوي الإسرائيلي، الذي يدخل ضمن نطاق أمن الدولة العبرية.

وعبر السنوات العشر الماضية كانت إسرائيل تستهدف قواعد عسكرية إيرانية، إما يقوم حزب الله بإداراتها وإما تتولى الميليشيات الإيرانية والأفغانية تشغيلها. لكن في الحالين كانت الأمور تجري تحت إشراف مباشر من قبل خبراء عسكريين من الحرس الثوري.

لم تخف إيران تلك المشاركة، فالجنائز كانت تُستقبل في مدنها وفق الشعائر التقليدية التي تنسجم مع التباهي بالتضحيات وروح الفداء.

إسرائيل ليست مضطرة للاستجابة للمقترح الروسي، فكل طرف أدرى بمصالحه في سوريا البلد الذي لا يعرف أين تقع مصالحه، لا روسيا تسأله ولا إيران أو إسرائيل في حوار لا يسمع فيه أحد أحدا

عبر كل تلك السنوات كان الصمت الروسي عما يحدث مريبا. البعض فسره برغبة روسيا في التخلص من الوجود العسكري الإيراني، الذي أنجز ما كان مطلوبا منه وصار ثقيلا ومزعجا بالنسبة إلى الطرفين الروسي والسوري.

البعض الآخر اعتبره جزءا من التنسيق الإسرائيلي ــ الروسي. مقابل التحليق الحر للطيران الروسي فإن على روسيا أن تصمت على قيام إسرائيل بنفسها بالتصدي للتهديدات الإيرانية.

ما حدث في دير الزور مؤخرا قلب الموازين بالنسبة إلى المعسكر الروسي الإيراني، إذا كان لذلك المعسكر من وجود أو لنقل على الجبهة المقابلة لجبهة إسرائيل، وهي جبهة تتميز بأن أطرافها ليست على وفاق دائم.

هذه المرة استسلمت الأطراف كلها لقيادة روسية.

كان يعز على الإيرانيين أن تكلف روسيا بالمهمة، بعد أن كانوا بطريقة مستترة يهددون بالرد على الضربات الإسرائيلية، غير أن ذلك لم يعد نافعا. فالضربة كانت عنيفة ومؤثرة، أما سبل الرد المحدودة فقد اصطدمت بقرار إسرائيلي حاسم بأن رد الفعل سيكون مزلزلا وأشد عنفا مما هو متوقع.

كل هذا يمكننا أن نستشفه من تصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، حين عرض مقترحه على الإسرائيليين قائلا “إذا كانت لديكم حقائق تفيد بأن تهديدا لدولتكم ينطلق من جزء من الأراضي السورية فأبلغونا فورا بهذه الحقائق، وسنتخذ جميع الإجراءات لتحييد هذا التهديد”.

لا أعتقد أن لافروف كان جادا في مقترحه.

أولا، لأنه كان يخاطب إسرائيل وهي دولة تشعر بالخطر وتهتم بسلامة مواطنيها ولها معادلاتها الدقيقة في ما يتعلق بما ترصده، وما تتأكد من أنه يمكن أن يلحق بها الضرر، بغض النظر عن حجم ذلك الضرر.

ثانيا، لأن الأمر يتعلق بسوريا وهي أرض مفتوحة لا يملك الإيرانيون الحق في استغلالها للاقتراب من إسرائيل بما يشكل خطرا عليها.

ثالثا، لأن إيران هي الطرف الثاني وهو طرف لا يؤمن جانبه ولا يمكن أن يكون مصدر ثقة بالنسبة إلى إسرائيل. لا تتوقف إيران عن إعلان عدائها لإسرائيل بمختلف الوسائل.

غير أن وجه لافروف المتجهم لا يدفع إلى الشعور بأي نوع من المزاح. لافروف جاد لكنه هذه المرة أخطأ الهدف.

فإذا كانت الميليشيات الإيرانية مفيدة لروسيا، فإن الصواريخ التي تقوم بنقلها من إيران إلى لبنان مرورا بالأراضي العراقية والسورية تشكل خطرا على إسرائيل. فهل ستلجأ روسيا إلى تدمير تلك الصواريخ إذا أعلمتها إسرائيل؟ متى وكيف؟

من المؤكد أن لافروف توصل إلى مقترحه تحت ضغط إيراني. كان محرجا فلم يفكر بالأمر بطريقة عملية وفنية. في المقابل فإن إسرائيل تعرف ما تفعل. فهي لا تقوم إلا بما تمليه عليها ضوابطها الأمنية. وهي لا ترغب في أن تكلف روسيا بحمايتها، ما دامت طائراتها قادرة على الوصول إلى كل مكان تريد الوصول إليه. ثم مَن قال إن إسرائيل تثق بشكل مطلق بروسيا؟

الغريب أن الإيرانيين يجهلون ما إسرائيل وكيف تفكر، ولكنهم في الحقيقة يتغابون من أجل أن يخدعوا الروس والإسرائيليين معا. تلك الحقيقة التي لا تغيب عن الطرفين. ولكن لافروف حاول كعادته أن يمرر عجزه.

ما حدث في دير الزور مؤخرا قلب الموازين بالنسبة إلى المعسكر الروسي الإيراني، إذا كان لذلك المعسكر من وجود أو لنقل على الجبهة المقابلة لجبهة إسرائيل

لن تكون إسرائيل مضطرة للاستجابة للمقترح الروسي. فكل طرف أدرى بمصالحه في سوريا، البلد الذي لا يعرف أين تقع مصالحه، لا روسيا تسأله ولا إيران أو إسرائيل في حوار لا يسمع فيه أحد أحدا.

المقترح الروسي هو دليل عجز إيراني على المواجهة قامت روسيا بإشهاره، وهي تعرف جيدا أن إسرائيل لن تستجيب له.

فما تفعله إسرائيل يتعلق بأمنها وما تراه ضروريا لها. وإذا ما انسجم النظام السوري مع تلك الضرورة، فإن ما يجب أن تفهمه إيران أن أحدا لم يعد يرغب في بقائها العسكري في سوريا.

ما لم يقله لافروف هو الأهم. روسيا ستقوم بواجبها أيضا في تحييد الخطر الإيراني على إسرائيل.

9