إسكات الإعلام المعارض يقود الجمهور المصري إلى المنصات الخارجية

قرار إيقاف برنامج الإعلامي إبراهيم عيسى، على فضائية “القاهرة والناس” أثار حالة من القلق الشديد داخل الوسط الإعلامي المصري، حول مدى تدخل أجهزة حكومية في إدارة الإعلام، لإسكات الأصوات المعارضة.
الثلاثاء 2017/01/03
توازن الإعلام المصري يتأرجح مع إقصاء الأصوات المعارضة

القاهرة – أعاد وقف برنامج “مع إبراهيم عيسى” إلى الأذهان، ما جرى مع بعض الإعلاميين الذين تمتعوا بجرأة استثنائية في مناقشة قضايا سياسية وحياتية شائكة، حيث جرى خلال عام 2016 اختفاء إعلاميين عن الفضائيات المصرية، كانت لهم سياسة إعلامية تختلف عن تلك التي يقدمها باقي الإعلاميين المحسوبين على النظام، وكان في مقدمة المختفين، عمرو الليثي، ويسري فودة، ومحمود سعد، وريم ماجد، ورانيا بدوي، واللبنانية ليليان داوود.

وأصدر عيسى بيانا، الأحد، تحدث فيه عن وقف برنامجه مساء السبت، وعن ضغوط أجبرته على ذلك، قائلا “إن مجريات الوقائع، وطبائع المقادير، تقود إلى أن أترك مساحة التعبير التلفزيوني لمرحلة أخرى”.

وأضاف “بعدما أحاط الجمهور برنامجي باهتمام بالغ، وتفاعل مدهش، وجدل متجدد، ونقاش واسع، جعل حلقاته على درجة من التأثير الذي عبر حدود تأثير مجرد برنامج تلفزيوني، ألقيت عليه أعباء، وتعرض معه لأنواء، وأحيط بالضغوط التي تدفعه إلى التوقف”.

ويرى مراقبون أن وقف برنامج عيسى، سواء كان بإيعاز من دوائر في الحكم، أو بتبرع من القناة نفسها للحفاظ على مصالح مالكها طارق نور، فإن ذلك يضرب آخر ما تبقى من توازن في الإعلام المصري، حيث أن الأصوات الإعلامية المحسوبة على النظام، والتي تروج لإنجازاته وتدافع عنه باستماتة، كانت تقابلها أصوات أخرى، تنتقد السياسات، وتركز على السلبيات، وتتحدث بلسان الناقمين على الأوضاع في البلاد، وذهب هؤلاء، إلى أن المشهد الإعلامي في مصر حاليا، أصبح بمثابة “إعلام الصوت الواحد”.

محمد شومان: عدم وجود منصات إعلامية معارضة يجعل مصداقية الإعلام على المحك

وكان المشاهد المصري، يجد في بعض الأصوات المعارضة - ويتصدرها إبراهيم عيسى - متنفسا للتعبير عن همومه وطموحاته وآرائه في السياسة التي تتبعها الحكومة، خاصة وأن حالة الغضب الشعبي تتصاعد هذه الأيام، مع موجة ارتفاع الأسعار بعد تعويم الجنيه أمام العملات الأجنبية، ما أثر على الأحوال المعيشية بشكل كبير.

وكان مجلس النواب، برئاسة علي عبدالعال، خصص جلسة كاملة مؤخرا لمناقشة ما يتناوله إبراهيم عيسى ضد أداء البرلمان وسياساته، وهدد باتخاذ إجراءات عقابية “غير متوقعة” ضده، بذريعة أنه يثير الفتن في البلاد، واعتاد الوقيعة بين مؤسسات الدولة والشارع.

وجاء غضب البرلمان بعدما قال عيسى إن البرلمان يستغل حادث تفجير كنيسة البطرسية، بوسط القاهرة، (منتصف ديسمبر الماضي)، كمقدمة لتعديل الدستور، بما يسمح بمد فترة حكم الرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى 6 سنوات بدلا من 4 فقط، وأن نواب المجلس ينافقون رئيس الجمهورية على حساب الشارع، وتجرأ عيسى قائلًا “إن عدم وجود البرلمان كان أفضل لمصر بسبب وقوفه ضد الشعب”.

ويوحي ما حدث مع عيسى وآخرين، بأن الإعلام المصري في طريقه إلى أن يكون إعلاما “بلا معارضة”، أو أن تلك المعارضة – إن وُجدت- فلا بد أن تكون في حدود ما ترضى عنه دوائر الحكم، وفي مقدمتها مجلس النواب.

ولم يستبعد محمد شومان، الخبير الإعلامي، وعميد كلية الإعلام بالجامعة البريطانية بالقاهرة، أن يكون ما جرى لعيسى، إحدى نتائج وجود مصالح لرجال الأعمال من أصحاب القنوات الفضائية الخاصة ويخشون عليها، وبالتالي فإنهم يجدون أن من السهل عليهم التضحية بالإعلامي، للحفاظ على هذه المصالح.

وحذر شومان من خطورة ذلك على مستقبل الإعلام المصري، حيث لن يجد الغاضبون، أو الناقمون على الأوضاع في البلاد بشكل عام، أي متنفس لهم يعبر عن حياتهم وأفكارهم وتوجهاتهم.

وأشار في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن عدم وجود منصات إعلامية معارضة، تتكلم بلسان الغاضبين، مقابل بقاء المنصات الأخرى التي تروج للمزايا والإيجابيات، وتتحدث بلسان المناصرين والمؤيدين على مدار الوقت، يقضي على التعددية في الإعلام، ويزيد من النمطية، ويضاعف من أزمات الإعلام، ويجعل مصداقيته على المحك.

ورأى متابعون، أن استمرار إقصاء الأصوات المعارضة، يثير الشكوك حول جدية الحكومة المصرية، في توسيع نطاق حرية الرأي والتعبير خلال الفترة المقبلة، أو حتى دعم الإعلام وتحريره من القيود والتدخلات والتضييق ليستوعب الأصوات المعارضة والمؤيدة معا، خاصةً بعد التشريعات الإعلامية والصحافية، التي جرى إقرارها منتصف ديسمبر، وكان من بين نصوصها التأكيد على حرية الرأي والتعبير دون تدخل من أيّ جهة كانت.

وشدد منتقدو قرار وقف برنامج عيسى، على أن الحكومة تسعى إلى سن تشريعات إعلامية “على الورق فقط”، لتقول للخارج إنها تحصّن الإعلام وتمنحه الحق في المعارضة، لتحسين صورتها في الخارج، وإزالة الاتهامات الواقعة عليها من منظمات حقوقية دولية.

وعلى جانب آخر، رأى مؤيدو إقصاء الأصوات الإعلامية المعارضة، أن اختفاء إبراهيم عيسى ومن يسيرون على نهجه، سوف يساعد الحكومة على الخروج من المآزق التي تواجهها حاليا، ويتهم هؤلاء المؤيدون إعلام المعارضة، بأنه يناقش قضايا شائكة، ويتناول موضوعات حساسة، قد تزيد من الأوضاع سوءا.

ووسط هذا التباين، تزايدت المخاوف من أن غياب الوجوه الإعلامية المعارضة، التي تمثل وجهة النظر الأخرى، سيدفع الجمهور إلى متابعة الإعلام الخارجي المناوئ للنظام، وقطعا ستكون قنوات الإخوان، التي تبث من الخارج، في الصدارة.

وبدوره أكد أشرف بيومي، أستاذ الإعلام بالمعهد العالي للصحافة والإعلام بالقاهرة، في تصريحات لـ”العرب”، أن الخطورة هنا تكمن في أن ممارسة المزيد من القيود على الأصوات الإعلامية المعارضة، تصب في مصلحة الإعلام الخارجي المعارض للنظام المصري، لأن المُشاهد وقتها سيبحث عن أي إعلام آخر يتحدث بلسانه مهما كانت توجهاته، فضلا عن الاتجاه إلى الأصوات المعارضة في مواقع التواصل الاجتماعي رغم عدم دقتها.

18