إسقاط الرمادي فائدة إيرانية مزدوجة

الثلاثاء 2015/05/19

سيطر تنظيم داعش على معظم محافظة الأنبار، بعد أن استولى على المجمع الحكومي وسط مدينة الرمادي عاصمة المحافظة. يذكر هذا السقوط الدراماتيكي لمدينة، فشل مسلحو التنظيم على مدى أكثر من عامين في اقتحامها، بسقوط الموصل حيث انهارت بشكل مفاجئ كل قطعات الجيش الحكومي المتمركزة داخل المدينة وعلى أطرافها. ويتكرر سيناريو انسحاب الجيش في الرمادي، وهو الذي كان يشكل قوة إسناد أساسية لمجاميع الصحوات العشائرية، التي كانت تتولى مهام الدفاع عن المدينة.

الرمادي ومساحات كبيرة من الأنبار خارج سيطرة الحكومة، وبذلك يكون تنظيم داعش قد حقق ثاني أهم نصر عسكري له بعد احتلاله للموصل، أما إستراتيجيا فتحتل الرمادي مكانة أهم من الموصل وتكريت لقربها من بغداد، ومحاذاتها لكربلاء ذات الغالبية الشيعية، والتي طالما هدد داعش باقتحامها.

وطالما شكلت محافظة الأنبار أهمية قصوى للإيرانيين، كونها تمثل المعبر الرئيسي باتجاه سوريا ومن المعلوم أهمية سوريا بالنسبة إلى المشروع الإمبراطوري الإيراني الذي يمتد حتى سواحل لبنان، لذلك حظيت الأنبار سابقا ومركزها الرمادي بحماية كبيرة من قبل الحكومة العراقية، في أحلك ظروفها العسكرية سوادا، وتُرجم ذلك في الدعم والإسناد اللذين قدمتهما الحكومة السابقة برئاسة نوري المالكي لمجالس الصحوات “السنية” في المحافظة، والحرص على إبقائها كخط دفاع أساسي عن المدينة، والذي حال دون سقوطها بيد التنظيم المتطرف طوال الفترة التي سبقت وأعقبت سقوط الموصل وتكريت، بينما عملت ذات الحكومة، وبشكل ممنهج على إنهاء مجالس الصحوات، التي شكلها الأميركيون لمحاربة تنظيم القاعدة أواخر عام 2006، وملاحقة منتسبيها وتصفيتهم في معظم المحافظات والمناطق ذات الغالبية السنية.

قد يبدو أن في الحدث ضربة موجعة لطهران، تمثلت بخسارتها للامتداد البري مع سوريا، واقتراب داعش من عمق هيمنتها في بغداد وكربلاء، إلا أن في ما سبق سقوط الرمادي من تحركات عسكرية داخل الأنبار، مؤشرات على وعي إيراني مسبق بما سيحدث، وربما تخطيط ومشاركة في صنع الحدث، وهذا ما تقوله عدة تحركات استباقية قامت بها تشكيلات الحشد الشعبي الموالية لإيران، تمثلت في السيطرة على مواقع إستراتيجية وتحصينها داخل المحافظة، قبل أسابيع مضت، وأهم تلك المناطق منطقة النخيب، التي تشرف على الطريق الذي يصل العمق العراقي بالأراضي السورية، ومحاذاتها للحدود السعودية وتحكّمها بطريق الحج، عدا خلق حزام حمائي لكربلاء ينطوي على نحو أربعة آلاف كيلومتر مربع.

انسحاب الجيش من قلب الرمادي، بدا وكأنه تسليم للمدينة إلى مسلحي داعش، وتخل كامل عن قوات الصحوة العشائرية وتركها لمصيرها المحتوم بالانهيار والتصفية.

فهذا الأمر الذي تم بعد إعداد حكومي لخوض معركة تطهير الأنبار من مسلحي التنظيم، وتكليف رئيس الوزراء حيدر العبادي، وزير دفاعه للوقوف على التجهيز للمعركة، والإشراك الفعال للعشائر السنية كبديل عن الحشد الشعبي، أتى مفاجئا حتى للعبادي نفسه، الذي بدت عليه علامات الصدمة في كلمته الأسبوعية، وهو يتحدث عن ساعات مقبلة ستقلب الموقف لصالح قواته، بينما يحاصر مسلحو داعش اللواء الثامن الذي يشكل آخر معاقل القوات الحكومية في المحافظة.

دفع الإيرانيون في الفترة الأخيرة، باتجاه عرقلة مساعي حكومة حيدر العبادي، في خوض معاركه بشكل منفصل عن الميليشيات الموالية لهم، وهو الذي يحاول أن يستجيب لمطالب الأميركيين، بإشراك العشائر السنية في تحرير المناطق التي يحتلها تنظيم داعش، وإبعاد ميليشيات الحشد الشعبي والتي باتت محل رفض مطلق من قبل العشائر السنية في الأنبار، خصوصا بعد النموذج الكارثي الذي خلقوه في تكريت، الأمر الذي رفضته ميليشيات الحشد، وهددت بالدخول إلى الأنبار دون الالتفات لأوامر رئيس الوزراء.

فالعبادي الذي يبدو أنه علق كل آماله على إنجاز نصر عسكري في الأنبار، يعيد الاعتبار لهيبة “الدولة” العراقية وتعزيز حضورها، تلقى أخيرا ضربة من خارج السياق، أفقدته آخر ما عول عليه من أدوات قوة عسكرية، متمثلة بقطاعات الجيش الحكومي المتمركزة في مناطق الرمادي ومحيط بغداد، والتي يوضح انسحابها المفاجئ نحو العاصمة، بأن مفاتيح محركاتها الداخلية لا تزال بأيدي قادة الميليشيات، وبالأخص رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي عمل على بناء ولاءات خاصة داخل الجيش طوال فترة حكمه، عدا عن التغلغل الكبير لميليشيا بدر داخل صفوفه.

فإسقاط الرمادي بيد داعش، هو ضربة كبيرة لمشروع تسليح العشائر السنية، والذي تسعى الولايات المتحدة لإدخاله حيّز التطبيق، بالتعاون مع الحكومة وبالتنسيق مع بعض الدول الإقليمية. فالأنبار تشكل الخزان العشائري الأكبر في المنطقة الغربية والشمالية نظرا لطابعها العشائري، بخلاف الموصل وصلاح الدين، التي تشغل مناطق الحضر فيها حيّزا واسعا، عدا عن وجود قوات الصحوة العشائرية فيها، والتي طالما اعتبرت أميركيا النواة الأساسية لمشروع بناء قوة عشائرية مسلحة، عدا احتواء المحافظة لمعظم القواعد العسكرية المعدّة لتدريب قوات العشائر، من بينها قاعدة البغدادي التي يتمركز فيها الخبراء العسكريون الأميركيون، والتي تبعد عن الرمادي قرابة 85 كيلومترا.

هنا تبدو الفائدة الإيرانية لسقوط الأنبار بيد داعش، من أعظم الفوائد الإستراتيجية التي جنتها طوال فترة الحرب الدائرة ضد التنظيم على أرض العراق، فلا وجود لقوة أقدر على تشتيت القاعدة العشائرية السنية وتصفيتها أكثر من داعش، وها هو الحشد الشعبي يسوّق لنفسه على أنه خط الدفاع الأول عن العراق بعد فشل الجيش أو إفشاله في وقف تمدد التنظيم الإرهابي في المحافظة.

كاتب عراقي

8