إسطوانة التبسيط القطرية للخلاف الخليجي

الثلاثاء 2014/05/13

حين نقل نائب رئيس تحرير صحيفة العرب القطرية، محمد الحجي، في حوار تلفزيوني إسطوانة النظام القطري المشروخة، التي تقوم على تبسيط ما بينها وبين أشقائها الخليجيين، لم أستغرب ذلك كما لم يستغربه أي من المتحاورين، لأننا جميعا لدينا يقين بأن السياسة القطرية في العقدين الماضيين مارست التذاكي والمناورة على طريقة “قل ما يريدون في العلن وافعل ما تشاء في الخفاء”.

محمد الحجي كرر أثناء الحوار أن ما بين قطر ودول الخليج التي سحبت سفراءها في مارس الماضي ليس سوى اختلاف في وجهات النظر. وهذا الاختلاف، حسب قوله، نفخ فيه كثير من الإعلاميين، في هذه الصحيفة وغيرها، لكي يتحول إلى (سعير) لا يهدأ وقد يؤدي إلى إغراق السفينة الخليجية.

وهذا يعني أن القطريين يعملون الآن لينقلب سحرهم على غيرهم وليس عليهم، فمضامين الإعلام غير القطري، حسب زعمهم، هي التي تسعى إلى إفساد علاقات دول الخليج وهي التي تُكوّم الحطب لتشعل المنطقة وتحرق مكتسباتها التنموية والحضارية التي حققتها بشق الأنفس.

هذه اللعبة القطرية في السياسة والإعلام لعبة مكشوفة لم تعد تنطلي حتى على الشعب القطري الذي تصر قيادته على مخاطبته على أساس أن ما بينها وبين الأشقاء الآخرين هو سحابة صيف ستنجلي بعد أن يتفهم هؤلاء الأشقاء أن من حق الجميع أن تختلف وجهات نظرهم تجاه الأشياء.

والأشياء هذه، في حالة التبسيط القطرية المتناهية، تشمل تهديد الأمن الوطني لدول الخليج وسلامتها الاجتماعية ودعم من يناوئون سياسات هذه الدول ويتآمرون مع أعدائها لإسقاط أنظمة الحكم فيها. وقد تكون هذه الأشياء تمويل تنظيمات وجماعات إرهابية في دول عربية أخرى تلتقي مصلحتها ومصيرها مع مصلحة ومصير دول الخليج. وقد أصبح، أيضا، من هذه (الأشياء) أو من باب الاختلاف في وجهات النظر، حسب الإسطوانة القطرية، التسريب الجديد لفيديو المؤامرة بين أمير قطر السابق والقذافي الذي صدم السعوديين والخليجيين والعرب أجمعين، والذي سيضاف حتما إلى الملف القطري الكبير والصعب خليجيا وعربيا.

إنها أشياء، كما ترون، وليست أمورا سياسية أو أمنية تستحق من الخليجيين، كما يبسّط القطريون، اتخاذ موقف من أي نوع. ولذلك يسوّق الإعلام القطري، ممثلا بقياداته وكتابه، بعض المبرّرات التي يمكن أن تعطي عملية التبسيط هذه وجاهتها. على سبيل المثال يستدعي هذا الإعلام تغريدات أو تصريحات محمد دحلان وضاحي خلفان ليضعهما في مقابل خطب وتصريحات يوسف القرضاوي مطالبا بنظرة منصفة لهذه التصريحات من الطرفين، باعتبار أن القرضاوي مثلهما يقول وجهة نظره الشخصية تجاه السعودية أو الإمارات أو مصر.

وهذا يتجاوز حالة التبسيط إلى حالة الاستغباء، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال النظر بالتساوي إلى موقف القرضاوي وموقف دحلان / خلفان، لأن الموقف الثاني تشكل نتيجة للموقف الأول ولم يكن سببا فيه. وما يعبر عنه دحلان أو خلفان إعلاميا يبقى في حدود ردود الفعل، بينما مواقف القرضاوي وتصريحاته، هو أو من يقعون تحت إمرته، ناتجة عن أجندة دولية وإقليمية مرسومة سلفا لتمكين تنظيم الإخوان من حكم مصر، ومن ثم حكم المنطقة برمتها.

بمعنى آخر ليس لدى دحلان أو خلفان أو غيرهما ممّن أفزعهما الموقف القطري من دول مجلس التعاون الخليجي، أية نوايا سيئة أو أي نوع من التهديدات لأمنها الوطني واستقرار أنظمتها الحاكمة، بينما لديهما ولدى غيرهما ألف سبب لاتخاذ مثل هذه المواقف الحادة من القرضاوي ومن احتضان قطر له وللإخوان المسلمين الفارّين والمقيمين على أرضها الذين يحرّضون ويؤلّبون ويجنّدون أتباعهم لإزعاج استقرار دول الخليج من جهة، ولطعن الوطنية المصرية في ظهرها من جهة أخرى.

المثال الآخر على حالة تبسيط قطر لخلافها مع دول الخليج الثلاث، اعتبارها الخلاف منتهيا، وأن عودة السفراء باتت مسألة وقت كما رشح عن بعض التصريحات، بينما هي تعلم قبل غيرها أن أسباب الخلاف الحقيقة لم تنته، وأن الدول التي سحبت سفراءها لا تزال غير مطمئنة لنواياها وإجراءاتها لأنها لم تقدم إلى الآن ما يبعث على اطمئنان هذه الدول. عدا ذلك هي تصر إعلاميا، وإلى الآن، على استفزاز الدول التي تختلف معها. وأقرب مثال على هذا الاستفزاز القطري المتواصل استغلالها لزيارة البابا المصري تواضروس إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وزيارته لمسجد الشيخ زايد، والعزف على وتر تدنيس حرمة المسجد من رجل دين مسيحي.

ينسى القطريون، ضمن مساحة التبسيط والاستغباء التي أعطوها لأنفسهم، أنهم استضافوا بالدوحة الصهاينة قتلة الشعب الفلسطيني، وأنهم تجاوزوا في ذلك كل الاعتبارات الدينية والقومية، بل وتجاوزوا حتى الاعتبارات الإنسانية التي حملها ضد الصهاينة أجانب من غير العرب، دفع بعضهم حياتهم ثمنا لهذه المواقف.

وبالتالي فإن المزايدة على زيارة مواطن عربي مصري شريف مثل البابا تواضروس إلى الإمارات، أو حمل مشعل تدنيس حرمة المسجد، هو من قبيل مغازلة الشعور الشعبي الإسلامي الذي لن يجد القطريين نفعا لأن الشعوب العربية والإسلامية، تعرف أنهم ليسوا أكثر إسلاما أو شرفا من الإماراتيين أو السعوديين.

هذه الحقائق، رغما عن نوايا القطريين في تبسيط أو تبريد أسباب الخلاف مع دول الخليج، تنقل حالة الخلاف على المستوى الخليجي إلى إحدى مرحلتين، إما التجميد أو التصعيد. وأعتقد أن الخليجيين لن يختاروا حالة التجميد لقضاياهم مع قطر، خاصة وأنهم جرّبوا خلال السنوات الماضية أن هذه الحالة أدت إلى تفاقم الوضع ولدخول المنطقة إلى مجموعة من الأنفاق الملتبسة التي تهدد أمنهم واستقرار بلدانهم. كما أن وضع المنطقة العربية، بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربي، يجعل من الصعب على الخليجيين أن يتكهنوا بما يمكن أن ينتج عن الممارسات القطرية المندفعة وغير المحسوبة، بحسب وجهة نظرهم.

ولذلك أعتقد، إن لم تنتصر الحكمة في قطر على المكابرة، فإن الحالة ستتجه إلى مرحلة التصعيد، حيث يمكن وقتها فتح الملفات القطرية التي لا تزال مقفلة تجنبا لإحراج القيادة هناك وللإبقاء، ما أمكن، على شعرة معاوية بين الأشقاء، مع أنني لا أرى بعد تسريب فيديو حمد/ القذافي مجالا لإبقاء أي من هذه الملفات مغلقا، حيث لا يمكن أن يتصور السعوديون والخليجيون أن هناك ما هو أسوأ من ذلك.

لكن ما دامت هذه الملفات المحرجة لم تفتح على المستوى الرسمي، فإن فتحها رسميا في حال التصعيد سيؤدي إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات على مستوى دول مجلس التعاون، تتجاوز مسألة سحب السفراء الثلاثة وتضر بقطر سياسيا واقتصاديا، عدا الضرر الذي سيلحق بصورتها لدى شعوب دول المنطقة الذين ينتصرون للحمة والوحدة والاستقرار الخليجي بشكل عام.


كاتب سعودي

8