إسرائيل في مأزق إقناع واشنطن بعلاقتها مع بكين

مشكلة مزدوجة أمام نتنياهو.. كيف يمكن إرضاء الولايات المتحدة وعدم خسارة الصين.
الثلاثاء 2020/06/02
لا حل سوى أميركا أولا
 

غيّر تفشي وباء كورونا في مختلف دول العالم كافة قواعد العلاقات الدولية إلى درجة أن هذه التداعيات طالت علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل بعد كل ما أظهرته الأخيرة من حماس وتوجه لنسج علاقات وثيقة مع بكين. هذه التطورات عجّلت بتدخل البيت الأبيض وبسفر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لإسرائيل ودعوتها إلى التراجع عن أي صفقة تجارية تبرم مع الصين. فصل جديد من الصراع الصيني الأميركي يجعل قادة إسرائيل في مأزق كيفية إقناع الطرفين بدفعها إلى نسج علاقات مع كليهما.

لندن –  ما زالت قضية الاستثمارات الصينية في إسرائيل تلقي بظلالها على مستقبل علاقات إسرائيل بالحليف الأول الولايات المتحدة التي تلعب كافة أوراق الضغط كي لا تخسر لاعبا مهما في منطقة الشرق الأوسط.

وبعدما نال هذا الملف حيزا هاما من محادثات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، مع مسؤولين إسرائيليين في منتصف شهر مايو الماضي، يجد قادة إسرائيل اليوم أنفسهم في موقف صعب بحيث يجب عليهم الخروج من مطب كبير قد يتسبب لهم في خسارة عمق العلاقات مع واشنطن.

وفي هذا الوقت بالذات لا يبدو أن قادة إسرائيل على استعداد لخسارة الدعم الأميركي قبيل البدء في تنفيذ سياسة ضم أراض من الضفة  الغربية، وهو الملف المدعوم أميركيا وبقوة.

جيمس دورسي: إسرائيل لا تستطيع تحمل قطع العلاقات مع واشنطن
جيمس دورسي: إسرائيل لا تستطيع تحمل قطع العلاقات مع واشنطن

تصاعد الخلافات

برزت على إثر زيارة بومبيو إلى إسرائيل حدة الخلافات بين واشنطن وبكين، حيث طالب وزير الخارجية الأميركي قادة إسرائيل بالتراجع عن إبرام صفقات تجارية كبيرة مع الصين، محذرًا من أنهم “يعرضون رغبة الولايات المتحدة في العمل مع إسرائيل، في ما أسماه المشاريع المهمة، للخطر”، في إشارة واضحة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين.

وبعدما التقى بومبيو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وكذلك شريكه في الحكومة الائتلافية بيني غانتس، لم يتأخر الرد الصيني، حيث انتقدت بكين اتهامات بومبيو لها بأنها تسعى لـ”شراء إسرائيل”.

وتقول بكين بشأن الجدل المثار حول مناقصة بناء شركة صينية، لمنشأة تحلية المياه “سوريك 2” في إسرائيل، إن المناقصة أجريت بشفافية مطلقة ووفقًا للقوانين الإسرائيلية، وبمتابعة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. وأن التعاون الإسرائيلي الصيني هو انتصار لكلا الطرفين.

بعد ذلك أخذت جل التقارير الدولية تتحدث عن تداعيات التحول الجديد في علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة. ويقول جيمس دورسي الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في مقال إن “إسرائيل كانت على علم بما سيحدث حتى قبل أن يسافر مايك بومبيو إلى تل أبيب في مايو، وكانت هذه أول رحلة خارجية يعقدها بومبيو منذ شهر مارس الماضي”.

وترديدا للتحذير الأميركي قبل عقدين من الزمان بأن التعاملات الإسرائيلية مع الصين تعرض علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة للخطر، فقد عززت زيارة بومبيو موقف إسرائيل على أعتاب الانقسام الأميركي الصيني المتزايد.

وقبل عقدين، دارت القضية حول بيع إسرائيل المحتمل لأنظمة الإنذار المبكر المحمول جواً من طراز “فالكون” الإسرائيلي، للصين. ولكن تراجعت إسرائيل عن الاتفاق بعد أن هددت الولايات المتحدة بسحب الدعم الأميركي عن الدولة اليهودية.

ويقول دورسي “لكن قضية هذا الشهر كانت تتعلق بمحاولة الصين بناء أكبر محطة لتحلية المياه في العالم في إسرائيل، ومن ثمة فإنه تلوح في الأفق معركة أميركية صينية أكبر، من أجل فرض الهيمنة في موانئ شرق البحر المتوسط”.

وخلال أيام من زيارته، حقق بومبيو هدفه المرتبط بالصين، حتى ولو كان التركيز الرئيسي لمحادثاته مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو خطط إيران وإسرائيل لضم أجزاء من الضفة الغربية، التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967.

وعبرت إسرائيل عن فهمها لرسالة وزير الخارجية من خلال منحها عقد محطة تحلية “سوريك 2” لشركة إسرائيلية بدلاً من شركة صينية. ولكن لم تكن هذه المناقصة سوى قطرة من غيث.

وإذا كان هناك شيء واحد لا تستطيع إسرائيل تحمله، فهو قطع علاقاتها مع الولايات المتحدة في هذا الوقت الحرج الذي تشكّل فيه الولايات المتحدة القوة الوحيدة الداعمة لخطط الضم الإسرائيلية في الضفة الغربية.

يتساءل جيمس دورسي، هل تستطيع إسرائيل أن تطور صيغة تقنع من خلالها الولايات المتحدة بأن المصالح الأميركية ستحدد التعاملات الإسرائيلية مع الصين، وأن تطمئن الصين إلى أنها لا تزال تستطيع الاستفادة من الأصول الإسرائيلية داخل تلك الحدود؟

وقالت كاريس ويت، المديرة التنفيذية لمؤسسة “سيغنال” التي تسعى إلى تعزيز العلاقات الإسرائيلية الصينية “في الوقت الحالي، ومن دون اتخاذ الخطوات الصحيحة، نقف في موضع تخبرنا فيه الولايات المتحدة بأننا بحاجة إلى قطع أو تقييد علاقاتنا مع الصين. تكمن المشكلة في أن إسرائيل تريد حرية العلاقات مع الصين، لكنها لا تظهر أنها تتفهم مخاوف الولايات المتحدة”. كانت “سوريك 2″ تجربة جيدة وأظهرنا من خلالها للأميركيين أننا نفهم رسالتهم جيداً”.

أزمة مزدوجة

هل يضحي نتنياهو بعلاقته الوثيقة بواشنطن
هل يضحي نتنياهو بعلاقته الوثيقة بواشنطن

يعتقد المحللون، بمن فيهم ويت، أن هناك جانبًا مضيئاً في رفض إسرائيل منح محطة تحلية المياه لشركة صينية، مما سيسمح لها بتوجيه مسار وسط بين الولايات المتحدة والصين.

وتقول ويت “تدرك الصين أنه من خلال الانصياع للأميركيين، يمكن أن تستمر العلاقات الصينية الإسرائيلية. هذا يمنحهم متنفساً”. لكن الأمر متروك لإسرائيل من أجل تطوير معايير وسياسات تلائم الولايات المتحدة وتوضح في نفس الوقت للصين ما يمكن لإسرائيل فعله وما لا يمكنها فعله.

وقالت ويت “لكي تحصل إسرائيل على ما تريده، ستحتاج إلى أن تُظهر للأميركيين أنها تأخذ التصورات الإستراتيجية لواشنطن في الاعتبار، وليس ذلك فحسب، بل يجب عليها أن تُظهر أنها تستبق الخطوات الأميركية بشأن التفكير الإستراتيجي في ما يتعلق بالصين. لكن السؤال هنا هو كيف؟”. ومن المقرر أن تتولى الصين العام المقبل إدارة ميناء حيفا حيث قامت بالفعل ببناء رصيفها الخاص، وتقوم ببناء ميناء جديد في مدينة أشدود الإسرائيلية.

وتتمثل إحدى طرق محاولة معالجة المخاوف الأميركية في إدراج شركات التكنولوجيا التي تم إنشاؤها تحت ضغط أميركي في أعقاب صفقة حيفا لمراجعة الاستثمار الأجنبي في إسرائيل. سوف تبني هذه الشركات ضمانة ضد منح الصين إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا المزدوجة للاستخدام العسكري المدني.ومع ذلك، قد لا يكون ذلك كافياً لحماية إسرائيل من الضغط الأميركي المتزايد للحد من تدخل الصين في الموانئ الإسرائيلية.

ولا يمكن تجاهل أوجه التشابه بين محطة التحلية والميناء، حيث تقول ويت “لا يمكن أن تكون لدينا فجوة أخرى في البنية التحتية”. سيعزّز الميناءان الإسرائيليان ثروة الصين التي تهدف إلى فرض هيمنتها في منطقة شرق البحر المتوسط، لاسيما وأنها تدير بالفعل ميناء بيريوس اليوناني.

اللعب على التناقضات
اللعب على التناقضات

وتسعى شركة “تشاينا هاربور إنجنيرنغ” إلى تحديث ميناء طرابلس في لبنان للسماح له باستيعاب السفن الكبيرة. وقد باعت شركة “كينغداو هيكسي هيفي ديوتي ماشينري” لميناء طرابلس رافعات حاويات سعة 28 طابقًا قادرة على رفع ونقل أكثر من 700 حاوية يوميًا، في حين رست سفينة حاويات تابعة لشركة الشحن الصينية الحكومية “كوسكو” في طرابلس في ديسمبر 2018، مما ساعد على افتتاح خط بحري جديد بين الصين والبحر المتوسط.

كما تتطلع شركات البناء الصينية الكبرى إلى بناء خط سكة حديد يربط بيروت وطرابلس في لبنان بحمص وحلب في سوريا. واقترحت الصين كذلك أن تصبح طرابلس منطقة اقتصادية خاصة ضمن مبادرة الحزام والطريق وأن تعمل كنقطة شحن مهمة بين جمهورية الصين الشعبية وأوروبا.

وتعد مبادرة الحزام والطريق بنية تحتية ضخمة، وشبكة اتصالات واسعة تعمل على ربط الكتلة الأوراسية بالصين. ومن المحتمل أن تتيح المشاركة الصينية المحتملة في إعادة إعمار سوريا ما بعد الحرب وصولها إلى موانئ اللاذقية وطرطوس.

وبالنظر إلى هذه الأهداف مجتمعة، نجد أن الصين تتطلع إلى السيطرة على منطقة  شرق البحر المتوسط عن طريق إدارتها لستة موانئ في أربع دول، هي إسرائيل واليونان ولبنان وسوريا، من شأنها أن تخلق بديلاً لقناة السويس.

6