إسلاميو الجزائر بين المرجعية المحلية والولاءات الخارجية

المقاربة التي يمكن أن تقدمها الدولة في الجزائر في معضلة مكافحة التطرّف ومحاصرة الإرهاب، لا يمكن أن تكون ذات جدوى، وذلك لانعدام الثقة بين الدولة والمجتمع.
الأربعاء 2018/05/02
بازار للإسلام السياسي

الجزائر – عادة ما تتوهم بعض السياسات المرتعشة في محاربة التطرف بأنها تجترح الحلول عبر اللجوء إلى من هم أصل الأزمة أي أنها تلوذ وتستجير ببعض الجماعات والشخصيات الدينية غير المهتمة بالشأن السياسي، ظنا منها أن تلك الجهات قادرة على إقناع الجمهور العريض من الناس بضرورة الابتعاد عن المغالاة والتطرف في الدين، وتكون النتيجة بأن يناصب الناس العداء لهؤلاء متهمين إياهم بالعمالة والارتزاق للحكومات الفاسدة، ويتمسكون بالجماعات الإسلامية التي يرون في خطابها “ردا مقنعا” على حالات الفساد المستشري.

وفي هذا الصدد، يقول أستاذ العلاقات الدولية أنور بوخرص “لقد زاد ظهور الانتفاضات العربية لسنة 2011 في أهمية السلفيين المسالمين بالنسبة إلى الدولة حيث أصدرت كل شخصيات ما يعرف بالسلفية العلمية، دعوات للجزائريين إلى التصدي لموجة الاحتجاج التي تعصف بالعالم العربي… وتسبب هذا في دق أسفين بين الحكام والمحكومين مما فاقم الانقسامات الاجتماعية، وهذا بدوره سيؤدي لا محالة إلى انعدام الاستقرار واستفحال الفساد”.

 

كيف يعوّل على واقع شديد القتامة من حيث استشراء الفساد الذي هو أصل العلة في احتضان جيوب التطرف وتمويل الإرهاب والاستثمار في كل أشكال التخلف وتغلغل الأفكار الجهادية؟ وهل يمتثل شيوخ السلفية في الجزائر إلى الإرادة السياسية المتجهة نحو محاربة التطرف كما هو الشأن في السعودية أم أن الأمر يختلف باختلاف سياسة الدولة وتباين الأوضاع المعيشية والخصوصية المجتمعية؟

استئصال التطرف والقضاء الكامل على الإرهاب - كما هو معروف ـ غاية يصعب إدراكها في أكثر البلدان شفافية وتنسيقا وقوة في اعتماد التدابير والإجراءات الوقائية وفق استراتيجيات ناجعة، فما بالك في الجزائر، البلد الذي يتخبّط في أكثر من أزمة على المستويين الأفقي والعمودي أي في هيئات وهياكل الدولة من جهة، والتركيبة التي تخص العلاقات الاجتماعية من جهة أخرى، ومن ثم علاقتها بالدولة ونظام الحكم.

وفي هذا الشأن تعلّق الباحثة في الشأن الجزائري داليا غانم يزبك، بالقول “مهما تفعل الدولة للسيطرة على المجال الديني لا يمكنها إلزام أو ضمان اعتماد الناس على الأجهزة والأشخاص الرسميين في توجههم الديني”. وتضيف الباحثة “في الواقع، خاب أمل الشباب الجزائري، وفقدوا الثقة في مؤسساتهم الدينية” معللة بأنه، وأمام هذا الوضع، “ينجذبون إلى أصوات دينية أخرى وخاصة أولئك الذين يقدّمون حلولا سهلة لمسائل معقدة ضمن نظرة طوباوية للعالم”.

يرى مراقبون أنّ المقاربة التي يمكن أن تقدمها الدولة في الجزائر في معضلة مكافحة التطرّف ومحاصرة الإرهاب، لا يمكن أن تكون ذات جدوى، وذلك لانعدام الثقة بين الدولة والمجتمع الذي بات يشكّك في غالبية هياكل الدولة ومشاريعها ومؤسساتها بما في ذلك الشخصيات الدينية الرسمية، والتي من الأحرى أن تقوم على عاتقها مهمة التوجيه نحو التدين المعتدل ونبذ المغالاة والتطرف.

هذه الحالة المزرية من انعدام الثقة بين المثلث المتكوّنة أضلاعه من الحكومة والمجتمع ورجال الدين، لا وجود لها في بلد مثل السعودية، والتي استطاعت أن تمضي بسلاسة في المسيرة التي أطلقها وليّ العهد، الأمير محمد بن سلمان.

ما يدعو للمقاربة بين البلدين في هذا الأمر هو أن النموذج السعودي يسير بخطى ثابتة نحو التحديث والتطوير وتكريس الإسلام المعتدل، بينما تتعثر الحرب على التطرف والنفوذ السلفي في الجزائر رغم أن الكثير من متشدّدي هذا البلد المعروف بتعدد فرقه وتنظيماته السلفية، كانوا ينتفعون من الدعم السعودي، ويتخذون من شيوخها مرجعيات فقهية. هذه “المرجعيات الفقهية” السعودية هي اليوم في طريقها إلى الزوال أو الاحتجاب، بفعل الامتثال إلى الإرادة السياسية التي أعلنتها المملكة، ولكن ما هو مصير “مريدو” تلك المرجعيات والجماعات الفقهية السعودية اليوم في الجزائر؟ هل أصبح الاثنان في حلّ من بعضهما البعض أم أن السعودية قادرة التأثير في مريدي وتلاميذ الأمس بالشكل الذي يكبح التطرف والمغالاة، خصوصا أن المتدينين في الجزائر كانوا ولا يزالون أقرب مسافة إلى شيوخ السعودية منهم إلى شيوخ الجزائر. وأظهرت دراسة حديثة بأن الكثير من الجزائريين يلجؤون في الإعلام الاجتماعي إلى علماء الدين السعوديين والمصريين عوضا عن الجزائريين.

ويذكر أن بعض الشيوخ السعوديين مثل محمد العريفي، وهو محافظ متشدّد مثير للجدل معروف بخطبه المعادية للنساء وللشيعة، ويصنّف من بين الشخصيات المئة العالمية والعشرة العربية الأولى في الإعلام الاجتماعي حيث يملك 21.6 مليون متابع على التويتر و24.3 مليون على الفيسبوك، يفاخر بمتابعة في الجزائر أكبر من المملكة نفسها. وقالت الدراسة بأن العريفي له مليون متابع جزائري مقارنة بـ1.3 مليون سعودي.

وفي وقت سابق هذا العام أوردت تقارير صحافية جزائرية تفاصيل عن نشر السعودية لشكل من الإسلام الصوفي غير السياسي لكن منتقديه يقولون بأنه لا ينسجم مع هذا البلد الشمال أفريقي. ونشر الإعلام خطابا لشيخ سعودي بارز عيّن ثلاثة شيوخ جزائريين ممثلين للسلفية.

مصداقية الشيوخ المدعومين من الدولة تتضرر، إذ ينظر إليهم على أنهم أبواق دعاية للأنظمة والحكومات الفاسدة

وهنا يسلط الجدل حول الدعم السعودي للشيوخ السلفيين، الضوء على مسألة كيف أن مراقبة الدولة (التي كثيرا ما تمارس من خلال التحكم بدرجة محدودة في خطب الجمعة أو تسديد أجور رجال الدين فضلا عن مراقبة المساجد والنصوص المدرسية) عادة ما تأتي بنتائج عكسية. وتتضرر مصداقية الشيوخ المدعومين من الدولة، إذ ينظر إليهم على أنهم أبواق دعاية للأنظمة والحكومات الفاسدة.

كما يُبرز ذلك المنحدر الذي انساقت إليه حكومات تلعب على الوازع الديني وتتحالف مع رموز التدين وشيوخه أو في حالة تركيا التي تتبنى فيه الدولة الإسلام السياسي وتستعمل قوتها لفرضه وتصديره ورعاية ودعم تنظيماته في الخارج.

أما عن التيار السلفي في الجزائر، ورغم محاولات زعيم التيار العالمي ربيع المدخلي، إنقاذ الموقف بسحب المشيخة من محمد علي فركوس، لتلافي الصدام بين أتباع السلفية في الجزائر والسلطة، إلا أن الهوة بدأت تتوسع بين الطرفين، بعد إقرار وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، بإدراج تدابير مشددة بشأن الأئمة والمتطوعين الذين سيضطلعون بإمامة روّاد المساجد خلال شهر رمضان.

فركوس، الذي اصطدم أكثر من مرة مع جماعة الإخوان، واتهم أيضا بالتكفير، مما يعكس توظيفات سياسية متضاربة داخل الحكومة. وكان زعيم التيار السلفي قد أصدر خلال الأسابيع الماضية، فتوى تقضي بـ”براءة مذهب أهل السنة والجماعة، من التيارات الإخوانية والصوفية والإباضية والأحزاب الإسلامية”، وهو ما أثار ردود أفعال واسعة وقوية في الساحة الجزائرية، بما فيهم بعض القيادات المحسوبة على التيار على غرار لزهر سنيقرة، ومجموعة الـ12 التي تبرأت في بيان لها من فتوى زعيمهم.

ووصف وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، فتوى الزعيم السلفي بـ”معول الهدم الذي يستهدف تماسك المجتمع الجزائري، من طرف جهات خارجية، وبالمتجاوزة للحقائق التاريخية للمرجعية الدينية في الجزائر”.

ويقول الباحث في شؤون شمال أفريقيا جورج جوف “يجد الأئمة الذين ترخص لهم الدولة في الجزائر أنفسهم تحت ضغط هائل، في المساجد المستهدفة، لتكييف تعاليمهم مع مبدأ السلفية، حتى وإن تحدى ذلك سلطة وزارة الشؤون الدينية”، وهو ما يعكس صراعا بين أطراف ذات مصالح متضاربة.

13