إسلاميو تركيا يكرسون الكسل الفكري والاقتصادي

الإسلاميون بدلا من التعامل مع المخاطر والطبيعة التنافسية للسوق، ربما يدفعون باتجاه تحويل السوق أكثر ليصبح كيانا تديره الدولة.
الأربعاء 2018/10/17
تسويق لحزب أردوغان وكيفما اتفق

إن كان لنا أن نشرح الأزمة الاقتصادية الراهنة في تركيا، فإن واحدة من القضايا الكبرى فيها ستكون العبء الهائل من ديون الشركات والأفراد الذي سببته سنوات من سياسة الائتمان الرخيص الذي أنفق في قطاعات، من بينها الإنشاءات، عوضا عن زيادة الإنتاج الذي كان يمكن أن يساعد في سداد تلك الديون.

لكن حتى مع إمكانية الحصول على ائتمان رخيص، لِمَ فشلت الحركة الإسلامية التركية في إنشاء نموذج اقتصادي منتج خلال ست عشرة سنة منذ وصولها إلى السلطة؟

تكمن الإجابة في الطبيعة الريعية للحركة الإسلامية، ومنها أتى الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم، حزب العدالة والتنمية، وكذلك حركة غولن وغيرها.

الحالة الريعية هو مصطلح عادة ما يستخدم لوصف بلدان تملك الكثير من الإيرادات من النفط والغاز. وعادة ما تكون تكاليف الإنتاج ضئيلة للغاية حتى أن الأمر يصبح أشبه بمال يأتي دون أي جهد، شيء لا يختلف كثيرا عن حالة الإيجارات.

الحالة الريعية هي نموذج سياسي ذو خصوصية تتمكن فيه الحكومة من فرض نظام سياسي في ظل نجاحها في الاستمرار دون الاعتماد على تحصيل ضرائب من المواطنين.

وفي النموذج الريعي، تُوزع الموارد من خلال الدولة استنادا إلى مستوى الولاء السياسي لدى المتلقين، وليس على أساس الكفاءة التي يتم إثباتها من خلال المنافسة.

بالتالي تفشل النماذج الريعية في إفراز بيئة تنافسية قادرة على مواجهة المخاطر والتغلب عليها. بمعنى آخر، تعجز عن تخريج أفراد ذوي إمكانيات عالية.

لطالما تصرفت الأحزاب الإسلامية في تركيا وفقا لعقلية ريعية، معتمدين على توزيع نماذج متعددة من المدفوعات المالية التي يمكنها أن تحدث أثرا مماثلا.

لا تختلف الإيرادات التي يتم تحصيلها من تبرعات دينية عن الإيجارات التي يتم الحصول عليها دون القيام بأي نشاط اقتصادي حقيقي منتج.

من خلال هذا الشكل من أشكال التبرعات، تصعد مجموعات إسلامية إلى السلطة وتسيطر على موارد اقتصادية كبرى، لكن الإيرادات لا تكون نتاج أنشطة اقتصادية يتم تحصيلها من خلال عمل خلاق أو مواجهة مخاطر أو في المنافسة داخل السوق.

هذا النموذج تسبب في خلق المشكلة الثانية التي تتسبب فيها العقلية الريعية وهي أن الحركات الإسلامية توزع الموارد وتنفق أموالها على حسب عقليتها الإدارية الداخلية حيث الأولوية للولاء للمجموعة.

لذلك السبب تحولت المجموعات الإسلامية إلى مؤسسات ذات هياكل إدارية صارمة لا تتحمل الرأي الآخر، وعجزت عن إفراز بيئة تنافسية أساسها الموهبة.

على سبيل المثال، لم يسبق أن لعب أي من رجال الأعمال المقربين من حركة غولن، التي تتهمها السلطات التركية بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، دورا في اتخاذ القرارات الكبرى التي تصدرها الحركة.

حركة غولن لم تفتح أبدا الباب لرجال الأعمال للعب أي دور في هيكل اتخاذ القرارات بداخلها.             

خذ مثلا مصطفى أوزجان، الشخصية البارزة في حركة غولن، والذي لعب أدوارا مؤثرة في شركاتها المالية الكبرى مثل بنك آسيا وشركة كايناك القابضة، وهو رجل دين سابق بلا سابق خبرة نظرية أو تجارب سياسية أو اقتصادية.

لقد تسببت العقلية الريعية التي تدير هذه الحركات في منع صعود أفراد من أصحاب الآراء المنتقدة أو الراغبين في المخاطرة، بل وحتى من ذوي الصلة بالأسواق داخل الحركات الإسلامية ذاتها. لقد كان الهدف النهائي للحركات الإسلامية دوما هو السيطرة على الدولة، ولذا أسسوا هياكل منظماتهم بما يتماشى مع هذا الغرض.

لكن الطبيعة الريعية للحركات الإسلامية التركية لم تفرز سوى نجاحات تعتمد على الكم وليس الكيف. فالشخصيات المنتمية لهذه الحركات ينشؤون أكبر المباني ويملكون القدرة على تحريك الآلاف في مسيرات سياسية، ناهيك عن هيمنتهم على الجهاز الإداري للدولة.

لكن حين يتعلق الأمر بنجاح كمي، كالعدالة أو الإنتاج الإبداعي الفكري، تصبح التجربة مروعة.

على سبيل المثال، يهيمن الحزب الحاكم في تركيا على العدالة، لكن مؤسسات الاتحاد الأوروبي رفضت ثلاثة مرشحين متعاقبين من حزب العدالة والتنمية لمناصب قضائية في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

انظر كيف عجز الإسلاميون عن تخريج قاض واحد تتوفر فيه المعايير اللازمة للعمل في محكمة ذات طابع دولي.

لا يختلف الأمر بالنسبة لحركة غولن. فالحركة التي هيمنت ذات يوم على إنشاء المؤسسات التعليمية ووضعت آلاف التابعين في مناصب بالجهاز الإداري للدولة، تكاد لا تملك خبيرا مرموقا واحدا يملك خبرات عالمية في العلوم أو الفنون، أو حتى في أي مجال يذكر.

لقد حكم الإسلاميون تركيا على مدى عشرين عاما تقريبا، لكن يظل العلمانيون في البلاد يسيطرون على الحياة الثقافية بل والفكرية بها.

إن الحركة الإسلامية بطبيعتها الريعية لا تملك القدرة على إفراز أفراد أصحاب رؤى منتقدة أو خلاقة للمنافسة في السوق.

بل إن مجتمع الإسلاميين لا يفرز سوى أفراد يؤمنون بضرورة الاعتماد على مجموعتهم من أجل البقاء، عوضا عن الاعتماد على مواهبهم الخاصة.. لكن الأكثر أهمية هنا هو أن الشخصيات والرموز السياسية البارزة في الحركات الإسلامية، وبينهم أردوغان نفسه، هم من مُخرجات التنشئة الاجتماعية إسلامية الطابع المعتمدة على الثقافة الريعية. لذا يمكن القول إنهم أساتذة في الحصول على القروض.

لم يقم حزب العدالة والتنمية الذي يقوده أردوغان بأي شيء يذكر على مدى ست عشرة سنة له في الحكم سوى الاقتراض على المستويين الدولي والمحلي: فالإسلاميون حصلوا على أموال هائلة من دائنين دوليين وقاموا بتوزيعها بطريقة تساعدهم على البقاء سياسيا.

خلال الحقبة الذهبية للائتمان الرخيص في العالم، لجأ حزب العدالة والتنمية إلى تطبيق نظام أشبه بالمدينة الفاضلة: فلم يتم تحصيل رسوم تعليمية في الجامعات، ولم يدفع الطلاب مقابل الكتب، وتم بيع النفط بأسعار رخيصة، كما أن نحو ربع السكان تلقوا أشكالا متعددة من الدعم المالي والعلاج الرخيص، أضف إلى هذا خدمات صحية تقدمها الدولة بالمجان تقريبا وغيرها.

لكن عصر الائتمان الرخيص قد ولّى وحان الوقت لكي يقدم الإسلاميون نموذجا اقتصاديا من بنات أفكارهم في بيئة تنافسية عالمية.

وبالنظر لعجز الإسلاميين عن طرح نموذج اقتصادي جديد، فإن تركيا تقف أمام سيناريوهين:

قد يطلب الإسلاميون المساعدة من شخصيات علمانية. لكن لا يجب أن ننسى كيف رفض أردوغان – بغضب – اتفاقا مع شركة ماكنزي، وهي شركة استشارات مالية أميركية. فالإسلاميون لم تعد لديهم القدرة على ضمان توفير الحد الأدنى من الشفافية المهنية في مثل هذه الاتفاقات.

السيناريو الثاني هو الاستمرار في سياسة الولاء وفقا للطبيعة الريعية للتضامن لكن هذه المرة من خلال دولة لم تعد تحت سيطرتهم.

لكن الإسلاميين بدلا من التعامل مع المخاطر والطبيعة التنافسية للسوق، ربما يدفعون باتجاه تحويل السوق أكثر ليصبح كيانا تديره الدولة.

13