إسرائيل والدبلوماسية الناعمة

السبت 2013/11/23

استطاعت إسرائيل خلال العقود الماضية (1948-2013) من خلال دبلوماسيتها الناعمة بناء علاقات مع غالبية دول العالم، حيث تؤكد وزارة الخارجية الإسرائيلية من خلال موقعها على شبكة الإنترنت أن إسرائيل، التي أصبحت عضوا في الأمم المتحدة عام 1949، باتت تقيم علاقات مع معظم دول العالم.

كما حرصت منذ تأسيسها على إشراك المجتمع الدولي في تجربتها في مجال التطوير. وبناءً على ذلك تم في عام 1958 تأسيسMASHAV مركز التعاون الدولي وهو قسم يعمل داخل وزارة الخارجية ويكلف بتخطيط مشروع التعاون الدولي الإسرائيلي وتنفيذه. وللإجابة عن موقع الدولة الإسرائيلية في إطار العلاقات الدولية الراهنة، يجمع علماء وخبراء العلاقات الدولية، بأن هناك عوامل محددة أهمّها:

أولاً: العامل الجغرافي، ويتحدد بمساحة الدولة وموقعها الجغرافي.

ثانياً: العامل السكاني حيث تلعب التركيبة السكانية، من تركيب للسكان حسب الفئات العمرية والجنس، دورا في إطار العلاقات الدولية.

ثالثاً: الموارد والأداء الاقتصادي ومؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية. وثمة عوامل أخرى تؤثر على موقع أي دولة في إطار العلاقات الدولية، ومنها القيادة السياسية، والنظام السياسي السائد والوحدة الوطنية.

وبالنسبة لإسرائيل التي أنشئت في أيار 1948، في ظروف دولية وإقليمية استثنائية، فإنها بعد أكثر من 62 عاماً من إنشائها، وبروز المؤسسات والهيئات المختلفة فيها، باتت تتبوأ مرتبة متقدمة في إطار العلاقات الدولية الراهنة. فرغم ضيق المساحة التي أنشئت عليها إسرائيل وشحّ الموارد الطبيعية، فقد ساعدها الموقع الجغرافي والإطلالة على البحر المتوسط عبر ساحل يمتد لنحو 224 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب، في التعويض عن ضيق المساحة.

وكان للتركيب السكاني، أكثر من 60 بالمئة من التجمع اليهودي في إسرائيل هم في إطار قوة العمل، كان لذلك بالغ الأثر في النشاط الاقتصادي العام، خصوصاً، وأن من بين المهاجرين اليهود خبرات علمية وأكاديمية عالية أدت إلى تحسين مستوى الأداء في كافة مراحل تطور الاقتصاد الإسرائيلي منذ عام 1948. هذا وساعدت رؤوس الأموال التي انهالت على إسرائيل في شكل تبرعات ومساعدات من الجاليات اليهودية والولايات المتحدة، وغيرها، في حشد طاقات جديدة في الاقتصاد الإسرائيلي.

لقد عزز التطور في أداء الاقتصاد الإسرائيلي من فرص الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تخصيص المزيد من الموازنات للإنفاق على الصحة والتعليم والدفاع، ما أدى إلى ارتفاع مؤشرات التنمية البشرية، حيث وصل العمر المتوقع للفرد في إسرائيل إلى 77 عاماً، في حين بلغت معدلات التعليم بين الكبار 95 في المئة. وبذلك تبوأت إسرائيل مراتب أساسية في تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلال الفترة 1990-2013. وقد كانت شبكة العلاقات التجارية والسياسية بين الدولة العبرية سواء مع القارة الأوروبية، أو مع الولايات المتحدة الأميركية، أو مع القارة الأفريقية وآسيا، مؤشراً أساسياً على مدى نجاح إسرائيل في تبوء مكانة هامة في إطار العلاقات الدولية السائدة. وكانت هناك محاولات أميركية حثيثة من قبل الولايات المتحدة، لتهيئة الظروف لبناء علاقات إسرائيلية تجارية وسياسية وثقافية مع دول مختلفة في العالم، خصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار جدار برلين، وسقوط القطب الآخر. وقد ساعد في ذلك غياب التكامل العربي في إدارة التعامل وبناء العلاقات مع الدول المختلفة في العالم في إطار العلاقات الدولية لتحقيق المصالح العربية العليا.

ولكي تنفذ إسرائيل لبناء علاقات مع دول العالم، تعتمد على مشاريع (MASHAV) على نقل المعلومات التكنولوجية وإغناء الموارد البشرية. وتستهدف النشاطات تعزيز القدرات المهنية من خلال الدمج بين البعد النظري والبعد العملي والدمج كذلك بين البحث العلمي وتطبيق المشروع على أرض الواقع، وتكييف تكنولوجيات جديدة لتلبية أولويات التطوير في الدول المستضيفة، وذلك عبر التعاون مع وزارات مختلفة ومعاهد مهنية وأكاديمية ومراكز بحث في إسرائيل. ويعمل (MASHAV) بالشراكة مع دول نامية ودول يمر اقتصادها حاليا بفترة انتقالية نحو مواجهة التحديات التنموية في مجالات مثل الحد من الفقر، تقديم الخدمات الصحية الأساسية، ضمان الغذاء، التربية في سنوات الطفولة المبكرة، مكافحة التصحّر، تحقيق المساواة بين الجنسين، شركات صغيرة ومتوسطة الحجم وتطوير متكامل للمناطق الريفية. وقد شارك (MASHAV) منذ تأسيسه ما يقارب 200000 رجل وامرأة في دورات التأهيل المهنية التي نظمها في إسرائيل وفي الخارج. كما تم إرسال أكثر من 10000 خبير إسرائيلي لفترات قصيرة وطويلة للتعاون مع نظرائهم في الدول المشاركة في المشروع. وقد امتد نشاط (MASHAV) في مختلف أنحاء العالم ليشمل حوالي 140 دولة نامية. وتنفذ بعض مشاريع MASHAV بالتعاون مع دول مانحة، بما فيها الولايات المتحدة وهولندا ووكالات إغاثة دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO، مشروع التطوير التابع للأمم المتحدة UNDP، منظمة الصحة العالمية WHO والبنك العالمي.

لتعزيز مكانتها في إطار تلك العلاقات، أعطت إسرائيل أولوية لإنشاء مراكز بحث، أو تطوير القائم منها. وتشير الدراسات المختلفة إلى أن إسرائيل استطاعت إنشاء مئة مركز بحث، سواء على صعيد الجامعات أو المراكز الخاصة.

وقد ساعدت تلك المراكز في تزويد صاحب القرار في إسرائيل، بالأرقام والمؤشرات، والاقتراحات، والتوصيات، لبناء شبكة متشعبة من العلاقات الدولية، تعود بمردود سياسي واقتصادي كبير على إسرائيل. وقد ساعد أيضاً في ترسيخ تلك العلاقات الخبرات الفنية العالية التي تمتلكها إسرائيل في مجال التقنية الزراعية، والتصنيع العسكري، والإلكترونيات. ولتعزيز علاقاتها الدولية، تحاول الدولة العبرية امتلاك جيش قوي أصبح قوامه ستمائة ألف جندي عند النفير العام، في كافة صنوف القوى البرية والبحرية والجوية، ناهيك عن الاعتماد على خيار نووي، عبر امتلاك الدولة العبرية لنحو 200 قنبلة نووية، إذ ترى الدولة العبرية أن قوتها العسكرية المتطورة، وامتلاك الخيار النووي، ضمانا قويا لأمنها من جهة، ولاستمرار نفوذها في إطار العلاقات الدولية من جهة أخرى، خصوصا وأن قضية الأمن تعتبر القضية الأهم في إطار الإستراتيجية الإسرائيلية، وأن بناء شبكة علاقات إسرائيلية دولية يجب أن يخدم تلك القضية ويحققها.


كاتب فلسطيني

9