إسطبل المعايير

السبت 2015/02/21

يظل الكاتب في مختلف صنوف الكتابة باحثا عن النجاعة لما يكتب، النجاعة أن يُحقق له عددا من القراء وأن يكون له مردود من كتاباته. المردود الأول لمختلف الكتّاب معنوي بالأساس، أي أن يتم الاحتفاء به من قارئه وناقده، وأن يقع التفاعل مع نصه الذي يطمح أن يلاقي رواجا.

تظل للكاتب احتياجاته اليومية كأي إنسان آخر، فهو إنسان عادي أيضا، ويطمح إلى أن يحقق عائدات مما يكتبه ويُنشر. لكن إن كان سيتفرغ للكتابة في وطن عربي لا يقرأ فسيلمّ به الجوع والضيم الاجتماعي، هذا علاوة على عدم وجود قانون واضح يجعل من الكتابة مهنة ذات مردود ونظام قانوني في أغلب الأقطار العربية.

لذلك يضطر السواد الأعظم من الكتاب العرب إلى امتهان مهن أخرى، وجعل الكتابة عملا ثانويا، فيهم من يظل حاملا إياه كمشروع حقيقي لعمل وجودي، وفيهم من يكتفي بكونه وسيلة تعبير عن ذاته ومتعة أو أمرا ذاتيا محضا.

لكن الكتّاب عامة يشتركون في حلم الكاتب الناجع، ويحلمون بمردود ما لكتاباتهم حتى وإن كان مردودا لا ماديا وضئيلا، فالكتابة في النهاية كأي عمل فني إبداعي لا ينحصر في أنا مبدعه، بل هو موجّه إلى الآخر بالضرورة.

الناظر في سوق القراء العرب يجد أغلبهم يعيّر عمل الكاتب بمعايير أغلبها أخلاقي، والمقصود هنا هو الجانب الموروث من الأخلاق، أو ذاتي بما تشرّبته ذاته الغارقة في أزمة كبرى تطال الهوية والسياسة والاقتصاد والأخلاق والدين والمجتمع والجنس.. إلخ لذلك تكون معايير القارئ العربي متميزة بالسلبية بعض الشيء، فتتلقف كل ما نجا من معيار الأخلاق مما هو مترجم (بما أن المغلوب يتبع الغالب) وتترك الكاتب العربي على حدة إلا إن كان يوافق معاييرها.

كثير من الكتاب العرب انخرطوا في المنظومة المعيارية القرائية، إن صحت العبارة هنا، هذه المنظومة لم تتوقف عند سوق الكتب بل طالت أيضا الجوائز العربية، التي وإن ندر ما هو جديّ منها في سعيه إلى التطوير من الأدب العربي وحفز الكاتب على الإنتاج والتطور، فإن هذه الجوائز خلقت لها معاييرها التي يكون أغلبها متأقلما مع متطلباتها.

هذا الرباط أو السياج المعياري الذي يحيط الأدب العربي، العازل الذي خرج من دائرة القراء ليشوب حتى الجوائز، التي كانت لتمثل دافعا ولو معنويا للكتاب، هذا السياج، إن صح التشبيه، يمنع عن الكاتب التطلع أبعد من واقعه والتجدد ومحاولة خلق ما هو جديد ومميز. مثلا لا نجد في أدبنا ما هو إيروسي ومقبول، والإيروسية هنا مجرد دلالة على مساحة صغيرة من هذا السياج الأخلاقي المعياري.

فأن يجدد كاتب ما في نقطة أو مسألة ما، أو أن يثور بقلم صادق محطما المعايير الجاهزة، هو بمثابة انتحار لهذا الكاتب، بينما في الأصل ذلك ما يجب أن تكون عليه الحال، لذلك ربما الانتحار الكتابي أفضل من الدخول في إسطبل المعايير، خدمة للأدب العربي.


شاعر من تونس

17