إسرائيل صورة مجازية

الأربعاء 2015/03/25

تعدّدت الصّور المجازية التي استعملت أو ابتكرت لتوصيف “إسرائيل” والكشف عن حقيقتها ككيان وظيفيّ، وتنوّعت منطوياتها المفهومية وإيحاءاتها الدلالية بتنوُّع المنظورات التي أطلَّ من خلالها القارئون، من أفراد أو جهات أو دُول، على هذه الـ”إسرائيل” بوصفها كيانا مُصطنعا تمّ إنشاؤه في فلسطين في زمن انتقاليّ تكشَّفت فيه حاجة قوى الاستعمار العالمي إلى تبديل أقنعتها، وتغيير قفازاتها، وتعديل استراتيجياتها، وتغيير طرائق وأساليب وآليات تأبيد حضورها في العالم حفاظا على مصالحها، وتعميقا لهذه المصالح وتوسيعا لنطاقها بما يتوافق مع تغيُّر موازين القوى العالمية، ولاسيما مع توالي الإرهاصات المنبئة بانبثاق حركاتِ تحرر وطنيّ في الأعم الأغلب من بلدان قارات العالم، وضمنها بالطبع بلاد العرب، التي ظلَّت خاضعة، لقرون طويلة، لإمبراطوريات استعمارية قرّر التاريخ أن يكتب في سجلّه مواعيد أفولها.

قبل تحقق إقامة الكيان الوظيفي المُسَمَّى “إسرائيل” في قلب العالم العربي “فلسطين” بما يقرب من أربعة عقود، عمل السّاسة الغربيون القابضون على زمام الأمور في العواصم المتنفذة وذات الهيمنة على مقادير العالم، وذلك في تلاق حميم مع قادة الحركة الصهيونية الذين كانوا يُتابعون مجريات أمور العالم ويتوقعون مآلاتها الممكنة ويخططون للإفادة منها، على وضع مسألة إنشاء “إسرائيل” على رأس قائمة أساليب ووسائل وآليات تنفيذ أولويات الإستراتيجية الاستعمارية الجديدة وأهدافها المُستحدثة، فاستخدموا، لإقناع الملوك والقادة السياسيين وأصحاب القرار، تشبيها بليغا يجعل “إسرائيل” المراد إنشاؤها و”الحائط” سواء بسواء، فقد عبَّر الزّعيم العنصري الصهيوني ثيودور هرتزل في توافق تام مع قرينه العنصري الأنجلوسكسوني جوزيف تشامبرلين وزير الخارجية البريطاني، آنئذ، عن ذلك بالقول “سنقيم هناك جزءا من حائط لحماية أوروبا يكون حصنا منيعا للحضارة في وجه الهمجية”.

ولم تكن كلمة “الحائط” هي وحدها التي استخدمت للدلالة على إسرائيل، وإنما تنوَّعت الصُّور المجازية في ترادف أو تحوُّل دلاليّ ومفهوميّ لافتيْن، فهي “الرِّقعة” أو “المكان” أو “المساحة” أو “البلد” أو “الدَّولة” أو “الذِّراع” أو “الحارس” أو “الشُّرطي”، أو غير ذلك من صور مجازية متحوّلة تم استدعاؤها لفتح شهية قادة الدول الاستعمارية كي يُقْدِمُوا على عقدِ صفقة مع الحركة الصهيونية التي أشرفوا على إنشائها، بحيث يحصلون، عقبَ عقد هذه الصَّفقة التجارية السياسية الرَّابحة، على كيان وظيفيّ ينهضُ بتأدية أدوار ووظائفَ ذات أبعاد استراتيجية، ويُقدِّمُ خدمات ضرورية ذاتِ كُلفة باهظة، وذلك بثمن بخس ربما لن يُسهموا هم في دفع نصيب منه إلا ما قلّ وشحّ.

وعقب إنشائها وشروعها في أداء دورها الوظيفي كـ”حائطٍ منيع وحصين”، شرعت هذه الـ”إسرائيل” في اكتساب المزيد من الصِّور المجازية الكاشفة عن “سرِّ إنشائها”، وعن حقيقة الدَّور الوظيفي الاستعماريّ الذي أُريد لها أن تُؤَدِّيه، فمن منظور العرب وأحرار العالم ليست “إسرائيل” إلا “خنجرا” غُرسَ في قلب الوطن العربي “فلسطين”، أو “مخلب قطّ شرس” يستهدف العرب جميعا بالجراح وتشويه الوجه واحتجاز المُستقبل.

ومن منظور بعض المستوطنين اليهود، سواء كانوا قادة سياسيين أو عسكريين أو صُنَّاع رأي أو مرتزقة وأحطاب محرقة، أو من منظور بعض السَّاسة والعسكريين والمراقبين والمفكِّرين الغربيين الذين يُوصِّفون الواقع كما يرونه، ليست إسرائيل إلا “حارسا” أو “خادمة حسناء مُطيعة” أو هي، في توصيف يستعير المصطلحات المنبثقة عن تطوُّر التقانة العسكرية الحديثة، “قاعدة عسكرية” أو “حاملة طائرات” تتمركزُ في موقع استراتيجيّ هو قلبُ العالم العربي الذي يتوافر على مخزون نفطي هائل وموارد طبيعية متنوِّعة ليس لمُنْشِئِي “إسرائيل” إلى أن يتأكَّدوا، باستمرار، من استمرار هيمنتهم عليهما، وما هو أكثر.

غير أنّ الصّورة المجازية التي تفرض نفسها الآن وتستدعي التساؤل عن مآلاتها هي تلك التي اقترحها الكاتب الإسرائيلي عاموس كينان إذ شبَّه إسرائيل بـ”كلب حراسة رأسه في واشنطن وذيله في القدس”، فهل لا يزال الأمرُ على هذا النَّحو أم انقلبت الحال، فصار الذيلُ رأسا والرأسُ ذيلا، وذلك في ضوء ما سبق، أو رافق، أو أعقب، خطاب بنيامين نتنياهو الأخير أمام الكونغرس الأميركي من أمور وتطورات دالة تشي بتحولات ذات شأن ومغزى؟

كاتب وسفير فلسطين في سلوفاكيا

9