إسرائيل ومنطق القوة

الخميس 2014/07/31

القوة هي الحق أو كما يقول التعبير الإنجليزي المعروف عن منطق القوة ”Might is Right” الذي تعاملت به دولة الاحتلال الإسرائيلي مع شعب الأرض المحتلة في فلسطين، وبالذات في قطاع غزة، في أيام شهر الصيام، وأنتجت غزوة غزة هذه المجازر التي أودت بحياة عدد مهول من المدنيين جاوز الألف ضحية، معظمهم من الأطفال والنساء، بل عائلات كاملة انقرضـت، عندما تهدمت عليها البيوت التي تسكنها في غزة، مما أرسل موجة عاتية من الاحتجاج شملت حواضر الغرب، الحليف التقليدي لإسرائيل، وخرج إلى الشارع أميركيون وفرنسيون وبريطانيون وألمان وإيطاليون، في مظاهرات احتجاج ضد إسرائيل غير مسبوقة، قام بها أناس من خارج الشارع السـياسي، استفـزهم حجـم الجرائم ورعبهـا، التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي، مستخدما آلته العسكرية الجهنمية في اندفاع غير محسوب، وهجوم غير مبرر، يدعي أنه ردا على استفزازات من بعض عناصر حماس، كان يكفي فيها رد يستهدف المسلحين، وليس ردا بهذا التطرف، وهذا الفجور، وهذا الاستعراض الوحشي للقوة، وآلة الحرب، والقدرة الشيطانية على سفك الدماء، ولست هنا في وارد السياسات الحمساوية الإخوانية، وما يشوبها من أوجه القصور والتقصير، والمزايدات والخلافات مع القوى في الداخل الفلسطيني، لأنه كلام يأتي في سياق غير هذا السياق، ولا تستطيع إسرائيل إقناع أحد في العالم، أن السلوك الحمساوي يمكن أن يكون مبررا ومسوغا، لما أظهرته من توحش وإجرام، وفتك بالأبرياء، واستهداف للمدنيين، وتجاوز لكل الخطوط الحمراء، التي تتصل بحقوق الإنسان ومواثيقه الدولية، التي أقرتها الأمم المتحدة، وإسرائيل عضو فيها.

ما أثارني حقا أنني قرأت، وفي وقت متوافق مع هذا الهجوم الوحشي الإجرامي على غزة، لكاتب من مصر، ينتمي إلى حزب اسمه حزب المصريين الأحرار، مقالا بعنوان “إسرائيل ليست عدوا”، يقول فيه إن الدولة العبرية لم تعد تستقطب العداء الشعبي، الذي صارت تستقطبه جماعات الإرهاب وأهل التطرف الإسلامي، من تنظيمات محظورة، مدموغة بالإرهاب، وأظن أن اسم الكاتب كان محمد الشيمي، ولعل المقال الذي قرأته في النت، لم يكن إطلاقا ليلفت الانتباه، أو يستحق أن أنوه به، لولا أنه جاء في هذا الوقت بالذات، وثانيا أنه يعكس إلى حد ما نغمة بدأت تطل برأسها في بعض الدوائر، لم تعد تعطي لإسرائيل الأولوية في قائمة الخصوم، أو التهديد للأمن الوطني القومي في مصر وغيرها من أقطار الوطن العربي، وأنها تبعا لذلك لم تعد تستدعي أن نأخذ واجب الحذر والحيطة منها، وأن نكون دائما في حالة استنفار في رد وصد هجومها أو تطاولها على حدودنا وحقوقنا ومقدساتنا.

كلام باطل عاطل، فيما أرى، لا يستقيم له منطق، ولا يملك أقداما يمشى بها فوق الأرض، وأول حـجة تنفي صحته وتجرده من أي منطق، أننـا بـاعتبارنا عربا، وباعتبار شعب فلسطين جـزءا منا، مازلنا إلى الآن، كما كنا بالأمس، في حالة اشتباك سياسية، تأخذ أحيانا وجها عسكريا مع إسرائيل، لأننا لم نصل إلى سلام بعد، ورغم العـروض الكثيرة، الموجودة فوق الطاولة، فإن الرفض كان دائما من الطرف الإسرائيلي، وأن مقترحات وقرارات الأمم المتحدة التي تتصل بهذا السلام، وصلت إلى أعداد وفيرة، رمتها إسرائيل كلها في سلة المهملات، مع أنها جميعا كانت تحمل قدرا من التنازلات العربية والفلسطينية، تفاديا للحرب، ومحاولة لوضع حد لهذا النزاع الذي دام لأكثر من ستة عقود. وهاهو حل الدولتين موجود على الطاولة، ويرضى به العرب، ويلقى الدعم من كل الأطراف الدولية، مع ما فيه من ظلم لأهل الأرض الأصليين، الذين سيخرجون في هذه الصفقة بالتنازل عن أكثر من ثلثي أرضهم، والقبول بأقل من الثلث أو ربما ربـع الأرض، ولا زالت دولة الاحتلال ترفض وتمتنع وتطالب بالمزيد والمزيد.

نعم، هناك هموم في العالم العربي، في حجم الجبال، حطت في مشرق الوطن العربي ومغربه، متمثلة في هـذا التطرف الإسلامي، وهذه الظواهر الـداعشية القاعدية الإجرامية، التي عاثث في الأرض فسادا، وأسالت أنهارا من الدم، وصنـعت تلالا من جماجم شعوبها وأهلها، بحجة أنها تنتمي إلى الإسلام وتدافع عنه وتريد إقامة دولته العتيدة، ويكفي أن ننظر إلى دولة داعش التي تسمي نفسها الخلافة الإسلامية في الشام والعراق، وما تلطخ به التاريخ العربي الإسلامي من أوحال وطين، وما جلبته من عار، وما صنعته من مجازر، وما ارتكبته من جرائم، وما فرضته علـى أهل البلاد من آلام ومكابدات، وآخر فصولها هذا الاقتلاع الإجرامي الديني العرقي لأهل البلاد المسيحيين الذين ينتمون إلى هذه الأرض، وسلالاتها الحضارية، منذ العهود البابلية والآشورية، وحضارات بين النهرين، وكانوا يعيشون فوق أرضهم بسلام وأمان وفي ظل الدولة الإسلامية، التي أسهموا في صناعة مجدها، دون عسف ولا ضيم ولا اضطهاد يلحقهم، هاهم اليوم يواجهون عملية اقتلاع وتصفية وإبادة، وتنظيف إثني عرقي ديني، لا سوابق له في تاريخ الدولة العربية الإسلامية. نعم هذا صحيح، ولكن متى كان ظهور عدو في أرضنا يلغي وجود عدو آخر يهدد أمننا، هذا أولا وثانيا، ولابد من أن تكون هذه الحقائق ماثلة في أذهان كل من يقول إن إسرائيل لم تعد عدوا، إن هذه الظواهر الداعشية القاعدية، ليست معزولة إطلاقا عن إسرائيل، وعن مخططات أرادت أن تخدم إسرائيل، بإنهاك العالم العربي، وإغراقه في هذه المشاكل، وتحطيم أي توازن قوي يحققه مع دولة الاحتلال الإسرائيل، وما داعش، وما القاعدة، وما التطرف الإسلامي إلا لعبة مخابراتية، ولدت في الغرف المظلمة السوداء، وأفلام تم إنتاجها بأحماض موسادية، ماسونية، وغرف الأعمال القذرة في وكالة المخابرات المركزية وغيرها من بيوت التآمر العالمي والدولي، الذي يقوم به رجال لا وجوه لهم، كما يسميهم العالم والسياسي الأميركي اليهودي نعوم تشومسكي، ويفضحهم ويعري ألعابهم، كما في كتابه “الغزو لا زال مستمرا”.


كاتب ليبي

8