إسرائيل هاجس أمني للدولة المصرية

مهما بلغت طبيعة التحديات الإقليمية تبقى إسرائيل في التفكير الاستراتيجي أحد التهديدات، وليست كلها، التي تواجه الأمن القومي المصري وهي عقيدة لم تتغير على مدار عقود.
الأربعاء 2020/09/23
ضبط الهاجس الأمني يمهد الطريق أمام مصر للتقدم خطوة على المسار السياسي

راجت بورصة الحديث عن إسرائيل في دوائر عربية كثيرة، وتشعبت التقديرات إلى مناح عديدة، بعد توقيع كل من الإمارات والبحرين معاهدتي سلام معها أخيرا. صعدت وهبطت المناقشات حولهما، وتأثرت غالبية النتائج بالموافقة المسبقة للمتحاورين، والحسابات السياسية التي ينطلقون منها.

ثمنت فئة مصرية الخطوة ورأت أنها تتسق مع التطورات المتسارعة وتوازنات القوى في المنطقة، ورفضتها فئة أخرى لاعتبارات قومية تتعلق بالنظرة التاريخية للقضية الفلسطينية وآليات تحرير الأرض، وظهرت فئة ثالثة تبنت موقفا وسطا، على طريقة “نعم ولكن الشهيرة” في مصر، وهي عبارة تحمل تأويلات مطاطة.

طفت على السطح حوارات لتقييم تجربة مصر في السلام مع إسرائيل وما فعله التطبيع الرسمي بالمواطنين، خاصة أن القيادة السياسية للدولة رحبت بوضوح بخطوتي الإمارات والبحرين، ورأت فيهما دعما للأمن والسلام والاستقرار.

قد يكون الخطاب السياسي المعلن له دواع دبلوماسية، غير أن رصد الواقع يكشف الحقيقة بلا مواربة. فمصر تتعامل مع إسرائيل كمصدر تهديد أمني، ولديها أهداف توسعية في المنطقة، بدليل أن اتفاقية السلام التي وقعّت منذ أربعة عقود جاءت بعد سنوات مضنية من الحروب العسكرية.

احتلت نصوص الملف الأمني مساحة كبيرة من الأخذ والرد قبيل التوقيع على معاهدة السلام، ولا يزال الحديث متواصلا حول وجود بنود سرية أمنية، لم تعلن حتى الآن.

مصر

انصب جزء معتبر من المناقشات على هذا البعد، الذي شهد تعاونا أكثر من غيره، وأصبح أحد التجليات المصيرية في العلاقات بين الطرفين، وراجت حوله تصورات وتكهنات وتخمينات، اختلطت فيها الحقيقة بالخرافة.

لم تنه معاهدة السلام السباق الضمني في مجال التسلح بين مصر وإسرائيل، ولم توقف السعي نحو الحصول على أحدث أنواع المعدات، لتحاشي الخلل الفاضح بالنسبة للأولى، وضمان التفوق النسبي بالنسبة للثانية.

من يرصد التطورات العسكرية يجد حرصا أميركيا للحفاظ على عُلو باع إسرائيل، مقارنة بالدول المجاورة مجتمعة. كما تولدت رغبة جديدة لدى مصر في إحداث توازن مقبول أو تفوق في هذا المضمار، وبات جيشها من أهم الجيوش في المنطقة والعالم.

تجاوزت عملية التطوير فكرة الاستهداف المستتر من قبل إسرائيل في السنوات الأخيرة، بعد ظهور تحولات فرضت امتلاك قوة نوعية لمواجهة التحديات، فلم تعد إسرائيل مصدر الخطر الرئيسي، ولم يعد امتلاك القوة ينحصر في التحسب من نشوب حرب معها، بعد أن ظلت حوالي سبعين عاما مصدر التهديد الوحيد.

أضيفت تركيا كمصدر مزعج للأمن القومي، وظهرت مجموعة من المصالح الاقتصادية احتاجت قوة كبيرة لتأمينها والدفاع عنها، في شرق المتوسط، وجنوب البحر الأحمر. وامتلكت مصر أدوات ردع لكل الخصوم المحتملين، أو من يفكرون في الاعتداء، وفرضت أزمة المياه مع إثيوبيا عدم استبعاد التعامل معها بخشونة.

تنوع مصادر التهديد شمل الأذرع الموالية لإيران في المنطقة. وثمة سوابق لتدخلات حدثت بالفعل من جانب عناصر تابعة لحزب الله اللبناني للعبث بالأمن المصري.

وبرز المتمردون الحوثيون المدعومون من طهران كقوة مسلحة في اليمن تتجاوز تأثيراتها محيطه الجغرافي، ما يرخي بظلال قاتمة على مصالح حيوية للقاهرة من جهة المدخل الجنوبي لقناة السويس.

زاد على ذلك تصاعد حدة الحرب على الإرهاب، والخيوط المشتركة بين ما يجري داخل مصر وخارجها، وسعي جهات للاستفادة من المتشددين للضغط على القاهرة.

أسهمت هذه المحددات بدور كبير في كسر حلقة الصراع العسكري الخفي بين مصر وإسرائيل، وأوجبت التنسيق بينهما أحيانا، مع تضخم دور الإرهابيين في سيناء.

استغلت القاهرة التطور في الدفع بكثير من المعدات العسكرية إلى سيناء وغيرت جانبا كبيرا من المعالم الأمنية التي انطوت عليها اتفاقية السلام بشأن القوات المتفق على وجودها في المنطقة "ج"، القريبة من إسرائيل، حيث دخلتها قوات مصرية لم يكن من مسموحا لها دخولها قبل ذلك.

احتلت هذه النقطة مساحة من الجدل داخل إسرائيل، وارتفعت بعض الأصوات للمطالبة بإعادة العمل ببنود معاهدة السلام حرفيا، غير أن الاحتجاجات لم تجد استجابة لدى حكومة تل أبيب، لأن تكلفة فتح هذا الملف مرتفعة سياسيا.

تجاهلت مصر هذه الأصوات، وتفرغت للمواجهة الساخنة مع الإرهابيين، ودفعت بما تحتاجه من معدات عسكرية، والتلويح بأن خطرهم قد يصل إلى داخل إسرائيل.

حملت المضامين التي حوتها التحركات العسكرية في سيناء رسالة تؤكد أن معاهدات السلام ليست مقدسة والتطورات التي تفرض القبول بها قد تحتم إدخال تعديلات عليها.

مهما بلغت طبيعة التحديات الإقليمية وتزايد التنسيق الأمني تبقى إسرائيل في التفكير الاستراتيجي أحد التهديدات، وليست كلها، التي تواجه الأمن القومي المصري، وهي عقيدة لم تتغير على مدار عقود، وطرأت مخاطر جديدة دون أن تلغي خطر إسرائيل.

يكمن مصدر القلق في المخاوف التي تعكسها وسائل الإعلام في البلدين من وقت إلى آخر، بعيدة عن تصريحات المسؤولين التي تأتي ذات طبيعة دبلوماسية، وإن لم تجد ما يقال بصورة إيجابية تتجنب الحديث علنا حول المنغصات، وهو ما تتكفل التسريبات المتعمدة بكشف جوانبه، وتبيّن في جوهرها شكل العلاقات بين البلدين.

مصر

ارتاحت مصر خلال سنوات طويلة لصيغة السلام البارد، وحلت واحدة من العقد المعنوية نجحت بموجبها في تهدئة ضغوط النخب السياسية، والحفاظ على علاقة جيدة رسميا مع إسرائيل، وجرى استثمارها أمنيا في تحييد جبهة قطاع غزة عندما تحولت إلى أحد مصادر الدعم الرئيسية للإرهابيين في سيناء.

بات الأمن من أهم الشواغل المصرية مع انتشار الصراعات في دول كثيرة، وتم اتخاذ إجراءات لمنع الدخول في دوامات النزاعات الإقليمية، إلى الدرجة التي سادت فيها انطباعات عن القاهرة بأنها لا تريد الحرب إلا إذا فرضت عليها، كما ظهرت ملامح ذلك في أزمة ليبيا للحد من تمدد النفوذ التركي، فامتلاك القوة العسكرية من الأدوات المهمة لتجنب العدوان على الدولة المصرية من أي جهة.

وفر صمود التهدئة مع إسرائيل فرصة لمواجهة التهديدات الأخرى، لكنه لم يلغها تماما، لذلك تحاول مصر الحفاظ على الأوضاع الراهنة، وتأييد العوامل التي تقود إلى هذه النتيجة، والتحكم في إيقاع التوترات في الملفات الشائكة (غزة مثلا)، خوفا من حدوث انفلات يصعب حصار روافده العسكرية.

يمهد ضبط الهاجس الأمني الطريق أمام مصر للتقدم خطوة على المسار السياسي الفترة المقبلة، وسط ما يتردد عن مشروعات تعاون إقليمي، شريطة ألا ترتكب إسرائيل حماقات سافرة في حق القضية الفلسطينية تعيد الكرة إلى المربع الأول.

9