إسلاميو الكويت يستعدون لـ"غزو" البرلمان الجديد

استغلال الأزمة الاقتصادية ومعركة نصرة الرسول لتحسين التموقع في السلطة التشريعية لخوض الصراعات والتحصن من المتغيرات.
الجمعة 2020/10/30
توظيف العامل النفسي في مرحلة خوف من الأزمات

التيارات الإسلامية في الكويت وهي تستعد لخوض استحقاق انتخابي هام يتمثّل في الانتخابات البرلمانية المقررة للخامس من ديسمبر القادم، لا تجد أفضل من ركوب موجة الدفاع عن الرموز والمقدسات الإسلامية ضدّ ما تعتبره استهدافا فرنسيا رسميا لها، الأمر الذي يسهّل عليها مخاطبة المشاعر الدينية لأوسع شريحة ممكنة من الناخبين، ويمنحها، بالتالي، فرصة تحسين مستوى حضورها في البرلمان القادم الذي ستكون تركيبته ومستوى تمثيل المعارضة فيه، من العوامل المحدّدة لمستوى الاستقرار السياسي في البلد الذي يواجه صعوبات مالية واقتصادية كبيرة ولا يحتمل المزيد من الصراعات التي لطالما كان برلمانه طرفا أساسيا فيها.

الكويت - جاءت الضجّة العارمة حول التهم الموجّهة لفرنسا بالإساءة إلى الرسول محمّد، في وقت مثالي لمكونات الطيف السياسي الإسلامي في الكويت بسلفييه وإخوانه وشيعته، وذلك على بعد بضعة أسابيع من موعد انتخابات برلمانية رهانها بالنسبة لتلك المكونات تحسين التموقع في السلطة التشريعية واتّخاذها منصّة للصراع والتحصّن مما قد يطرأ من تغييرات في عهد أمير البلاد الجديد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، خصوصا وأنّ ولي عهده ليس سوى الشيخ مشعل الأحمد ذي الخلفية الأمنية الذي يشاع أنّ له موقفا سلبيا من تيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

ولم تكن التيارات الإسلامية تشغل في مجلس الأمّة (البرلمان) المنتهية ولايته والذي انتخب سنة 2016 سوى نصف المقاعد الأربعة والعشرين التي حصلت عليها المعارضة من مجموع مقاعد المجلس البالغة خمسين مقعدا، لكن جهات سياسية ترى أنّ هناك فرصة أكبر للإسلاميين خلال الانتخابات القادمة للرفع من حجم حضورهم بالبرلمان نظرا للعديد من الظروف والمستجدّات المؤثّرة في مزاج الناخب الكويتي.

ويعمل الإخوان على نحو خاص على تدارك تبعات مقاطعتهم للانتخابات البرلمانية في دورتين متتاليتين سنتي 2012 و2013 احتجاجا على تغيير النظام الانتخابي من تعدّد الأصوات للناخب الواحد إلى نظام صوت وحيد لكل ناخب، قبل أن يعودوا عن قرارهم ويشاركوا في دورة 2016 ويحصلوا على أربعة مقاعد بمجلس الأمّة.

معركتان في واحدة

مع فتح باب الترشّح للانتخابات المقرّرة في الكويت للخامس من شهر ديسمبر القادم، مثّل الجدل الحادّ والتراشق الإعلامي والسياسي العابران لحدود الدول والقارّات حول حادثة مقتل المدرّس الفرنسي على يد متشدّد إسلامي روسي وإعادة نشر الصور المسيئة للرسول محمّد وتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المدافعة عما يعتبره حرية تعبير لا تقف عند حدود المقدّسات الدينية، وحديثه السابق عن “انفصالية إسلامية” في بلاده، مواضيع مثالية لحملة انتخابية سابقة لأوانها للإسلاميين في الكويت.

ووفرت حملة الدفاع عن المقدّسات الإسلامية ضدّ ما اعتُبر إساءات فرنسية للرسول، على إسلاميي الكويت وهم يستعدون للمشاركة في الانتخابات، عناء البحث عن مواضيع قوية لمخاطبة المشاعر الدينية للناخب الكويتي، حيث تسابقت شخصيات سياسية إسلامية كويتية للانضمام للحملة العالمية التي تقودها الحكومة التركية، وتبارت في الدعوة لمقاطعة فرنسا اقتصاديا، رغم ما في تلك الدعوة من إحراج للسلطات الكويتية الحريصة دائما على الحفاظ على علاقات قوية مع مختلف القوى الدولية.

طالبت الحركة الدستورية الإسلامية “حدس” التي تمثّل الوعاء السياسي للفرع الكويتي من جماعة الإخوان المسلمين باستدعاء السفيرة الفرنسية للاحتجاج على مواقف ماكرون من قضيّة الرسوم المسيئة، كما دعت الجمعيات الخيرية إلى “تكثيف جهودها الدعوية في الغرب من أجل التعريف بحقيقة سيدنا محمد”.

وكتب جمعان الحربش القيادي الإخواني الفارّ إلى تركيا من حكم قضائي صادر ضدّه في قضية اقتحام مقرّ البرلمان سنة 2011، على حسابه في تويتر “يجب أن يكون هناك موقف إسلامي من فرنسا ورئيسها المتطرف الذي يدافع عن الإساءة المتعمدة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويعيد نشرها”، مضيفا “المقاطعة للمنتجات الفرنسية هي الخطوة التي نملكها للدفاع عن مقام النبوة فلا نتردد”.

وهاجم النائب الإخواني في البرلمان الكويتي محمّد الدلال العلمانية الفرنسية واصفا إياها بالـ”متوحشة” والـ”قذرة” وبأنّها “تحث وتدعو للتعصب والكراهية والعنف”.

وتوجّه أسامة الشاهين المرشّح عن “حدس” للانتخابات البرلمانية القادمة برسالة مقتضبة إلى “القائد الفرنسي المتطرف ماكرون” جاء فيها “نقول ما قاله القائد الحضاري عمر بن الخطاب: رجوعك إلى الحق خير من تماديك في الباطل”.

وندّد صالح عاشور المرشّح عن “تكتّل العدالة والسلام” الشيعي بما اعتبره تخاذلا رسميا من قبل حكومات الدول الإسلامية في نصرة الرسول ضدّ الإساءات الفرنسية، قائلا “بالرغم من الإساءة البليغة للنبي الأكرم من قبل الرئيس الفرنسي ماكرون لتبنّيه الرسوم المسيئة، إلاّ أننا لم نر أي دولة إسلامية تسحب سفيرها من فرنسا، ولو تم التعرض لأي حاكم لكان الوضع مختلفا وعكْس ردة الفعل الخجولة التي نشاهدها حاليا للأسف الشديد”.

وحمل محمد هايف المطيري المرشّح عن “تجمّع ثوابت الأمّة” السلفي، بشدة على ماكرون داعيا “الشعوب الإسلامية إلى توجيه صفعة له لتجاوزه الحدود في حربه التي يشنها على الإسلام والمسلمين”، معتبرا في تغريدة على تويتر أنّ الصفعة الأكثر إيلاما لفرنسا هي مقاطعة بضائعها.

وشكر هايف اتحاد الجمعيات التعاونية الاستهلاكية التي كانت قد بادرت إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية. ويوجد بالكويت حوالي خمسة وسبعون جمعية تعاونية لها المئات من الأفرع في مختلف مناطق البلاد، وتشكل المنفذ الرئيسي لبيع المواد الاستهلاكية اليومية لاسيما الغذائية منها.

استثمار الأزمة

دور الفساد في تعميق الأزمة الاقتصادية والمالية يتيح للإسلاميين فرصة تزعّم الدعوة للإصلاح على أسس دينية وأخلاقية

أعلن رئيس الاتحاد فهد الكشتي أنّه طلب من كافة الجمعيات التعاونية بالكويت مقاطعة المنتجات الفرنسية في هذه الجمعيات “انتصارا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم”. وأضاف “تم رفع جميع المنتجات الفرنسية من جميع الجمعيات”.

وتسدي مبادرة الاتّحاد، بحسب مصادر كويتية، خدمة كبيرة للمرشّحين الإسلاميين للانتخابات البرلمانية، ذلك أن تلك الجمعيات خاضعة في أغلبها لسطوة التيارات الإسلامية وخصوصا الإخوان والسلفيين الذين اتّخذوا من الجمعيات الخيرية والاستهلاكية أطرا للعمل السياسي في ظل عدم سماح القوانين الكويتية بتشكيل الأحزاب السياسية.

ومن أشهر تلك الجمعيات وأكثرها قوّة ونفوذا في أوساط المال والإعلام والسياسة، جمعية الإصلاح الاجتماعي التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، والتي تقول مصادر كويتية إنّها تمكنت على مدى قرابة الستة عقود من النشاط من تكوين إمبراطوية مالية بفضل جمع التبرعات وإدارة الاستثمارات والأعمال التجارية، الأمر الذي يفسّر قوة الفرع الكويتي من تنظيم الإخوان الدولي رغم محدودية عدد منتسبيه قياسا بما هي عليه الحال في بلدان كبيرة أخرى مثل مصر.

وجاء التجاوب السريع مع دعوة مقاطعة البضائع الفرنسية ليظهر مجدّدا مدى سطوة الإسلاميين وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين على المشهد الكويتي وقدرتهم على تسليط الضغوط على السلطة ذات الارتباطات الوثيقة بقوى دولية.

لكن تلك الحملة لم تكن سوى جزء من الأرضية التي يتحرك الإسلاميون عليها صوب البرلمان الجديد، إذ توفّر الأزمة المالية الحادّة الناتجة عن تراجع أسعار النفط، والتي بلغت حدّ التشكيك في قدرة الدولة الكويتية على مواصلة دفع رواتب موظفيها، فرصة مواتية للأحزاب والتيارات الدينية لتزعّم الدعوة للإصلاح وللدفع بمشاريعها في هذا المجال والمقام أغلبها على طروحات دينية وأخلاقية من منطلق أنّ ظاهرة الفساد المتفشّية في مفاصل الدولة هي السبب الرئيس في فشل التنمية وهدر الموارد.

وفي وثيقة أعدّها الإخواني الكويتي البارز عبدالله النفيسي تحت مسمّى “وثيقة الكويت” مقترحا اعتمادها كإطار للإصلاح في عهد الأمير الجديد الشيخ نواف الأحمد ورد أنّ “الفساد بكل صوره وألوانه طال جميع أجهزة الدولة ومؤسساتها وأفقد الناس الثقة بها والقائمين عليها، وعرّض ثرواتها الوطنية للسرقة والنهب المنظم والمتنامي عبر السنوات”.

وصفة للتأزيم

معركة الدفاع عن الرسول ضد الإساءات الفرنسية وفرت على إسلاميي الكويت عناء البحث عن مواضيع قوية لمخاطبة المشاعر الدينية للناخب
معركة الدفاع عن الرسول ضد الإساءات الفرنسية وفرت على إسلاميي الكويت عناء البحث عن مواضيع قوية لمخاطبة المشاعر الدينية للناخب

يميل المجتمع الكويتي على وجه العموم إلى الحفاظ والتدين وتجد الطروحات السياسية للإسلاميين رواجا متزايدا بين الكثير من أوساطه على حساب طروحات القوميين والليبراليين الذين يسجلون بدورهم حضورهم داخل الأوساط الأرفع ثقافة وتعليما.

وينشط الإسلاميون بكثافة لنشر أفكارهم عبر المنتديات الاجتماعية والمنابر الدينية، بينما وفّرت لهم وسائل التواصل الاجتماعي قنوات جديدة لمخاطبة أوسع شريحة من الجمهور حيث يسجّل نشاط استثنائي لهم عبر تلك الوسائل.

وتظل أهم الميزات لإسلاميي الكويت وخصوصا الإخوان المسلمين قوّتهم المالية الكبيرة وقدرتهم الفائقة على جمع الأموال عن طريق التبرّعات. وقد ساعدتهم الوفرة المالية المتأتية للبلاد من النفط وانعكاسها على مستوى رفاه المجتمع لسنوات طويلة على تكوين ثروات طائلة يوظفونها لتدعيم حضورهم السياسي ويستخدمونها في جلب المزيد من الأنصار، وفي تحفيزهم واستنفارهم خلال المعارك السياسية والأيديولوجية والحملات الانتخابية.

وعلى هذه الخلفية يتقدّم الإسلاميون الكويتيون بحظوظ كبيرة لانتخابات مجلس الأمّة 2020 تساعدهم الأجواء الإقليمية والدولية الملبّدة بالصراع السياسي المغلّف بلبوس ديني، كما توفّر لهم الأزمة الاقتصادية وتبعاتها الاجتماعية، والمزاج السوداوي السائد داخل المجتمع الكويتي جرّاء جائحة كورونا، مناخا مناسبا لتحسين أدائهم ونتائجهم في تلك الانتخابات.

وجاء في تقرير لصحيفة الرأي الكويتية أن التكوينات الإسلامية عازمة على التواجد بقوة في مجلس الأمّة الذي ستتمخّض عنه انتخابات ديسمبر القادم، خصوصا وأنّها ستخوضها بمرشّحيها المباشرين وأيضا بمرشحين آخرين غير منتمين إليها تنظيميا لكنّهم يحملون فكرها. وهناك، بحسب التقرير ذاته، مقاعد برلمانية يمكن القول إنها باتت محجوزة للإسلاميين من إخوان وسلفيين وشيعة.

ويعني ضمان حضور وازن في البرلمان الكويتي الجديد لمختلف التيارات السياسية، تأمين دور في المرحلة الجديدة التي انطلقت في البلاد مع الأمير الشيخ نواف الأحمد وولي عهده الشيخ مشعل الأحمد، إذ لطالما مثّل مجلس الأمّة بما يمتلكه من سلطات فعلية منبرا لخوض المعارك السياسية وتصفية الحسابات الحزبية والشخصية والقبلية، وأداة فعّالة للضغط على الحكومات. فكان من هذه الزاوية مساهما فعّالا في عدم الاستقرار السياسي وفي الانقطاعات المتكرّرة المتمثّلة بإقالة الحكومات وحلّ البرلمانات قبل نهاية مددها القانونية. وهو السبب الذي جعل السلطة في عهد الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد دائمة التفكير في وسيلة للحدّ من “تغوّل” النواب وإدمانهم على استجواب أعضاء الحكومة. وسبق للشيخ صباح أن لوّح باستخدام سلطاته للحدّ من صلاحيات النواب لكنّه لم يطبّق ذلك حتى وفاته.

وعلى هذه الخلفية فإنّ نسبة حضور الإسلاميين وخصوصا الإخوان المسلمين في البرلمان الكويتي القادم ستكون مؤثّرة في مستوى الاستقرار السياسي في عهد الشيخ نواف الأحمد، خصوصا في ظلّ المعارك المفتوحة سلفا من قبل هؤلاء الإسلاميين والتي سيستأنفونها عن طريق نوابهم في مجلس الأمّة القادم وعلى رأسها معركة الإصلاح السياسي التي يقودها الإخوان والتي تعني في المحصّلة النهائية تغيير طبيعة النظام، إلى نظام برلماني كامل يتحوّل معه دور الأسرة الحاكمة وعلى رأسها الأمير إلى دور اعتباري شكلي، فضلا عن المعارك الجزئية حول المسائل الاقتصادية وظاهرة الفساد والعفو الشامل على سياسيين مدانين في عدّة قضايا ومن بينها قضية اقتحام مجلس الأمّة سنة 2011. وبذلك يكون حصول الإسلاميين على العدد الأكبر من مقاعد المعارضة في البرلمان الكويتي وصفة لاستئناف التأزيم والصدام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

13