إسطنبول مدينة مقاهي "القيل والقال"

في مدينة يحرص السياح العرب على زيارتها سنويا، تمنح المقاهي التقليدية في إسطنبول، فرصة لسكانها وزوارها للانفتاح على بعضهم، لمعرفة ما يدور في المدينة والاستمتاع بتاريخها، وربما للعثور على عمل، وحتى للسؤال عن عريس متقدم لإحدى بنات العائلة.
الاثنين 2016/11/28
زيارة إسطنبول لا تكتمل دون تذوق القهوة التركية

إسطنبول- تحاول المقاهي المتبقية التقليدية في مدينة إسطنبول، اليوم، الحفاظ على بقائها، ومقاومة الصورة الذهنية السلبية لدى الكثيرين حيث يأخذونها كمأوى للعاطلين عن العمل، فضلاً عن محاولات صمودها أمام المقاهي الحديثة التي أصبحت المفضلة، خاصة لدى الشباب، نظراً للإمكانات المتنوعة التي تقدمها. ويعتبر أصحاب المقاهي التقليدية، أن تلك الأماكن التي اعتاد الأتراك والسياح على ارتيادها يوميا ليست مجرد مكان للترفيه، وإنما تقوم أيضا بالحفاظ على تقليد عثماني عريق، بالإضافة إلى دورها الاجتماعي.

وقبل ظهور التقنيات الحديثة، كانت المقاهي التقليدية تستضيف روائيين وشعراء، ويستمتع رواد المقاهي بحكاياتهم وأشعارهم، فضلاً عن توفر الألعاب فيها، مثل طاولة النرد، والشطرنج وغيرهما.

وإلى جانب دورها الترفيهي، كانت أيضاً مسرحًا للنقاشات السياسية بين أصحاب الاتجاهات المختلفة، بخلاف الحوارات الثقافية والتاريخية وغيرها. وأعرب رئيس غرفة أصحاب المقاهي في إسطنبول سردار إرشاهين، عن أسفه لفشل أصحاب المقاهي في مواكبة التطورات التكنولوجية، وهزيمتها أمام سلاسل المقاهي الحديثة. وقال إن “تراث المقاهي التقليدية الممتد إلى حوالي 500 عام، أصبح الآن على وشك الاندثار”. وأضاف أن “عدد المقاهي التقليدية في إسطنبول وصل قديماً إلى 30 ألفاً، إلا أنه تراجع الآن إلى أقل من 10 آلاف، حيث جذبت المقاهي الحديثة التي تخصص أماكن للعب، معظم رواد المقاهي التقليدية”.

المقاهي التقليدية كانت تستضيف روائيين وشعراء

ويحاول أصحاب المقاهي التقليدية المقاومة بعدة طرق، من بينها، كما ذكر إرهاشين “إعداد مشروع لافتتاح أماكن تضاهي بشكل كامل الطراز العثماني في المنطقة التاريخية من إسطنبول”. وأشار إلى أن أعضاء الغرفة أجروا أبحاثاً حول مقاهي العهد العثماني، توصلوا من خلالها إلى أبرز سماتها وسيعملون على تطبيقها في مشروعهم. ومن بين تلك السمات، وجود رفوف للكتب، وتقديم القهوة مصحوبة بالماء فقط كما كان في السابق، بدلاً من الشوكولاتة أو حلوى راحة الحلقوم التي تُقدم الآن.

وفي رده على من يصف المقاهي بأنها مأوى للعاطلين عن العمل، اعتبر إرشاهين ذلك “إهانة” لأصحابها والعاملين بها. وأكد أن “رواد المقاهي يمثلون كافة فئات المجتمع من النساء والرجال من العاملين والعاطلين عن العمل والمتقاعدين، الذين يتناقشون حول الأدب والسياسة، ويشاركون معا أحداث حياتهم”. وأشار إلى “ضرورة عدم النظر إلى أصحاب المقاهي نظرة دونية، حيث أنهم يشاركون أهالي الحي همومهم، حتى أن الأهالي قديمًا كانوا يسألونهم عن العرسان الذين يتقدمون لبناتهم”.

وقالت نهال شيمشيك، الأمين العام للغرفة، والتي تعمل أيضاً في مجال المقاهي، إن “العاملين في هذه الأماكن يتعبون في سبيل لقمة العيش، كما أنهم يستمعون لهموم الزبائن”.ولفتت إلى أن الإقبال على المقاهي تأثر في بداية تطبيق قانون منع التدخين في الأماكن المغلقة، إلا أن رواد المقاهي وأصحابها ما لبثوا أن اعتادوا على ذلك. وتحمل بعض مقاهي إسطنبول التقليدية، تاريخاً مميزاً، وعلى رأسهم مقهى “إرول طاش” الذي تحول الآن إلى مركز ثقافي، والذي كان يمتلكه الممثل التركي الشهير إرول طاش، ودخل من خلاله إلى عالم السينما.

نيفين طاش، ابنة شقيق الممثل الشهير، والتي تتولى مختارية حي “جان كورتران” الذي يوجد فيه المقهى، أوضحت أن عمها افتتح المقهى قبل أن يتجه للتمثيل، وفي أواخر خمسينات القرن الماضي، عرضت عليه شركات الإنتاج الفني التمثيل في أحد الأفلام. وأشارت إلى أن والدها تولى إدارة المقهى بعد أن امتهن عمها التمثيل. ووفق نيفين، فإن “الكثير من المشاهير والمعجبين بعمها مازالوا يأتون لزيارة المقهى الذي تحول إلى مركز ثقافي”.

ويتحسر درويش أيان، صاحب مقهى “إميرغان” الكائن في منطقة “صاماتيا” التاريخية في إسطنبول والذي ورثه عن والده، على الأيام القديمة التي كان الناس فيها يذهبون إلى المقاهي كأحد الأماكن التي تؤوي الأنشطة الاجتماعية التي كانت تجمع بين أهالي الحي، وكانت تستقبل جميع العرقيات الموجودة. وقال“أصبح البعض الآن يتجنب الجلوس في المكان لفترة طويلة، خوفًا من أن يلتقي بأحد أصدقائه، ويضطر لدفع ثمن مشروباته”.

24