إسلاميو الشرق الأوسط معول لتدمير الدولة

الاثنين 2015/01/05
الحركات المتطرفة تقوم برسم خارطة جديدة للمنطقة تهدم الدولة

لندن- اتجهت أنظار العديد من المراقبين في الشأن الدولي خلال الفترة الأخيرة إلى منطقة الشرق الأوسط آخذين هذه المنطقة كعيّنة لدراسة “النظام الدولي الجديد” وانعكاسات السياسة الأميركية الجديدة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

ولعل أهم المسلمات النظرية في بحوث عديدة ارتكزت إلى أن الشرق الأوسط والوطن العربي عموما يعاني “حمى سايكس- بيكو جديد” تدور بطولتها حول الجماعات الإسلامية بشتى أنواعها، وأهمها “الميليشيات المتطرفة المسلحة”.

وقد كان لوزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر رأي في موضوع التقسيم الجديد للمنطقة بمعول الإسلاميين، مؤكدا أن نشأة فكرة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا كان لها تأثير عميق في ما يحدث الآن.

يمثل الشرق الأوسط أكبر تحد للنظام العالمي الذي نحن عليه اليوم، وقد نظر الإسلاميون إلى العالم الذي يتحركون فيه وينتمون إليه باعتباره «دار إسلام»، وهي الأراضي التي يسيطرون عليها ويحكمها الخليفة، و»دار حرب» وهي الأراضي الخارجة عن سيطرتهم.

وقد كان للحركات الإسلامية إستراتيجية لجعل العالم كله دار إسلام، وهو الجهاد (أي تحت سيطرتهم)، وهذه الرؤية الثنائية للعالم ما زالت تحكم نظرة العديد من الأقطاب الإسلامية، سواء كانت أنظمة مثل إيران أو الجماعات الدينية المسلحة في لبنان واليمن والعراق وباكستان وكذلك الجماعات الإرهابية الإسلامية، ويبرز الصراع والجدل بين مختلف هذه الحركات الإسلامية، بين من يريد الدخول في النظام العالمي القائم على الدولة، وبين من يريد إقامة “سلطة الإسلام” في العالم كل حسب طريقته.

جذور استغلال حركات الإسلام السياسي تعود إلى فترة تبلورت فيها فكرة العالمية الإسلامية عبر التنظيم الدولي للإخوان

ويؤكد هنري كيسنجر في وثيقته التي أسماها “تأملات” أنه حتى وإن اتفقت أغلب التيارات الإسلامية على الثنائية التي تحكم رؤيتهم للعالم (أي دار إسلام ودار حرب)، فإن الطائفية التي تخترق المسلمين بشكل عام، والتي يقف رجال الدين ـ السياسيون ـ حراسا على إيقاد نارها دائما، تمثل العائق الأول على توحيد الأنماط الفكرية الإسلامية في تيار واحد أو ربما تنظيم واحد، مؤكدا في الحين ذاته أن فكرة الهيمنة على العالم عبر الإسلام السياسي، تبقى دائما فكرة عنصرية وعنيفة وتحتوي “مستقبلا مليئا بالصراع والحروب”.

وقد عرّج الكاتب على ما يحدث في الوطن العربي الآن في سياق ما سمي بـ”الربيع العربي”، مؤكدا أنه “في لحظة عابرة كان هناك أمل بأن الربيع العربي سيزيل قوى الاستبداد والجهاد في المنطقة”، ولكن إشكالية الربيع العربي أنه “عوض التغلب على التناقضات الداخلية في العالمين العربي والإسلامي، إلا أنه أبرزها وتحوّلت السعادة إلى شلل”.

وكان الشعار المرفوع “الشعب يريد إسقاط النظام” يترك تحديد الشعب والبديل عن النظام بلا إجابة. ومن نتائج ذلك أن تم انتخاب محمد مرسي ليبدأ مسعى الإخوان المسلمين في السيطرة وتهميش الخصوم حتى انقلب عليهم الجيش وبدء مرحلة سياسية جديدة في مصر.

وقد أكدت عديد المؤشرات في سياق صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة عقب الانتفاضات الشعبية، أن مراكمة عشرات السنوات من نشاط الإسلاميين عموما وخاصة الإخوان المسلمين في العديد من الدول الغربية، أدى إلى “وجود علاقة ما بين هذه التنظيمات وأجهزة القرار ودوائر التفكير الإستراتيجية الغربية” والتي تمكنت من استدراج الإسلاميين إلى ملعب “الوسطية والاعتدال” وأعلنت أن خلاص العرب سوف يكون على أيديهم، لكن سرعان ما كانت النتائج عكس آمال الغرب بشكل تام.

ولم يستغرب كيسنجر في تعليقاته حول الصعود السريع للإخوان إلى الحكم في الدول العربية المعنية بـ”الربيع العربي”، قائلا إن الشرق الأوسط الجديد ليست فكرة مطلقة أو تصريح اعتباطي، “بل هو برنامج يريد الغرب من خلاله (وخاصة أميركا) رسم الخريطة الجديدة للعالم كي توضح سيطرتها وترسل رسائل لقوى أخرى عالمية أنها هي القوة الأولى في الكون”. ويمكن أن نسمي ما تفعله أميركا الآن بالوطن العربي بـ”سايكس- بيكو” جديد.

وتعود جذور استغلال حركات الإسلام السياسي إلى فترة تبلورت فيها فكرة العالمية الإسلامية بشكل عملي عبر التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في أربعينات القرن الماضي.

ويؤكد كيسنجر أن الإستخبارات الأميركية عرفت بشكل جيد كيف تستغل هذه النقطة لتدير الصراع في جوانب عديدة من العالم لصالحها، لعل أبرز تلك المعارك هي “أفغانستان” التي استفادت أميركا جدا من قدوم الجهاديين إليها لقتال السوفيات نيابة عنها.

الإسلاميون في العالم يقسمون إلى دار إسلام ودار حرب وذلك بغية الهيمنة على المناطق خارج سيطرتهم بتبرير ديني

ففي 1947 أعلن حسن البنا أن الغرب خسر سيطرته على نظام العالم، وأنه حانت فرصة لخلق نظام عالمي قائم على الإسلام، وعندها ارتبطت جماعة الإخوان المسلمين بأعلام في الإسلام السياسي في مختلف البلدان، مثل أبي الأعلى المودودي في باكستان وأئمة حزب التحرير في الأردن وفلسطين وإخوان سوريا…

وفي عام 1964 أعلن سيد قطب في كتابه “معالم في الطريق” الحرب على النظام العالمي القائم، وطالب قطب بوجود طليعة من المؤمنين “الأنقياء” للقيام بهذا الأمر، حيث لم يفهم كثير من الخبراء الغربيين هذه اللغة واعتبروها مجرد مجازات أو “تضاريس خطابية” لأغراض التفاوض.

ولكن بالنسبة إلى الإسلاميين فإن هذه الرؤى كانت ولا تزال تمثل حقائق تتجاوز قواعد وأعراف التعاطي السياسي بين الأنظمة والدول أو أي نظام عالمي آخر.

وصارت هذه الأسس النظرية المتطرفة والتي لا تعترف بالاختلاف في العالم وسيادة الدول واستقلالها، مشروع الجهاديين والمتطرفين في الشرق الأوسط وتتمظهر في خطاب العديد من الحركات الإسلامية فيه مثل القاعدة، حماس، حزب الله، طالبان، ملالي إيران، حزب التحرير، بوكو حرام، والدولة الإسلامية مؤخرا.

إن النقاء وليس الاستقرار هو المبدأ الذي يوجّه هذه الرؤية للنظام العالمي. وقد أشار هنري كيسنجر في كتابه “تأملات” إلى أن أفكار التطرف الإسلامية النابعة من فكر الإخوان المسلمين، أصبحت اليوم “واقعا ملموسا وفرضا قاطعا يمكن تلمّسه ورؤيته كل يوم وقراءته في الأخبار والصحف”.

وقد أشار إلى أن سوريا والعراق الآن قد يفقدان قدرتهما على الاستمرار كدولتين. فتفكك الدولة إلى وحدات طائفية وقبلية وتأجيج الصراعات البينية بين الجميع أصبح هو الحدث اليومي الذي تعيش عليه شعوب المنطقة، إذ يمكن اعتبار ذلك “الحالة الطبيعية” كما دعا إلى ذلك هوبس الفيلسوف الإنكليزي في كتابه “التنين”.

وقد لا تملك الحكومة المركزية الإرادة أو القدرة على إعادة فرض السلطة على المناطق الحدودية أو على الكيانات اللادولية مثل حزب الله أو القاعدة أو الدولة الإسلامية أو طالبان. وهذا حصل أيضا في ليبيا وإلى حد خطير في باكستان.

13