إسرائيل في معركة مفتوحة على التمدد الإيراني في سوريا

الحرس الثوري يشرف على تطوير ترسانة سلاح في قواعد ومراكز أبحاث تحت الأراضي السورية.
الجمعة 2021/04/23
التفوق لمن يسيطر على الأجواء

تعكس الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا أن تل أبيب دخلت مرحلة متقدمة من توسيع ضرباتها الجوية على مراكز إيرانية لإنتاج الصواريخ والأسلحة لصد التمدد العسكري المستتر لطهران في الشرق الأوسط. ومع أن الضربات الصاروخية نجحت في إبطاء التحصينات السرية الإيرانية لنشاطها المشبوه، إلا أن خبراء عسكريين يرون أن أمام إسرائيل شوطا طويلا للقضاء على الخطر القريب من حدودها رغم أن التفوّق الجوّي هو الذي سيحدد المنتصر في هذه المواجهة.

عمان - تعمل إيران على الاستفادة من تحالفها القديم مع سوريا بنقل عناصر من صناعة الصواريخ والأسلحة المتقدمة لديها إلى مجمعات أقيمت سلفا تحت الأرض، وذلك لتطوير ترسانة من الأسلحة المتطورة يصل مداها إلى المراكز العمرانية الإسرائيلية.

وكانت إسرائيل قد غضت الطرف من قبل عن دخول الآلاف من المقاتلين من ميليشيات إيرانية من لبنان والعراق وأفغانستان إلى سوريا، للقتال في صف الرئيس بشار الأسد ضد المعارضة التي سعت للإطاحة بحكم عائلته الاستبدادي.

ويتمثل التدخل الإسرائيلي الوحيد في الصراع السوري في السابق في ضربات جوية متفرقة، لتدمير شحنات أسلحة متجهة إلى جماعة حزب الله اللبنانية، ومنع الميليشيات من إقامة قواعد في جنوب غرب سوريا قرب الأراضي الإسرائيلية.

وبعد أن قضى الأسد تقريبا على الانتفاضة بمساعدة من القوات الإيرانية والروسية، اتجهت إسرائيل لاستهداف الاختراق الإيراني للبنية التحتية العسكرية في سوريا، وقد تجلى ذلك في استهدافها الخميس منطقة الضمير على المشارف الشمالية الشرقية للعاصمة دمشق التي سبق أن هاجمتها مرارا، إذ توجد شبهات بأن لميليشيات تدعمها إيران وجودا قويا فيها.

ضرب الأهداف الاستراتيجية

يوسي كوبرفاسر: نريد منع إيران من تحويل سوريا إلى قاعدة لها قريبة من إسرائيل
يوسي كوبرفاسر: نريد منع إيران من تحويل سوريا إلى قاعدة لها قريبة من إسرائيل

ترى إسرائيل في إيران خطرا على وجودها، وقد سعت للحدّ من مسعى إيران لتوسيع نفوذها الإقليمي بمزيج من العمليات العسكرية والسرية، بما في ذلك ما تقول طهران إنها هجمات تخريبية على برنامجها النووي.

وعلى رأس قائمة الأهداف الإسرائيلية أيّ بنية تحتية يمكن أن تعزز مساعي إيران لإنتاج المزيد من الصواريخ دقيقة التوجيه، التي يمكن أن تضعف التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة وليس أيّ إمكانيات عسكرية قائمة مرتبطة بإيران.

ويعتبر تطوير الصواريخ دقيقة التوجيه سرا في سوريا نشاطا أقل عرضة للهجمات الإسرائيلية من نقلها عن طريق البر أو الجو من إيران. ولا يعتقد يوسي كوبرفاسر المدير العام السابق لوزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، أن إسرائيل مهتمة بضرب كل هدف يخص القوات التي تعمل تحت قيادة إيرانية، فهذه ليست المشكلة.

وقال كوبرفاسر الرئيس السابق لجناح الأبحاث في المخابرات العسكرية الإسرائيلية لوكالة رويترز “نحن نحاول ضرب الأهداف ذات الأثر الاستراتيجي.. نريد منع إيران من تحويل سوريا إلى قاعدة لها قريبة من إسرائيل ربما تحدث تغييرا استراتيجيا جذريا في الوضع، ولهذا السبب نواصل دك القواعد الإيرانية حتى لا تسيطر إيران على البلد”.

ولا تنكر طهران أنها تلعب دورا في إعادة بناء البنية التحتية، التي دمرتها الحرب في سوريا من مشاريع البناء إلى شبكات الكهرباء. لكن مصادر إيرانية تنفي تدخل إيران في ما يفعله نظام الأسد، بخصوص الأيدي العاملة الإيرانية التي يتم إرسالها إلى سوريا.

وسبق أن قالت إيران إن لها مستشارين عسكريين في سوريا لمساعدة قوات الأسد، وإنها ستواصل سياسة “مقاومة” القوة الأميركية والإسرائيلية في الشرق الأوسط عموما.

دك الاستحكامات الحصينة

مهمات سلاح الجو خلال ثلاث سنوات

  • 4239 عدد الأسلحة التي تم استخدامها في تنفيذ العمليات الجوية
  • 955 هدفا إيرانيا في سوريا قام سلاح الجو بضربه بالصواريخ
  • 70 في المئة من الطيارين الإسرائيليين شاركوا في العمليات بمشاركة مقاتلات أف - 35 

 مجلة جينز المتخصصة في شؤون الدفاع  

أصابت طائرات حربية وصواريخ وطائرات مسيرة إسرائيلية خلال العام الماضي، مجموعة أكبر كثيرا من الأهداف مما هاجمته إسرائيل في السنوات الخمس السابقة، من مواقع يشتبه بأنها مراكز لأبحاث وإنتاج الصواريخ الإيرانية دقيقة التوجيه إلى مستودعات تخزين السلاح.

وكان أفيف كوخافي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي قال في ديسمبر الماضي، إن أكثر من 500 ضربة صاروخية إسرائيلية في 2020 وحده “أبطأت التمدد الإيراني في سوريا، لكن لا يزال أمامنا شوط طويل لكي نصل إلى أهدافنا في هذه الساحة”.

وأشار محللون بمجلة جينز المتخصصة في شؤون الدفاع إلى أن إسرائيل استخدمت خلال ثلاث سنوات 4239 سلاحا لاستهداف 955 هدفا، وشارك في الحملة 70 في المئة من الطيارين الإسرائيليين، وتصدرتها مقاتلات أف- 35 آي أدير بالعشرات من المهام.

وتأكيدا على ذلك، ذكر العميد أحمد رحال الذي انشق على الجيش السوري أن شهورا من الضربات المؤلمة لم تقتصر على هضبة الجولان أو جنوب سوريا أو مشارف دمشق، بل وصلت شمالا إلى حلب وحماة والبوكمال على الحدود العراقية.

لكن بعض المجمعات تحت الأرض تمتد عشرة كيلومترات الأمر الذي يجعل من الصعب اختراقها بالكامل حتى على القنابل الإسرائيلية المخصصة لدك الاستحكامات والموجهة بالأقمار الصناعية زنة 500 رطل.

ويؤكد مصدر عسكري سري عمل لسنوات في واحد من هذه المجمعات “هذه تحصينات تحت الأرض لا يمكن أن تصل إليها إسرائيل. أنفاق ربما تعرف أين تبدأ لكنها لا تعرف ما تؤدي إليه”. وأضاف “هناك مخازن محفورة في الجبال ومجهزة لمقاومة حتى قنابل دك الاستحكامات الحصينة”.

وتشير صور الأقمار الاصطناعية إلى أن بعض الأنشطة، التي يشتبه بأنها إيرانية للأبحاث والتطوير عانت من اضطراب بسبب هجمات متكررة، بينما تقول مصادر مطلعة إن خمسة مواقع على الأقل تصوب إسرائيل أنظارها عليها يديرها مركز البحوث والدراسات العلمية التابع لمجمع الصناعات العسكرية السوري.

ودمرت قنابل إسرائيلية بالكامل قطاعات تحت الأرض من قاعدة الإمام علي العسكرية بالقرب من معبر البوكمال مع العراق في يناير الماضي في واحدة من عدة هجمات على مدار العام الماضي، لدك أنفاق تستخدم في تخزين شاحنات أو نقل أنظمة أسلحة متقدمة.

Thumbnail

ويلفت أقارب لاثنين من العاملين وضابط بالجيش السوري يعمل بالمشروع، إلى أن العشرات من العلماء والمهندسين الإيرانيين من عدة شركات منتسبة لوزارة الدفاع الإيرانية يعملون في هذه المواقع الخاصة بالبحث والتطوير.

وقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 271 من العاملين في المركز وأغلبهم من السوريين، اعتقادا منها بأن المركز مسؤول عن تطوير أسلحة غير تقليدية بما في ذلك الغازات السامة ونظم توصيلها لأهدافها.

وتعرض مركز للبحث والتطوير العسكري في مجمع جبلي بالقرب من مدينة مصياف غرب سوريا للقصف الإسرائيلي مرتين خلال ستة أشهر، كما أنه على قائمة للعقوبات الأميركية بسبب ما يشتبه بأن له دورا في تطوير الأسلحة الكيمياوية.

أفيف كوخافي: لا يزال أمامنا شوط طويل لكي نصل إلى أهدافنا الاستراتيجية
أفيف كوخافي: لا يزال أمامنا شوط طويل لكي نصل إلى أهدافنا الاستراتيجية

ويؤكد إسماعيل أيوب الضابط السابق برتبة مقدم بسلاح الطيران السوري، الذي فر إلى الأردن عام 2012 ولا يزال على اتصال بزملائه في سلاح الجو، أنهم “يعدّلون ويطورون صواريخ إيرانية دقيقة التوجيه وترسانة حزب الله في سوريا بتلك المواقع”.

وفي علامة على القلق الإيراني من الحملة الإسرائيلية المتصاعدة، قال ضابط بالجيش السوري تم إطلاعه على الزيارة، أن رئيس الأركان الإيراني محمد باقري زار مركز السفيرة للبحوث والتطوير في محافظة حلب في يوليو الماضي بعد ضربة جوية إسرائيلية استهدفت المركز.

دعم الضربات الأميركية

دعما للحملة الإسرائيلية نفذت الولايات المتحدة في فبراير الماضي ضربات جوية على مواقع فصائل شيعية تدعمها إيران في أقصى شرق سوريا على الحدود مع العراق، في أعقاب إطلاق وابل من الصواريخ على قواعد أميركية في العراق.

ودفعت الحرب الجوية الإسرائيلية الآخذة في الاتساع الميليشيات المدعومة من إيران إلى إعادة الانتشار من مواقع متقدمة قرب حدود سوريا الجنوبية الغربية مع إسرائيل باتجاه الحدود الشرقية.

ورصد سكان دير الزور شرق سوريا العشرات من منصات إطلاق الصواريخ الوهمية والثكنات المهجورة التي ترتفع عليها الآن رايات ميليشيات إيرانية تنتشر على الطرق الرئيسية في محاولة لصرف انتباه إسرائيل عن الأهداف الحقيقية.

وتؤكد الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) أن فيلق القدس، وحدة العمليات الخاصة التابعة للحرس الثوري خارج الأراضي الإيرانية، دعم وجوده منذ يناير الماضي حول البوكمال على جانبي طريق لقوافل الأسلحة الثقيلة القادمة من العراق.

وثمة اقتناع بين المسؤولين الإسرائيليين والغربيين بأنه لو لم تصعد إسرائيل حملتها الجوية، لكانت إيران قد اقتطعت لنفسها قاعدة استراتيجية على مقربة من إسرائيل. وقال كوبرفاسر “لو لم تتدخل (إسرائيل) لكان الوضع أسوأ عشر مرات. والإيرانيون يدفعون ثمنا متواصلا بالأسلحة الكثيرة التي يتم تدميرها. وبالطبع لهذا أثر على أنشطتها لكنه لا يحل المشكلة. فإيران مصممة على البقاء في سوريا”.

6