إسرائيل في عهدي الإدارة الأوبامية

الاثنين 2016/10/24

تفصلنا أسابيع قليلة عن تغير إدارة البيت الأبيض، ومجيء رئيس جديد للولايات المتحدة الأميركية، وربما تكون هذه فرصة مناسبة لمراجعة سياسة إدارة باراك أوباما في الشرق الأوسط، ولا سيما علاقتها مع إسرائيل طوال عهديها.

هكذا صادف مطلع عام 2009 تزامن صعود باراك أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة، مع صعود بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، للمرة الثانية (كانت الأولى بين 1996 و1999)، لكن هذه المصادفة لم تكن في صالح تعزيز العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، بل لعلها كانت أسوأ مرحلة شهدتها العلاقة بين رئيس أميركي ورئيس حكومة إسرائيلية، على الصعيدين الشخصي والسياسي.

وكما شهدنا فإن التوتّر في العلاقات بين الإدارتين لم يبق حبيس المكاتب، أو القنوات الدبلوماسية، إذ كان علنياً منذ البدايات، وكان يطرح في وسائل الإعلام، بل إنه وصل إلى حد استخدام كل واحد منهما نفوذه في البلد الآخر لإضعاف خصمه.

ثمة محطات كثيرة أدت إلى ذلك، فنتنياهو لم يتجاوب مع مطالب أوباما، في بداية وجوده في البيت الأبيض، بشأن وقف جزئي ومؤقت للاستيطان، لإحياء العملية التفاوضية، بل إنه فعل كل شيء عكس ذلك، مثل الإعلان، المرة تلو الأخرى، عن مخططات استيطانية. أيضاً لا ننسى أن الإدارة الأميركية، وبمعية “لجنة المبادرة العربية للسلام”، قامت في منتصف العام 2013، أي في ولاية أوباما الثانية، بدفع الفلسطينيين للذهاب نحو مفاوضات لمدة عام، وقد فشلت بسبب شروط نتنياهو المتوالية، ورفضه الإفراج عن الدفعة الأخيرة من قدامى الأسرى.

لم تقتصر الخلافات بين الطرفين على العملية التفاوضية؛ فقد شملت أيضًا الخلاف بشأن الملف النووي الإيراني، إذ أن نتنياهو آخذ إدارة أوباما على مهادنتها النظام الإيراني، معتبراً إياها تفرط في أمن إسرائيل. ومعلوم أن هذا الأمر دفعه للذهاب مباشرة إلى الكونغرس الأميركي، من وراء ظهر أوباما، للتحريض ضد المفاوضات الأميركية – الإيرانية، ولتوضيح مخاطر تملّك إيران لقدرات نووية، الأمر الذي أثار غضب الرئيس الأميركي.

الخلافات الأميركية – الإسرائيلية، ضمن ذلك الاختلاف بين أوباما ونتنياهو، يفترض ألا تحجب حقيقة مفادها أن هذه الإدارة خدمت إسرائيل أكثر من أي إدارة أخرى

بيد أن الخلافات الأميركية – الإسرائيلية، على أهميتها وخطورتها، وضمن ذلك الاختلاف بين أوباما ونتنياهو، يفترض ألا تحجب حقيقة مفادها أن هذه الإدارة خدمت إسرائيل أكثر من أي إدارة أخرى، وإن بطريقة غير مباشرة، وبالطرق السياسية، وليس بالطرق العسكرية.

قد يبدو هذا الاستنتاج، للوهلة الأولى، متناقضاً مع كل ما تقدم، وغريباً، لكن التمعّن في الكيفية التي تتصرف بها الإدارة الأميركية في المنطقة، ربما يشرح ذلك، كما أن تفحص أحوال المشرق العربي اليوم يفسر الفكرة على نحو أوضح.

والحاصل أن الإدارة الأميركية، بالسياسات التي تنتهجها في عهد أوباما، بدت وكأنها تسلم العراق لإيران، بعد انسحابها منه، بل إنها بدت كأنها تسهل على إيران توسيع نفوذها في المنطقة، من اليمن إلى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا؛ هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن هذه الإدارة تمنعت عن القيام بأي عمل لوقف تدهور الأوضاع في سوريا، بل إنها تركت النظام في هذا البلد يمعن فيه قتلاً وتدميراً. بالمحصلة فإن أميركا الأوبامية، حتى وهي تدير ظهرها للمنطقة، سهلت وصول العراق وسوريا إلى مرحلة الانفجار والخراب والتفتت المجتمعي، لا سيما مع تحول النظام فيهما إلى نوع من ميليشيا، ومع تعمق تبعيتهما لإيران، وظهور الجماعات الإسلامية المسلحة والمتطرفة مثل داعش والنصرة وأخواتهما.

وعلى الأرجح فإن هذه المآلات لم تكن خافية على صانع القرار الأميركي، من وجهة نظر المصالح الإستراتيجية الأميركية، أي أن ما عده نتنياهو، أو غيره، بمثابة تنازل أو تدعيم، لنفوذ إيران في المنطقة يمكن أن يعد نوعاً من توريط واستنزاف لإيران، فضلاً عن أن ذلك يصب في صالح زيادة الصراعات في هذه المنطقة، لإضعافها، وتفتيت قواها. هكذا ففي كل الحالات باتت إسرائيل بمثابة الرابح الأكبر من كل ما يجري، وبمثابة الدولة الأكثر استقراراً في المنطقة، ثم أن ثمة جيشين عربيين باتا بمثابة حطام من دون أن تطلق رصاصة واحدة.

طبعاً، هذا الكلام لا يفيد بأن الولايات المتحدة فعلت ما فعلته لعيون إسرائيل فقط، إذ هي فعلت ذلك باعتباره يخدم سياستها على المدى البعيد، لا سيما سياسة عدم التدخل، وترك الآخرين يتقاتلون، وفق مبدأ “دع الحرائق تحرق ذاتها”، إدراكاً منها أنه لا توجد قوة أو دولة غيرها يمكن أن تستثمر ذلك، وأن تستدعى كقوة ضبط وتحكم، في اللحظة المناسبة.

الفكرة الثانية هنا، هي أن إدارة أوباما تشتغل وفق مقولة قديمة مفادها “إنقاذ إسرائيل رغم أنفها”، على أساس أنها لا تدرك مصالحها المستقبلية، ولا المخاطر التي تنجم عن سياساتها المتعنتة، ومعارضتها المناخات الدولية، وسيطرتها على الفلسطينيين، ما يضعها أمام واحد من خيارين، إما دولة عنصرية معزولة، ما يذكر بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وإما التحول إلى دولة ثنائية القومية، وانتهاء وضعها كدولة يهودية.

واضح من ذلك أن ثمة خلافات حقيقية أميركية – إسرائيلية، ناجمة عن تغير سلم المصالح والأولويات الأميركية، وانتهاء المكانة المركزية للمنطقة في هذا السلم، وتضاؤل مكانة إسرائيل كذخر استراتيجي وتحولها إلى عبء سياسي وأمني وأخلاقي، وأن هذه الخلافات لا يمكن جسرها، على الأرجح، حتى مع مجيء إدارة أميركية جديدة، لكن هذا كله لا يمكن الاستثمار به في ظروف الخراب في المشرق العربي، وظهور إسرائيل كالدولة الأكثر استقراراً، وكالدولة التي يمكن الاعتماد عليها أكثر بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.

كاتب سياسي فلسطيني

8