إسلاميونا والتجربة التركية

الاثنين 2015/11/09

شكلت الانتخابات التركية محطة جديدة لاختبار مواقف التيارات الإسلامية في البلدان العربية من تجربة الإسلام السياسي في تركيا، كما تمثلت بحزب “العدالة والتنمية”، الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، والذي يدير تركيا منذ عام 2002.

وفي الواقع فإننا إزاء تجربة مختلفة، أولا لأنها ناجحة بمعايير إدارة الاقتصاد والمجتمع والسياسة في تركيا، في مقابل إخفاق تجارب الإسلام السياسي في البلدان العربية على أكثر من صعيد؛ وضمنها إخفاقه في التكيف مع الشروط الموضوعية. وثانيا، لأن منطلقات هذا الحزب تختلف عن المنطلقات التي يتبناها الجسم الرئيس في التيارات الإسلامية العربية المتمثلة بجماعة “الإخوان المسلمين”، لجهة النأي عن شعار “الإسلام هو الحل”، وعن التطبيق الحرفي للشريعة أو القول بـ”الحدود” أو بـ”الحاكمية” أو بالخلافة. وثالثا، لأننا إزاء تجربة لتيار إسلامي يقبل بالعلمانية وبالديمقراطية وبتداول السلطة، وتقديم نفسه بمعايير الإنجازات في المشاريع الاقتصادية ورفع مستوى التعليم والإنتاج، وهي ليست حال التيارات الإسلامية العربية التي لم تجد بعد طريقها إلى التصالح مع الواقع والعصر.

على أي حال لم تكن هذه “الصدمة” الأولى للتيارات الإسلامية عندنا إزاء التجربة التركية، إذ ربما كانت الأولى حصلت إبان زيارة أردوغان إلى مصر (سبتمبر 2011)، والتي برزت أثناءها تصريحاته عن المصالحة بين الإسلام والعلمانية، وهو الخطاب الذي استفز “الإخوان المصريين”، إلى درجة حملتهم إلى الرد عليه ورفض أطروحاته، بدعوى أن ظروف مصر مختلفة، ووصل بعضهم حد نزع صفة الإسلامية عن العدالة والتنمية التركي.

وكان أردوغان تحدث إلى برنامج منى الشاذلي يوم 12 سبتمبر 2011 بالقول إن “الدولة العلمانية لا تعني دولة اللادين، متمنيا وجود دولة مدنية تقوم على احترام جميع الأديان والشرائح في المجتمع في مصر. وأن العلمانية لا تتعارض مع الدين بل يجب عليها أن تتعايش معه، وأن معناها وقوف الدولة على مسافة متساوية من جميع الأديان، أما الأشخاص فلا يكونون علمانيين، يستطيعون أن يكونوا متدينين أو ضد الدين أو من أديان أخرى، فهذا شيء طبيعي”.

هكذا، وعلى خلفية الفوز الذي حققه حزب “العدالة والتنمية” في الانتخابات التركية، يمكن ملاحظة موقفين رئيسيين، الأول، يحتفي بالنجاح كأنه بمثابة نجاح له، دون أن يذهب أصحاب هذا الموقف إلى إجراء مراجعة نقدية لأحوالهم ومنطلقاتهم وتجاربهم، بالقياس على التجربة التركية التي يشيدون بها. أي أن هذا التيار معجب بالتجربة التركية لكنه عاجز عن تمثلها. والثاني يحتفي بالنجاح المتحقق لحزب العدالة والتنمية لكن بحدود، إذ يؤاخذ عليه قلة منسوب الدين أو الإسلامية فيه، بل إن البعض وصل حد إخراج هذا الحزب من دائرة التيارات الإسلامية، لأنه يعترف بالعلمانية وبالديمقراطية وبتداول السلطة. بمعنى أن ما يجمع وجهتيْ النظر هاتين، أنها لا ترى عجز التيارات الإسلامية العربية، وأنها لا تريد أن تدرس أو أن تتعلم من تجارب الآخرين، وفوق هذا أنها لا تريد أن تتفهم بأنه في ظل الديمقراطية فقط، يمكن لكل التيارات أيا كان نوعها أن تتعايش، وأنه في ظل ذلك يمكن لحزب إسلامي ما أن يصل إلى السلطة حتى في بلد علماني، باعتبار أن النظام السياسي الديمقراطي يتأسس على التنوع والاعتراف بالآخر وتداول السلطة والفصل بين السلطات والمساواة بين المواطنين.

مشكلة الإسلاميين عندنا، من الذين يرفضون التجربة التركية، أنهم ذاتهم مرفوضون من جماعات إسلامية أخرى أكثر تطرفا، مثل “داعش” وجماعات القاعدة والجماعات السلفية، إذ أن التطرف دوامة لا نهاية لها. ومشكلتهم أيضا، أنهم لا يدركون أنهم لا يمتلكون تجربة يمكن التمثل بها، وأن النماذج القائمة من الصومال إلى السودان إلى إيران إلى حزب الله إلى غزة لا تشكل نموذجا يحتذى. مشكلتهم فوق كل ذلك أن كل جماعة إسلامية تدعي أنها التيار الصحيح وأنها تحتكر تمثيل الإسلام والمسلمين.

باختصار فإن التيارات الإسلامية في مأزق كبير إذا ظلت في قطيعة مع الواقع والعصر.

كاتب سياسي فلسطيني

9