إسلاميو تونس.. التخلي عن الوطن دائما من أجل الجماعة

شهر يناير 2014 لم يكن تاريخا عاديا في تونس، فقد شهد حدثين كبيرين؛ الأول هو الانتهاء من المصادقة على الدستور التونسي الجديد الذي من أجله انعقدت انتخابات 23 أكتوبر 2011 وتشكّل المجلس التأسيسي بأغلبية ساحقة لحزب حركة النهضة، والثاني هو تخلي الحركة عن الحكم لفائدة حكومة أخرى سُميت مستقلة ورأسها المهدي جمعة.
الأربعاء 2017/04/05
تيارات دينية تدير ظهرها للوطن

لم يكن تخلي الحركة الإسلامية التونسية عن الحكم بإرادتها بل كان بعد احتجاجات كاسحة وانتصاب اعتصام الرحيل أمام قبة المجلس التأسيسي من قبل نواب المعارضة المنسحبين من المجلس التأسيسي منذ يوليو 2013 يوم جنازة الشهيد محمد البراهمي.

ولما تلقّت حركة النهضة انتقادات واسعة من قبل أنصارها بسبب قبولها التخلي عن الحكومة قال رئيس الحركة راشد الغنوشي قولته الشهيرة "غادرنا الحكومة ولم نغادر الحكم"، بمعنى أنهم سيظلون مؤثرين في دواليب الدولة وسيحافظون على مصالحهم. راهن الغنوشي وهو يصرّح بما قاله على أمرين، الأول أن الحكومة المشكلة إثر الحوار الوطني المضني الذي قادته المنظمات الوطنية الأربع الكبرى ستكون مرتهنة إلى المجلس التأسيسي الذي تسيطر عليه حركة النهضة وحلفاؤها بأغلبية ساحقة، والثاني علامات القطيعة التي بدأت تتكاثر بين رئيس الحكومة الجديد المهدي جمعة وبين رئيس الجمهورية المؤقت وقتها المنصف المرزوقي وحزبه المؤتمر من أجل الجمهورية، بما سيجبر جمعة على البحث عن السند عند حركة النهضة.

ولم تكن صفة الفارس التي أطلقها الغنوشي على جمعة مجانية حين قال يوم الإعلان علن الاتفاق على شخصه ليرأس الحكومة "فارس يخلف فارسا"، وكان يقصد مهدي جمعة رئيس الحكومة الجديد وعلي العريض القيادي في حركة النهضة ورئيس الحكومة المستقيل.

لقد مثّلت فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية من ديسمبر 2011 إلى يناير 2014 منعرجا خطيرا في تاريخ تونس المعاصر، حيث وقع تحويل وجهة مطالب الثورة وشعاراتها من المطالبة بالتشغيل والتنمية والعدالة، إلى العمل على تطبيق الشريعة ونشر ثقافة الجهاد في الداخل والخارج والتشجيع عليها.

إسلاميو النهضة استعمل أهم آلية ديمقراطية حديثة للتداول على الحكم لتأسيس حكم غير ديمقراطي وغير مدني من دون أن يكشفوا عن نواياهم الحقيقية لناخبيهم وللرأي العام

وانحرف المجتمع التونسي إلى مربعات العنف والتكفير التي آلت إلى سقوط تونس في دوامة الاغتيالات السياسية التي وقعت في مشاهد فرجوية صادمة أعدت على مرأى ومسمع من دولة إسلاميي النهضة الذين كانوا يرون ويسمعون فتاوى التكفير وإباحة دماء السياسيين والفنانين والإعلاميين والمثقفين. ولكنّ الإسلاميين كانوا يتغاضون عن هذه الخطابات حتى تحوّلت إلى رصاصات.

كما استغل إسلاميو النهضة الأدوات الديمقراطية كآلية الانتخابات والمفاهيم المدنية كمفهوم التداول السلمي على السلطة إضافة إلى أساليب أخرى غير قانونية وغير مدنية مثل الدعاية المسجدية والسطو على الإمامة في 90 بالمئة من الجوامع والمساجد، وبعث مؤسسات إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية وأساليب أخرى كثيرا ما استعملها الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي ونظامه تتمثل في المنّ على الفقراء بالمساعدات البسيطة كالطعام والمؤونة مقابل نيل أصواتهم، استعملوا ذلك وغيره من أجل الفوز الانتخابي.

لم يكن الفوز الانتخابي من أجل غاية وطنية لخدمة أهداف الثورة وتحقيق آمال تونس وشعبها في الاستقرار والتقدّم والأمن والتنمية والعدالة، وإنما سرعان ما أعلن الأمين العام لحركة النهضة وأول رئيس لحكومة الترويكا حمادي الجبالي عن "أن الفوز الانتخابي هو إشارات ربانية ستقود حركته إلى تحقيق الخلافة السادسة وإلى استبدال المجتمع المدني بالمجتمع الأهلي".

من هنا خرجت مقررات مجلس شورى النهضة ومكتبها التنفيذي من الكتمان والسرية إلى العلنية. وافتتح التونسيون مسارا من المعاناة لم يغادروه بعد رغم ما دفعوه من خسائر ومن دماء بسبب انحياز من انتخبوهم للجماعة على حساب الوطن.

وكان إسلاميو النهضة متعجلين في تنفيذ مشروع الجماعة عبر جعل تونس نقطة الانطلاق للتمكين الإخواني الأصولي لتشكيل الهلال الإسلامي الذي سيشكل عندهم اللبنة الأم لإعادة الخليفة وخلافته في القرن الحادي والعشرين. وهنا تطابق مشروع إخوان النهضة مع مشروع حزب التحرير مع مشروع أصوليي أنصار الشريعة ثم داعش بعد ذلك.

تطابق المشاريع هذا كانت له انعكاسات على سياسات حكومة النهضة وحليفها رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي، حيث اتجهت العلاقات مع زعيم أنصار الشريعة أبي عياض ومع الدعاة المتشددين إلى التحالف والتعاون على سرعة تحويل طبيعة المجتمع التونسي المتمدن إلى مجتمع أهلي تحكمه الشريعة والحدود. ولم تكن نوازع التغيير بالحسنى بل بالعنف والاعتداء والتكفير.

وفي السياق ذاته كانت إشارات التغامز مع إسلاميي الشرق تتضافر. وتنادى الإخوان والأصوليون إلى مراجعهم الموحدة في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يستمدّون منها خارطة الإنجاز المتعجل لحلم الخلافة والمشروع الأصولي.

عندها قال راشد الغنوشي إمعانا في التحايل التاريخي وهو يستقبل يوسف القرضاوي على مدرج الطائرة في مطار قرطاج يوم 3 مايو 2012 “الثورة التونسية طلعت من تحت جبّة القرضاوي”، في الوقت الذي يعرف فيه العالم برمّته أنّ الثورة التونسية خرجت من الجهات الداخلية المقموعة المنهوبة ثرواتها المحرومة من التنمية والعدل والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

لقد تعرّض التونسيون إلى أكبر عملية تحيّل في تاريخهم الحديث حيث انتخبوا بأنفسهم من تنكّر للانتخابات نفسها، وكشف عن كونه لم يكن يعتبرها غير آلية لا بد منها للوصول إلى الحكم. بمعنى آخر استعمل إسلاميو النهضة أهم آلية ديمقراطية حديثة للتداول على الحكم لتأسيس حكم غير ديمقراطي وغير مدني من دون أن يكشفوا عن نواياهم الحقيقية لناخبيهم وللرأي العام قبل الانتخابات. وهذا هو مفهوم التمكين عندهم بالاعتماد على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة.

خرج النهضويون من الحكم في يناير 2014 ولكنهم حافظوا على مصالحهم كاملة، ولم تمس أي لبنة من لبنات إسقاط تونس مجتمعا واقتصادا وثقافة التي وضعوها في حكمهم. وعادوا بعد انتخابات 2014 إلى الحكم مستعملين نفس الأساليب التي مازالت فاعلة في مجتمع متريّف سياسيا لم يتح الفرصة لنخبه التنويرية لتقوده. ومع الهزّات الخطيرة التي عرّضوا تونس لها مازال إسلاميو النهضة يكنّّون الولاء للجماعة على حساب الوطن.

13