إسطنبول محور انجازات أردوغان "الجنونية"

السبت 2016/08/27
مشاريع عمرانية ضخمة في غير محلها

إسطنبول – يندرج الجسر الثالث على البوسفور الذي دشن الجمعة في إسطنبول في إطار سلسلة من الإنجازات الضخمة التي أرادها الرئيس رجب طيب أردوغان لبناء “تركيا جديدة”، في حين يرى فيه منتقدوه أعراض “جنون العظمة” التي بدأت تظهر بشكل واضح على الرئيس التركي.

ولم يخل الحدث من المظاهر العثمانية التي يسعى أردوغان إلى إعادة إحيائها، حيث اختار الرئيس التركي أن يحمل الجسر اسم السلطان ياووز سليم أو سليم الأول، الذي غزا مناطق واسعة في الشرق الأوسط أثناء حكم استمر ثماني سنوات وبقي حتى اليوم شخصية تحظى باحترام الكثير من الأتراك.

ويطمح أردوغان، من خلال هذا المشروع العملاق، إلى ترك بصمة جديدة في تاريخ تركيا الحديثة التي شهدت إنجاز أول جسرين على البوسفور في 1973 و1988. ويعتبر الجسر الجديد أحد أطول الجسور المعلقة في العالم بكلفة تقدر بنحو 900 مليون دولار.

ويقول المراقبون إن الحدث وفّر لأردوغان لحظة مجد ولو قصيرة في تركيا التي مازالت تحت وقع الصدمة بعد مضي شهر ونصف الشهر على محاولة الانقلاب، شنّ على إثرها حملة اعتقالات وتطهير واسعة وعنيفة.

ويأتي هذا الحدث أيضا، بالتزامن مع زخم آخر تعيشه تركيا مردّه الحملة العسكرية التركية في سوريا، وقد تزامن افتتاح الجسر مع دخول الدبابات التركية إلى شمال سوريا، أعقبه اعتداء دام في جنوب شرق البلاد نسب إلى المتمردين الأكراد.

وفي السنوات الأخيرة كثف الرئيس التركي الذي يحكم البلاد منذ 2003 المشاريع الطموحة جدا والتي غالبا ما أحيطت بضجة إعلامية. فقد شهدت مدينة إسطنبول التي ترأس بلديتها سابقا، في يوليو تدشين جامع تشامليجا الكبير.

وفي سنة 2014، أثار القصر الفخم الذي شيده أردوغان وحوله إلى قصر رئاسي، بعد أن ترك قصر ”تشانكايا” الذي سكنه منذ تأسيس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك ومن أعقبه من رؤساء تركيا، الكثير من الجدل.

وقالت المعارضة حينها إن “أردوغان يبني لنفسه في البلاد سلطانا، بينما يوجد ثلاثة ملايين مواطن تركي عاطلون عن العمل”.

في 2015 أعاد أردوغان إطلاق فكرة قناة موازية لمضيق البوسفور تقضي بشق مجرى مائي بطول 43 كلم بين البحر الأسود شمالا وبحر مرمرة جنوبا، في الشطر الأوروبي لكبرى مدن تركيا. وأعلنت الحكومة في رؤيتها للعام 2020 “مشروعا ضخما لنفق تحت مضيق البوسفور مجهز بثلاثة مستويات وبطول 6,5 كيلومترات”.

قال جان ماركو، بروفيسور العلوم السياسية في غرينوبل بفرنسا والباحث في المعهد الفرنسي لدراسات الأناضول، “منذ انتخابه لم يكف أردوغان عن تركيز اهتمامه على إسطنبول التي جعلها واجهة سياسية فعلية”؛ وأيضا قال وزير النقل أحمد أرسلان “إننا نبني مستقبل إسطنبول، كما نحمي تاريخها في الوقت نفسه”.

ويعود هذا التركيز على إسطنبول إلى عدة أسباب من بينها أنها العاصمة التاريخية للإمبراطورية العثمانية، ومن الباب العالي ظل العثمانيون لقرون طويلة يقودون البلاد العربية ومعظم العالم الإسلامي.

وتعتبر إسطنبول مركز ثقل أردوغان الذي سيطر عليها عندما كان رئيسا لبلديتها. وهذا المنصب هو الطريق نحو بناء السياسات والنفوذ، فأي شخص يشغل هذا المنصب لديه سلطة الموافقة على هذه المشاريع التنموية.

خلال فترة ولايته كرئيس للبلدية، أنشأ أردوغان شبكة قوية من المؤيدين، بمن في ذلك حلفاء داخل حركة خدمة التابعة لفتح الله كولن، من خلال الأشغال العامة المختلفة.

ويواصل أردوغان السير على نفس النهج حيث ما ينفك يطلق مشاريع البناء، خصوصا في الفترات التي تشهد فيها شعبيته تراجعا وترتفع أصوات المعارضين له؛ فمشاريع البناء هذه تساهم في تعزيز قوة النظام في وقت تواجه البلاد تزايد الاعتداءات على أراضيها.

ومن بين الإنجازات الجديدة الأخرى المطروحة خطوط السكك الحديد للقطارات السريعة وفتح محطات جديدة كهرمائية وحرارية ينفذ عدد منها بإشراف رئيس الوزراء الجديد بن علي يلدريم الحليف الوفي لأردوغان والذي تولى سابقا حقيبة النقل.

وكل هذه المشاريع الكبرى، وفق ماركو جان ماركو “ترسم صورة تركيا جديدة يأمل أردوغان في أن تدعمه”. لكن، ولئن كانت هذه الأعمال تصب في مصلحة حزب العدالة والتنمية الحاكم، فإنها تواجه أيضا أصواتا منتقدة تندد بهذه “المشاريع المجنونة” في بحث محموم عن العظمة والربحية. ويبقى المشروع الأكثر إثارة للجدل بناء مطار ثالث يفترض أن ينجز في 2018 ويسمح باستقبال مئتي مليون مسافر، ما سيجعل منه أحد أكبر الإنجازات في العالم.

وأثار الإعلان عن هذا المطار، الذي سينافس مطار أتاتورك الدولي، غضب المنظمات المدافعة عن البيئة التي نددت بـ”مجزرة بيئية” في منطقة حرجية واقعة قرب بحيرة تركس أحد أكبر خزانات مياه الشرب في إسطنبول. وسبق أن أثار أيضا بناء القصر الرئاسي جدلا في أوساط المدافعبين عن البيئة لأنه تم بناؤه على أراضي غابات خضراء محمية، بما شكل مخالفة للقوانين في تركيا.

وقد تجاوزت الاحتجاجات على هذه المشاريع في حالات عديدة حدود التنظيم المدني والبيانات المنددة، على غرار ما جرى سنة 2013 حين تسبب مشروع ترميم ساحة تقسيم الشهيرة والذي يشتمل على إعادة بناء ثكنة عثمانية مكان حديقة جيزي، بموجة من الغضب ضد الحكومة.

وقد كشفت هذه الأحداث حينها عن مدى تسلط النظام الحاكم في تركيا وسيطرته على الأمن الذي سجّل إحدى أعنف مواجهاته مع المدنيين. ويبدو أن المعارضة نجحت، رغم القبضة الأمنية، في كسب رهانها، ولو مؤقتا، حيث يعلق ماركو قائلا “نرى أن النظام تزعزع لأنه لم يلمس حديقة جيزي منذ ثلاث سنوات”، مضيفا “دون شك لقد أرغمت الحكومة على أخذ حركة الاحتجاج في الاعتبار”.

7