إسرائيل وحماس تقعان في شرك أوهام "الجرف الصامد"

الثلاثاء 2014/08/05
عجوز فلسطينية تبحث عما تبقى من آثار منزلها الذي دمرته غارة إسرائيلية جنوب غزة

لندن – دخلت عملية “الجرف الصامد” الإسرائيلية ضد قطاع غزة أسبوعها الرابع دون أن يحقق الإسرائيليون أو حركة حماس أية مكاسب استراتيجية من وراء الحرب التي دفع ثمنها أهالي القطاع من المدنيين الذين يتطلعون يوما بعد يوم إلى رفع الحصار عنهم بعد العملية العسكرية الأخيرة من مأساتهم.

خلال منتدى سياسي عقده معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى حول “النزاع في غزة: إعادة حساب المعادلة السياسية – العسكرية”، تحدّث غيث العمري، المدير التنفيذي لـ “فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين” محمّلا حركة حماس والإسرائيليين ما يجري في القطاع المحاصر.

بالنسبة لعمري، الذي عمل سابقا في حكومة السلطة الفلسطينية، من المهم أن نلاحظ الجانب الإنساني لهذه الحرب حيث أن غالبية عظمى من الضحايا هم من المدنيين. وعلى الرغم من أن حركة حماس انتهكت العديد من القوانين والمعايير الأخلاقية، فإن إسرائيل تتحمل أيضا مسؤولية هذه الوفيات في صفوف المدنيين. وبغض النظر عن المسؤول، من الواضح أن وقف إطلاق النار ضروري – رغم أن هذه الأنواع من الحروب ستستمر طالما يستمر الصراع الأكبر.

فيما يتعلّق بمسؤولية حماس، يشير العمري إلى أن بروز حركة الجهاد الإسلامي على الساحة الفلسطينية كلاعب هام أجبر حماس على الدخول في شراكة معها. وفي الوقت نفسه، تعتقد حماس أنها تكتسب قوة إضافية مع استمرار الحرب وزيادة الضحايا في صفوف المدنيين وتصاعد الضغط على إسرائيل، فذلك يمكن أن يساعدها على:

- كسر عزلتها السياسية، رغم أن هذا الأمر قد فشل لأن أي طرف رئيسي لم يبدِ حتى الآن رغبته الجادة في العمل مع حماس.

- تمكين داعمي الحركة على الصعيد الإقليمي، رغم أنه يبدو أن هذا الأمر لقي فشلا ذريعا.

- إثبات النجاح العسكري، الأمر الذي لم يصبح أمرا واقعا بعد.

- الاستمرار في تقديم مطالب لفتح الحدود وإطلاق سراح السجناء.

إسرائيل تختبر تكنولوجياتها الجديدة في غزة
لندن – يشير الكاتب الإسرائيلي جيلي كوهين إلى أن الجيش الإسرائيلي سعى من خلال حربه الأخيرة على قطاع غزة إلى تجربة تكنولوجياته الجديدة. ويقول كوهين، في تقرير نشرته صحيفة هارتز الإسرائيلية، إنه منذ ما يقارب العام، خضعت قوات الدفاع الإسرائيلية إلى تغييرات هيكلية واسعة النطاق بغية وضع التقدم التكنولوجي الذي أحرزته مؤخرا قيد التنفيذ.

شمل برنامج التغييرات إغلاق بعض الوحدات التي تعتمد على المعدات قديمة الطراز، وقد كان من المقرر القيام بتقييم للبرنامج في وقت لاحق من هذا العام، لكن العملية البرية في قطاع غزة أتاحت فرصة تنفيذ تقييم في الوقت الحقيقي على ميدان المعركة.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ياعلون قد صرّح السنة الماضية: “في المستقبل القريب، سيؤدّي بنا الوضع إلى صراعات سوف يقرّر مآلها التفوق التكنولوجي لجيش الدفاع الإسرائيلي – في الجو وعلى البحر وعلى الأرض، مع عدد أقل من المركبات الثقيلة وتزايد استخدام معدات متطورة بدون قائد”.

وأفادت أجهزة استخبارات جيش الدفاع الإسرائيلي أن تبادل المعلومات بين مختلف الوحدات أصبح سهلا نسبيا بفضل التطورات التكنولوجية الجديدة. وقال مسؤول في الاستخبارات إنه “يتمّ تمرير كافة المعلومات مباشرة، دون أي تصفية”. وقد تمّ إدماج ممثّلين من وحدات الاستخبارات 8200 و 9900 مع الكتائب على أرض المعركة، بهدف تسهيل تدفق المعلومات.

وأفادت القوات الجوية الإسرائيلية باستعمالها طائرة “900 هيرميس″ الجديدة دون طيار، التي أُطلق عليها اسم “نجمة”، وهي نسخة مطورة من “450 هيرميس″ دون طيار السابقة. وقد استخدمت “900 هيرميس″، فضلا عن طائرات أخرى غير المستخدمة حتى الآن، خلال الحرب على غزة بهدف جمع معلومات استخباراتية.

صرّحت القوات البرية الإسرائيلية بقيامها ببعض التغييرات التشغيلية. إذ حاول قادة جيش الدفاع جعل القوّة النارية لمعداتهم أكثر دقة واستقلالا. واستخدم الإسرائيليون الدبابات التابعة للواء المدرع 401 المجهزة بأجهزة الاستشعار الأرضية التي تتابع الإحداثيات والمعلومات للقوى الأخرى، بما في ذلك القوة الجوية والبطاريات المدفعية. كما استخدمت الدبابات الإسرائيلية قذائف متطوّرة جديدة يمكن أن تخترق 120 ملليمتر من الخرسانة، وتنفجر داخل أي بناء.

في سياق متّصل، نبه خبراء في الشرق الأوسط إلى أن إسرائيل تختبر أسلحة أميركية جديدة في الحروب، فيما حذرت مؤسسة “أميركا الجديدة” بأن “إمدادات الأسلحة الأميركية لإسرائيل قد شجعت إلى حد كبير التدخل الإسرائيلي في غزة”.

على نطاق أوسع، في الوقت الذي تسعى حماس إلى تأكيد دورها كمقاومة حقيقية، فإنها تحرص على عدم التقيد بمسؤولياتها المدنية في حين تبقى القوة الحقيقية في صناعة القرار في قطاع غزة، على غرار حزب الله في لبنان.

وفي ظل هذه التطورات، تعود اتفاقية المصالحة بين حركتي فتح وحماس لتظهر كوسيلة مناسبة للجميع، وفق غيث العمري، بالإضافة إلى إعطائها الرئيس عباس ذريعة لإعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة، فإنها تسمح أيضا لمصر وللجامعة العربية بتجاوز حماس والتعامل مع رئيس الدولة الفلسطينية بكل وضوح.

ويخلص المتحدّث الفلسطيني في نهاية مداخلته ضمن منتدى معهد واشتطن، إلى أنه في حال تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، من المستبعد جدا على المدى القصير استئناف عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية الحقيقية. لكن يجب الاستمرار في تمكين السلطة الفلسطينية وتخويلها المسؤوليات اللازمة لإعادة ربط الشعب بالعملية السياسية ووقف خيبة الأمل المتزايدة تجاه السياسة الفلسطينية.


معاناة أهالي غزة


في ذات المنتدى تحدّث ديفيد بولوك، زميل كوفمان في المعهد ورئيس تحرير منتدى فكرة، مشيرا إلى أنه وفيما يتعلق بالمواقف الفلسطينية، فقد أظهر استطلاع حديث للرأي أُجري في الضفة الغربية تأييد الأغلبية داخل تلك المنطقة لعملية وقف إطلاق النار الفوري، حتى ولو ضمن هامش محدود. ويشير ذلك إلى أنه بإمكان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس استقطاب المشاعر الشعبية لجهته بتصدّر مبادرة لوقف إطلاق النار.

وكان استطلاع للرأي أُجري في قطاع غزة قبل العمليات العدائية الأخيرة أظهر آراء سلبية في معظمها حول حماس وقدرتها على الحكم. لم يرغب الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع أن تبدأ حماس بشن أعمال عدائية ضد إسرائيل. ويعود تراجع شعبية حماس في معقلها إلى الوضع الإنساني الصعب في القطاع نتيجة الحصار المفروض على القطاع والحروب الإسرائيلية الثلاث (2008- 2012-2014).

ويعاني سكان قطاع غزة برا وجوا وبحرا من حصار إسرائيلي خانق منذ سبع سنوات، زادت من مرارته أزمات متلاحقة حذرت منها مؤسسات إغاثية وإنسانية محلية ودولية. وتؤكّد تقارير ودراسات عديدة تصدر بانتظام منذ 2007، سيطرة حماس على قطاع غزة، أن الوضع في غزة أصبح “لا يطاق” وهو مرشّح لبلوغ درجات أسوأ وأشد قسوة من الناحية الإنسانية خلال بضع سنوات في حال استمر الحصار وتواصل الوضع على ما هو عليه.

وحسب التقرير الذي أعدته “منظمة أصدقاء الإنسان الدولية”، في النمسا، بالتعاون مع “مركز حماية لحقوق الإنسان”، في غزة، فإن نسبة الفقر بين صفوف سكان القطاع وصلت إلى 39 بالمئة. وترتفع الخسائر مع تواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة مخلفة مئات الضحايا، بينهم أطفال. ويعتبر الأطفال أكثر المتضررين من مأساة غزة خاصة على المستوى النفسي، فـ30 بالمئة منهم وقعوا ضحايا لأمراض نفسية نتيجة حالات الهلع التي يتعرضوا إليها على مدى 30 يوما من القصف اليومي على القطاع. وتتفاقم معاناة سكان القطاع وسط انقطاع الكهرباء والماء ونقص في الأدوية. وقد قدرت خسائر الفلسطينيين والإسرائيليين من الحرب على غزة خلال 4 أسابيع بحوالي 8.3 مليار دولار.


المسؤولية الإسرائيلية


بالحسابات السياسية الإسرائيلية، يرى الباحث ديفيد بولوك أن الأزمة الحالية قد همشت أقصى اليمين وأقصى اليسار، تاركة الوسط متمكنا وموحدا حول بعض الأهداف السياسية والعسكرية. وتواجه إسرائيل مشاكل داخلية خطيرة، يرى مراقبون أنها أحد الأسباب التي تكمن وراء عملية “الجرف الصامد” على قطاع غزة.

وكان عدد من المسؤولين والمراقبين الإسرائيليين المشاركين في مؤتمر هرتزليا الأمني لسنة 2013 حذّروا من أن الفساد في المؤسسات الإسرائيلية والانشقاقات الاجتماعية وتفشي الجريمة والعنف تقف في صف واحد مع التهديدات الخارجية التي تواجهها إسرائيل.

وفي ما يتعلق بالعملية الأخيرة على قطاع غزة يشير تقرير لمركز العربية للدراسات إلى أن المجتمع الإسرائيلي ينقسم ومعه حكومته حول الحرب على غزة، ما بين دعاوى المتطرفين اليمينيين من أمثال وزير الخارجية ليبرمان، الراغبين في بحر من الدماء ليغرقوا فيه الجمهور الإسرائيلي بعيدا عن المشاكل الداخلية وفشل الحكومات الإسرائيلية في إيجاد حلول دائمة ومستقرة للصراع مع الفلسطينيين من ناحية، والمشاكل الاقتصادية والسياسية من ناحية أخرى. ومع اختلاف أرائهم حول مدى العمليات المطلوبة قبل الوصول لطاولة المفاوضات، ولكنهم جميعا يؤكدون أنه لا يمكن الوصول لها دون الدور المصري المحوري مثلما يتفق أغلبهم على أن عملية “الجرف الصامد” عملية فاشلة.

وانتقد الكاتب ألون بن مئير عملية “الجرف الصامد” قائلا إنه “لن يبرز من هذه الحرب منتصرون بل فقط خاسرون. وبالرّغم من أنّ كلا الجانبين يتكبّد خسائر فادحة، غير أنهما مازالا يجدان الراحة في انخداعهما ويرفضان مواجهة الحقيقة”.


فشل "الجرف الصامد"


يعترف كاتب إسرائيلي، في تقرير لصحيفة “هارتز”، بخيبة الحكومة في الحرب الأخيرة على قطاع غزة. وحمّل عمير أورن الجهاز الأمني الإسرائيلي، المعروف بـ”الشين بيت”، مسؤولية الفشل الإسرائيلي في غزة، فعلى مر السنوات، تلاشى الغرض الأساسي من الوكالة الأمنية الإسرائيلية تدريجيا، لتصبح نوعا من المخابرات العسكرية التابعة لقوات الاحتلال.

يصف أورن “الشين بيت” بالشريك الصامت للآلة العسكرية الهادرة في هذه العملية، ولئن أثبت الجهاز الأمني الإسرائيلي قدرته على اكتشاف التفاصيل إلّا أنّه عجز تماما عن إدراك الصورة الشاملة للنزاع. فقد عملت المنظمة جاهدة على تحديد موقع السجناء الذين أطلق سراحهم في صفقة جلعاد شاليط وإعادة اعتقالهم، ولكنها فشلت في التنبؤ بالأحداث التي أدت إلى إلقاء القبض عليهم، وكيفية تطوّر الوضع فيما بعد.

في نهاية المطاف، سيعجز أولئك الذين سيتمّ تكليفهم بالتحقيق في الأداء المُخجل للوكالات الحكومية، خلال السنوات التي آلت إلى عملية “الجرف الصامد”، عن تجاهل الدور الأساسي الذي لعبته “الشين بيت” في هذا الفشل الذريع، وفق تقرير عمير أورن. فمن جهة، أثبتت المنظمة قوتها الواسعة في النضال من أجل السلطة والنفوذ، إلّا أنها كشفت عن ضعفها الفاضح على مستوى بلوغ الأهداف وتحقيق نجاح البعثات.

وجهاز “الشين بيت”، ويعرف أيضا بـ”الشاباك”، هو جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل خاضع لرئيس الحكومة، وهذا الجهاز وفق تعريف عمير أرون عبارة عن وكالة لمكافحة التجسس سبب وجودها هو وضع جهاز أمني ناشط ذي توجهات استخباراتية. ويرى الكاتب الإسرائيلي أن مهام “الشين بيت” انحصرت في الكشف عن مخططات الهجمات وإبطالها، فضلا عن دوره الاستخباراتي إزاء قوات الأمن، استطاع الجهاز الأمني أن يحافظ على معدل النجاح كبير على مدى العقدين الماضيين، وإن لم يكن مثاليا. لكن “الشين بيت” تنصل من واجباته في غزة منذ سنوات 2005-2007، وهي الفترة التي شكلت الواقع الجديد للمنطقة: إجلاء القوات الإسرائيلية وفوز حماس في الانتخابات واستيلاءها على الحكم. لم تعد حماس حركة تشن هجمات مكثّفة، على حد تعبير عمير أرون.

وخلافا لرئيس الاستخبارات العسكرية، لا يقدم مدير “الشين بيت”، يورام كوهين، تقريرا عن عملياته إلى “الكبار الثلاث”: رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي. بل تبقى تقارير كوهين موجّهة أساس إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. وبالتالي، فكوهين ونتانياهو هما المسؤولان الوحيدان عن فشل “الشين بيت” في غزة.

7