إسرائيل صديق تاريخي لإيران

شهادات توثق تزويد إسرائيل لإيران بالأسلحة خلال الحرب العراقية الإيرانية كما تكشف عن تعاون استخباراتي بما يفضح زيف شعارات العداء الإيراني لإسرائيل.
الخميس 2020/02/20
حرب كاذبة

بغداد- تلعب قنوات الاتصال الخفية دورا أساسيا في ترتيب العلاقات الدولية والأوضاع الإقليمية. وقد يبدو الظاهر في هذه الأدوار متجها نحو أهداف معينة بينما الواقع الخفي يشير إلى غير ذلك. ينطبق هذا المنطق السياسي على العلاقات الإسرائيلية الإيرانية التاريخية والاستراتيجية، رغم ما تشير إليه شعارات العداوة المصطنعة بينهما.

توثق هذه الحقيقة عدة كتابات وشهادات مخابراتية وسياسية، منها كتاب صدر حديثا من تأليف وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو، الذي حمل عنوان “الوظيفة البريطانية”. احتوى الكتاب على معلومات موثقة وتعليقات سياسية ذات أهمية كبيرة حول عمق العلاقات الإسرائيلية الإيرانية في مختلف الميادين.

ولا تقتصر الشهادات على توثيق للمعلومات المعلنة حول تزويد إسرائيل لإيران بالأسلحة خلال الحرب العراقية الإيرانية، بل تكشف عن تعاون استخباراتي بما يفضح زيف شعارات العداء الإيراني لإسرائيل. لم يكرر سترو الروايات القديمة حول الدعم التسليحي الإسرائيلي لطهران، بل أضاف قناعاته وتحليلاته القائلة إن الدعم الإسرائيلي لإيران كان من أجل أن تحقق طهران الانتصار على نظام صدام في الحرب ولأن تل أبيب وجدت هذا النظام خطرا عليها بعد أن عبأ الشارع العربي ضدها.

جاك سترو: إسرائيل كانت المصدر الوحيد لأسلحة إيران خلال حربها ضد العراق
جاك سترو: إسرائيل كانت المصدر الوحيد لأسلحة إيران خلال حربها ضد العراق

كانت فترة الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) الأكثر فضائحية لعلاقة إسرائيل بإيران التي احتاجت في تلك الفترة إلى السلاح. ويقول وزير الخارجية البريطاني جاك سترو “عام 1982 كان وزير خارجية حكومة الظل العمالية في بريطانيا يشكو داخل مجلس العموم من أن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أبلغه بأن دولته تجهز إيران بالأسلحة وأنه رد عليه بضرورة التوقف عن فعل ذلك، إسرائيل لم تفعل”.

ويضيف “من بين أهم المعلومات التي كشفت عنها في كتابي هي أنه وخلال حرب إيران والعراق كانت إسرائيل المورد الغربي الوحيد والموثوق لأسلحة إيران. الناس لا يكادون يصدقون ذلك، أنا وثّقت الأدلة على هذه المعلومات، بالمناسبة الطرفان لم ينفيا هذه المعلومات، كما تأكد من صحتها خبراء في الولايات المتحدة”.

هذه العلاقة هي جزء من تعاون استخباري إيراني إسرائيلي، حيث قدّمت إيران المساعدة المعلوماتية لإسرائيل والتي أدت إلى نجاحها في ضرب مفاعل تموز النووي العراقي عام 1981 لمنع العراق من تطوير الطاقة النووية.

سمح الخميني بهجرة الآلاف من اليهود الإيرانيين بحسب المسؤول الإيراني الفار من إيران عام 1995 محمد زادة مقابل قطع غيار لطائرات الفانتوم. واجتمع مسؤولون إيرانيون وضباط إسرائيليون في فرنسا للتحضير لضرب المفاعل العراقي أوزيراك. وقد زوّدت طهران تل أبيب بصور وخرائط المنطقة التي يوجد فيها هذا المحوّل.

وعرضت على إسرائيل إمكانية هبوط طائراتها في تبريز عند الطوارئ. ورتّب صفقات السلاح وكذلك التعاون لضرب المفاعل العراقي الابن الأصغر لآية الله كاشاني الذي زار تل أبيب في الثمانينات، والذي رتب هجرة اليهود الإيرانيين إلى إسرائيل ضابط إسرائيلي اسمه أوري.

أقام في إيران خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية ما لا يقل عن ألف مستشار وفني إسرائيلي داخل معسكر شديد الحماية والتنظيم شمال طهران حتى نهاية تلك الحرب. ورغم أن إيران تملك عدة مؤسسات نووية شبه متكاملة، فإن الغرب وإسرائيل قد سمحا لها بوصول البرنامج النووي إلى مرحلة قريبة من الاكتمال دون اعتراض جاد وباستبعاد للعمل العسكري خلال العشر سنوات الماضية.

يقول المسؤولون الإسرائيليون إن الهدف الاستراتيجي لطهران ليس تدمير إسرائيل، وإن النقاش يجب أن يدور مع الإيرانيين حول كيفية دمجهم في منظومة الأمن الإقليمية دون التعرض لإسرائيل. يقول وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي “السؤال المطروح اليوم ليس حول تحديد متى ستصبح إيران قوة نووية وإنما حول كيفية دمجها في سياسة الاستقرار الإقليمي قبل أن تمتلك تلك القوة. إيران لا يدفعها هوس بتدمير إسرائيل، وإنما إصرارها على المحافظة على نظامها وتثبيت نفسها كقوة إقليمية استراتيجية إزاء إسرائيل والدول العربية”.

فريدريك هوف: طهران تعتبر الرياض وبعض العواصم الخليجية عدوها الأول
فريدريك هوف: طهران تعتبر الرياض وبعض العواصم الخليجية عدوها الأول

وعلى مستوى رعاية النظام الإيراني لليهود تشير المعلومات إلى أن عدد يهود إيران في إسرائيل يتجاوز “المئتي ألف شخص” يتلقون تعليماتهم الدينية من مرجعهم في إيران الحاخام الأكبر يديديا شوفط المقرب من حكام إيران. وهؤلاء لديهم نفوذ واسع في التجارة والأعمال الحرة والمقاولات العامة. كما أن لهم تأثيرا سياسيا ونفوذا كبيرا في قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي.

عام 2003، قدمت طهران للأميركيين وثيقة عبر السفير السويسري تيم غولديمان، وقّع عليها المرشد الأعلى علي خامنئي وسربها تريتا بارسي، رئيس المجلس القومي الأميركي الإيراني وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هوبكنز في كتابه “التحالف الغادر”.

تعطي الوثيقة انطباعا هاما عن التفاهمات الأميركية الإيرانية الإسرائيلية، وحيثيات اتفاق جنيف النووي. وقد عرضت طهران يومها وقف دعمها لحماس والجهاد الإسلامي، والضغط على المجموعتين لوقف العمليات ضد إسرائيل، ونزع سلاح حزب الله وتحويله إلى حزب سياسي وفتح البرنامج النووي الإيراني أمام عمليات التفتيش الدولية، والتعاون الكامل في ملف مكافحة الإرهاب وخاصة تنظيم القاعدة، والقبول بإعلان بيروت الصادر عن القمة العربية في بيروت. لكن يبدو أن الصفقة اقتصرت على التعاون في الساحة العراقية.

التفاهم الأمني بين إسرائيل وإيران مستمر، بحسب غابي سيبوني، خبير المخاطر والقائد السابق في لواء النخبة الإسرائيلي، والذي دعا إلى ضرورة فتح قنوات تفاهم أمنية والاستمرار في تعميق التعاون الأمني بين إيران وإسرائيل لمحاربة “السلفية الجهادية التي حلت محل العدو العراقي في الثمانينات”، كما أن طهران ترى أن الخطر متمثل في السعودية وبعض دول الخليج وليس في إسرائيل، وهو ما سربه السفير السابق للولايات المتحدة، فريدريك هوف، حيث قال إن مسؤولين إيرانيين قالوا له إن طهران لم تكن على صراع مع إسرائيل والولايات المتحدة إنما ترى أن عدوها الأول هو الرياض وبعض العواصم الخليجية.

6