إسلاميو الجزائر في صراع لتمكين مرجعياتهم داخل المجتمع

الخلاف بين أكبر التيارات الدينية في الجزائر بلغ أوجه، حيث يتهم السلفيون جمعية العلماء المسلمين بالماسونية.
الأربعاء 2020/06/03
سلفيو الجزائر يتطلعون إلى صناعة مناخ اجتماعي معين

تسعى بعض التيارات الإسلامية في الجزائر إلى إشاعة مرجعيتها الدينية بين أفراد المجتمع عبر تعمدها توظيف مواقفها من السلطة سواء السلبية أو الإيجابية، ويظهر هذا السعي المحموم مستوى التنافس بين تيار السلفيين والإخوان في البلاد وهو ما عكسته النقاشات الحادة بينهم والتي تصاعدت خلال الفترة الأخيرة وتردد صداها في المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، ما جعل كل طرف يسابق الآخر لنشر نواياه المبطنة وأجندته ويعري خطابه المزدوج في سجال لا يخرج عن الخلافات الجوهرية للإسلاميين.

الجزائر - تحول موقف تيارات الإسلام السياسي من السلطة إلى مطية للتفرد بالمرجعية الدينية في البلاد، ففيما يحاول السلفيون توظيف دعمهم للنظام السياسي القائم من أجل افتكاك أفضلية تيارهم في الشارع الشعبي، لا يتوانى الإخوان في تبني التيار الإصلاحي القديم ليكون مرجعية متأصلة في المجتمع الجزائري.

خرج غسيل التيارات الإسلامية النافذة في الجزائر إلى العلن، بعد تصاعد السجال والتهم المتبادلة بين أقطاب وقيادات التيارين السلفي والإخواني، حيث تحولت العديد من المنابر الإعلامية وصفحات شبكات التواصل الاجتماعي، إلى منصات للتنافس على فرض الوصاية الدينية على المجتمع.

وأفرزت التحولات الاجتماعية والسياسية القائمة في البلاد خاصة في الآونة الأخيرة، صراعا مذهبيا من أجل التفرد بالمرجعية الدينية للشارع الجزائري؛ ففيما يتبنى التيار السلفي خطابا “يحرّم التظاهر والخروج عن الحاكم”، وهو ما قدم خدمة جليلة للسلطة رغم محدودية تأثيرها في المجتمع، فإن التيار الإخواني ارتدى ثوب المد الإصلاحي الذي كان يمثل أحد أقطاب الحركة الوطنية خلال الحقبة الاستعمارية.

وإذا كان سلفيو الجزائر لا يتطلعون إلى ممارسة السلطة أو الخوض فيها، وأن ما يهمهم هو صناعة مناخ اجتماعي معين، فإن الإخوان لا يتوانون في قيادة شؤون البلاد وفرض مشروعهم السياسي فيها، ولا يتحرج الطرفان من الولاء لعواصم دينية وسياسية إقليمية، ومن تسخير بلدهما ليكون مخبرا لتجريب مشاريع دينية وسياسية مستوردة.

ولما اختار أنصار زعيم السلفيين محمد علي فركوس التواري عن الأنظار بعدما فشلوا في تثبيط الشارع الجزائري عن الانتفاضة السياسية، كان التيار الإخواني بمختلف فعالياته الحزبية والجمعوية في عمق الحراك الشعبي لكنه فشل في اكتساب مواقع متقدمة بسبب إصرار الاحتجاجات السياسية على تجاوز الخلفيات الأيديولوجية، وتركها لما بعد ما أسمته بـ”رحيل النظام وتحقيق تغيير سياسي شامل في البلاد”.

وأبرز مؤشر على يأس الإخوان من الاستحواذ على الحراك الشعبي، التصريحات التي أطلقها رئيس حركة مجتمع السلم عبدالرزاق مقري، حول ما وصفه بـ”هيمنة بعض الأطراف العلمانية المتطرفة على الحراك”، وذلك لتبرير الانسحاب الإخواني من الاحتجاجات السياسية والانخراط في المسار السياسي الذي رسمته السلطة.

 ويبدو أن القطيعة بين تيارات الإسلام السياسي في الجزائر قد وصلت إلى نقطة اللارجوع في ظل السجال المتجدد بين قياداتها بمناسبة وبغيرها، خاصة مع خروج أتباع التيار السلفي عن تحفظهم وتوجيه حملة ضد التيارات المنافسة لهم في تأسيس المرجعية الدينية للمجتمع على غرار الإخوان والصوفيين.

سجال محتدم يكرس خلافات الإسلاميين الجوهرية وينشر غسيلهم علنا
سجال محتدم يكرس خلافات الإسلاميين الجوهرية وينشر غسيلهم علنا

وهو ما اضطلعت به “جمعية علماء المسلمين الجزائريين” المحسوبة على تيار الإخوان، للرد على رموز السلفية وإخراج مفاجئ لغسيل الإسلاميين، شأنهم شأن مختلف التيارات والأحزاب السياسية الناشطة في المشهد المحلي.

وذكر في هذا الشأن رئيس الجمعية محمد الهادي حسني “ما كنت أحسبني، أحيا إلى زمن، أُضطر فيه إلى التردي في هذا الدرك الأسفل من السقوط. وما كنت أدري، أيضا أني سأضطر يوما ما إلى سل قلمي من غمده، وقد كان معدا، لمنازلة الأعداء والأشرار، إلا لأواجه به إخوة، كنا نعدهم من الأخيار”.

وأضاف في منشور له، على مواقع التواصل الاجتماعي، “كان من المفروض، أن تجمعنا بهؤلاء الإخوة سلامة التوحيد وصحة العقيدة، وحسن الأداء في الدعوة بالمنهجية السديدة، وصدق الانتماء إلى السلفية الباديسية الأصيلة الصحيحة الرشيدة، ولكن نقول هذا بمرارة، ونحن نرى الحملة الشرسة التي يشنها البعض، باسم السلفية المستوردة، على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، واصفين إياها بشتى الأوصاف دون علم، ومسقطين عليها شتى النعوت بغير فهم”.

وتخوض جمعية العلماء المسلمين في مختلف المسائل والقضايا السياسية في البلاد، وتعكف على تجديد ما يعرف بـ”الفكر الباديسي الإصلاحي”، رغم الجدل غير المحسوم حول ما يوصف بـ”خذلان” التيار الديني الإصلاحي لثورة التحرير (1954 – 1962).

في حين يتمسك التيار السلفي رغم خلافاته الداخلية، بالانضواء تحت الخطاب الديني المُطَعّم بالرسائل السياسية التي تستهدف عدم استعداء السلطة، وصناعة مناخ اجتماعي يتحرك في حدود المذهب السلفي، رغم سقطاته التي ألبت عليه خلال السنوات الأخيرة الشارع الجزائري، بسبب الفتوى المثيرة التي أصدرها فركوس يكفر فيها أتباع التيارات الأخرى في مدرسة الإسلام السياسي، وفي شتى المدارس السياسية الأخرى.

وأخرج حسني غسيل الإسلاميين للعلن بقوله “ما يقوم به بقايا أتباع المدخلية في الجزائر، ضد رمز الوحدة والتوحيد، للمرجعية الوطنية، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. فهم يسلقوننا بألسنة حداد، وينبشوننا بأقلام شداد، ويجرئون أتباعهم رغم قلتهم، على النيل من علماء الجمعية، بوقاحة أبعد ما تكون عن أدب الرشاد والإرشاد “، وهو ما يوحي بحدة الضغائن التي يحملها هؤلاء تجاه بعضهم البعض.

ويبدو أن الخلاف بين أكبر التيارات الدينية بلغ أوجّه، مع دخول مفردات مثيرة في السجال القائم بينها، حيث يرد حسني على “تهم الماسونية التي تلاحقهم من طرف السلفيين، وعلى احتكار المدرسة المدخلية للتيار السلفي، والتغافل عن القضايا الجوهرية”.

ويقول حسني “لقد كنا نظن وبعض الظن إثم، أن ساحة المعركة التي تجمعنا في العمل الإسلامي، هي في داخل وطننا، مقاومة الفساد والمفسدين على أكثر من صعيد، وفي الخارج هي قبلتنا الأولى قضية القدس، وقضيتنا الأولى قضية فلسطين، ولكن ما راعنا منكم، إلا أنكم لا تنبسون ببنت شفة، في التصدي للفساد والمفسدين، وفي مقاومة الصهاينة والمتصهينين”.

13