إسرائيل قبلت الهدية شاكرة

الأربعاء 2014/03/26

عندما صدر وعد بلفور عام 1917 كان الهدف منه توفير وطن لليهود المشردين في العالم. ثم قامت دولة إسرائيل عام 1948. ومنذ ذلك التاريخ والميديا اليهودية العالمية المحترفة تغسل أدمغة الرأي العام بأن إسرائيل مضطهدة، وتعيش وسط وحوش متربصين بها. من ثم اقتنع العالم بأن هذا الكيان الغاصب الغريب عن الجسد الذي زرعوه فيه لابد أن يحظى بأكبر قدر ممكن من المساعدات المادية والعسكرية بل والنووية ليستطيع مواجهة الأخطار المحتملة.

لكن لم يدر بخلد أحد منا أننا سنقدم لإسرائيل بعد 60 عاماً من قيامها أفضل هدية. فهي الآن مع حكومة نتانياهو الليكودية آمنة مطمئنة حيث تراجعت التهديدات ضدها بسببنا نحن العرب الذين ظللنا عقوداً نهجوها ونرفض وجودها ونزعم أنها “مزعومة”، وتذرعنا بإعداد العدة لمواجهتها، وكان هذا مبرراً لإحكام القبضة على شعوبنا. ببساطة لقد نسينا العدو. فدولنا تتآكل وجيوشنا غارقة في الدم.

فالجيش العراقي يقاتل في الأنبار، والسنة يتعاملون معه بوصفه جيشاً للشيعة. هذا الشعور المعلن أو المضمر هو الذي يسهل للمجموعات الإرهابية العودة إلى بعض المناطق بعد إخراجها منها. ما كان تنظيم “القاعدة” ليعثر على موطئ قدم في مصر والعراق أو في غيرهما، لو لم تكن الوحدة الوطنية مريضة.

غاب الحديث تماماً عن “الجبهة الشرقية” التي كانت تقلق إسرائيل. صحيح أن العراق ينام على النفط، لكن كل شيء يوحي أنه سيبقى دولة ضعيفة على المدى المنظور. انظر إلى سوريا. ها هي تسلم ترسانتها الكيمائية التي كانت تقلق الدولة العبرية. وحيث تشن الطائرات الإٍسرائيلية غارات على مخازن صواريخ على الأرض من دون أي شعور بالقلق.

الجيش السوري غارق في حرب داخلية وترسانته تصب حممها على مدن وقرى سورية، حتى ولو قال إنه يحارب المقاتلين الجوالين. يتعرض الجيش السوري لاستنزاف قاتل. وهذا ما يفسر اضطراره إلى الاستعانة بميليشيات عراقية ولبنانية. إنه أكثر حاجة إلى روسيا وإيران منه في أي وقت سابق. إنه يرابط على جزء من الأرض السورية. كل شيء يوحي أن المذبحة في سوريا مفتوحة على مصراعيها، وأن الحل سيكون في النهاية دولة ضعيفة يتم توزيع قرارها على المكونات بعد إعطائها حق تبادل الفيتو. الجيش اللبناني لا يشكل أصلاً مصدر قلق لإسرائيل بسبب تواضع قدراته، ثم إنه منهمك في مهمات داخلية لاحتواء التفجيرات المتنقلة.

وجهوده تتركز اليوم على ضبط السيارات المفخخة واتقاء هجمات الانتحاريين. “حزب الله” منخرط في النزاع السوري، مما فرض عليه تبديلاً في أولوياته.

ليس بسيطاً أن يكون مطلب نصف اللبنانيين، على الأقل، تغييب ثلاثية “الشعب والجيش والمقاومة” من البيان الوزاري للحكومة الجديدة. ومع اضطراب العمق السوري وتصاعد الانقسام اللبناني سيصبح من الصعب على الحزب إطلاق حرب ضد إسرائيل، وربما القدرة على احتواء حرب تشنها عليه.

حركة «حماس» الّإسلامية في وضع شديــد الصعوبــة. حيث فضلت مغادرة سوريا على الوقوف إلى جانب النظام. واعتقدت أن مصر “الإخوانيــة” يمكن أن تشكل تعويـضاً كافيــاً. خسرت دمشق وصارت منبوذة بها. ثم خسرت القاهرة وصارت متهمة فيــها.

أنقذ الجيش المصري نفسه من مخاطر التذويب. لكنه يقاتل الآن في سيناء ومستهدف في أماكن أخرى. معركة فرض الاستقرار ستكون مكلفة وطويلة. وانفجار طابا الأخير يؤكد ضراوة هذه المعركة وصعوبتها. تحتاج مصر إلى خطة إنقاذ اقتصادية وسنوات من الاستقرار، لتتمكن فعلاً من استعادة دورها. يصعب الاعتقاد أن روسيا ستزود الجيش المصري بما يمكن أن يشكل خللاً في التوازنات مع إسرائيل. ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد أن القلق من الحدود مع ليبيا قد يتقدم في المرحلة المقبلة على القلق من الحدود مع إسرائيل.

انتكاس التعايش في أكثر من دولـة عربية، وتفاقم النزاع الشيعي- السني، والدعوات إلى إقامة “إمارات إسلاميــة” كلها عوامل ستستغلها إسرائيل لتصعيــد مطالبــتها بالاعتراف بها دولــة يهوديــة.

المشهد مؤلم فعلاً. إسرائيل في أفضل أحوالها. تحقق انتصارات من دون أية تكاليف. ربما تكون قد ربحت عقداً من الطمأنينة أو أكثر. تستقبل العواصم العربيــة الجثث الوافدة من الحروب الأهليــة والدول المتصدعة. تتآكل الدول وتتراكم الخسائر البشرية والاقتصادية، فيما تلتهم المستوطنات الاسرائيلية مزيداً من الأراضي الفلسطينية ويسمع أهل المنطقة معزوفة “جاء كيري وذهب كيري”. لقد قدم العرب أفضل هدية لإسرائيل منذ قيامها، وطبيعي أن تتقبلها شاكرة.


كاتب صحفي مصري

9