إسرائيل والكيانات الهجينة: تقاطع في مسوغات التناقض مع العربي

الاثنين 2017/09/25

ستكون إسرائيل بمقتضى الطبيعة والتجسد وراء كل كيان هجين في الوطن العربيّ، سواء تعلق الأمر بجنوب السودان أو كردستان العراق وسوريا، أو باقي مشاريع السلطات المتمردة في منطقة المغرب العربي.

وكما رفع العلم الإسرائيلي في جوبا أثناء استفتاء الانفصال عن السودان في 2010 و2011، يرفع اليوم ذات العلم في أربيل وباقي المحافظات الكردية، وسيرفع غدا في الهضاب الأمازيغية بين الجزائر وليبيا مرورا بتونس وصولا إلى المغرب.

هناك حالة من حالات الانتشاء النفسي والاحتفاء الإعلامي الذي تبديه تل أبيب بخصوص أي كيان هجين يعلن انفصاله وتمرده على الجغرافيا العربية وعلى الدولة الوطنية، وهي قضية غير مرتبطة فقط بالمآرب الإستراتيجية التي تبقى ماثلة بقوة ضمن الفعل السياسي والعسكري، ولكنها مرتبطة في الصميم بسعي إسرائيلي محموم إلى التطبيع مع الجغرافيا والتاريخ وهو ما لن يحصل إلا بتشجيع فعل اختلاق الدول الهجينة والكيانات المركبة.

تدرك إسرائيل أن التطبيع الحاصل معها ضمن اتفاقات التسوية مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية هو تطبيع رسمي لم يخرج عن ضوابط الوثائق الرسمية وملحقات الاتفاقيات الموقعة، وأن التطبيع لم يلامس أبعاد الجغرافيا والتاريخ والأنثروبولوجيا الاجتماعية حيث لا تزال سجية الإنسان العربي ترفض تجاوز الحواجز النفسية بالتطبيع مع الاستيطان والمستوطنين.

تبحث إسرائيل في جنوب السودان وكردستان العراق عن تطبيع نفسي وذهني في الوطن العربي قوامه التقاطع في السرديات التاريخية المغالطة والمخاتلة بأن إسرائيل هي تجمع يهودي أقلياتي ضمن أكثرية عربية غير يهودية، استطاعت أن تدافع عن نفسها وأن تقيم دولتها اليهودية رغم كافة المساعي العربية لتدميرها.

وهكذا تتحوّل إسرائيل إلى نموذج لباقي الأقليات الدينية والإثنية والعرقية في رفضها للوجود العربي ولمقولة الوطن العربي وفي تشجيعها على تأسيس دولتها الهجينة ضمن سردية نيل الاستقلال من الاحتلال العربي.

تبتغي إسرائيل تثبيت مقولة تاريخية مخاتلة ومخادعة في نفس الوقت بأنّها أقلية دينية وإثنية راسخة على أرض فلسطين ضمن أكثرية عربية رافضة لها الأمر، الذي دعاها إلى الالتجاء إلى العنف المسلح وأن العربي الفلسطيني هو الذي رفض مبادرات التقسيم وقرارات الأمم المتحدة.

لن نجتهد في بيان الضعف التاريخي لهذه المقولة التفسيرية، ولكن من الواجب الإشارة إلى أن ذات التبرير مستعمل لدى أكراد العراق وسوريا وجنوبيي السودان وحتّى أمازيغ المغرب العربي. فأكراد العراق يعمدون إلى مقولة الأقلية المستضعفة من النظام العراقي، وجنوبيي السودان شددوا على سرديات الاستهداف من النظام السوداني.

المفارقة أن ترياق التجاوزات ضد الأقليات كامن في دولة المواطنة وفي ثنائية المواطنة الثقافية وثقافة المواطنة، إلا أن المقولة الأساسية للأقليات الإثنية ضمن الفضاء العربي متأسسة على الانفصال، سواء كان انفصالا ناعما بعنوان الفيدرالية، أو انفصالا مباشرا مثل استفتاءات تقرير المصير.

كما توظف إسرائيل حالات الكيانات الهجينة للاستدلال بأن القرارات الانفرادية التي تعتمدها في الضفة الغربية والجولان وفي جنوب لبنان، تعود بالحتمية إلى “الآخر العربي” الذي يتربص بها الدوائر وليس لطبيعتها الاحتلالية.

وبهذا الأمر تصير الخطوات الانفرادية للأكراد أمثلة حجاجية ضمن خطاب إسرائيلي بجواز الاستفراد بخطوات الاستيطان والتهويد والاحتلال واقتطاع الأراضي العربية. بيد أن الأهم من كل ما سبق كامن في أن الكيانات الهجينة تعطي إسرائيل الذريعة بإمكانية تأسيس دول جديدة لا تمتلك مقوّمات الدول الوطنية.

في جنوب السودان تم استدعاء الدولة في جغرافيا غير متكاملة الهوية والتاريخ، وفي كردستان العراق عمل الفاعلون الدوليون والإقليميون على قومنة الأقليات وتأصيل التمايز الهيكلي للكردي على حساب العربي العراقي والسوري.

ضمن هذا السياق الهجين لبناء الدولة وتأصيل الهوية تنتمي إسرائيل وتنتمي معها طائفة من الكيانات العاجزة عن التحول إلى دولة وطنية حتى وإن نالت الاعتراف من أكثر من جهة إقليمية ودولية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9